تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

ومن الرياسة الحلم والعفو والصفح

- وقد ندب الله ﷿ إليه رسوله ﷺ في قوله (فاصفح الصّفح الجميل) (الحجر:). وقال رسول الله ﷺ: ما أعزّ الله بجهل قط، ولا أذلّ بحلم قط.

وفي حديث آخر: ما عفا رجل عن مظلمة قطّ إلا زاده الله بها عزّا.

قال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث خصال من لم

يكنّ فيه لم ينفعه الإيمان، حلم يردّ به جهل الجاهل، وورع يحجزه عن المحارم، وخلق يداري به الناس.

- ومرّ عيسى ﵇ ببعض الخلق فشتموه، ثم مر بآخرين فشتموه فكلما قالوا شرا قال خيرا، فقال له رجل من الحواريين: كلما زادوك شرا زدتهم خيرا كأنك إنما تغريهم بنفسك وتحثهم على شتمك، فقال: كلّ إنسان يعطي مما عنده.

وهذا وإن كان مخرجه مخرج الحلم فهو منه ﷺ احتساب وتأديب.

- وشتم رجل الشعبيّ فقال: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك.

- وقيل للحسن بن عليّ ﵉: إنّ فلانا يقع فيك، فقال: ألقيتني في تعب، الآن أستغفر الله لي وله.

- وقال علي ﵇: أوّل عوض الحليم من حلمه أنّ الناس أنصار له على الجاهل.

- وقال: إن لم تكن حليما فتحلّم، فإنه قلّ من تشبّه بقوم إلا

أوشك أن يكون منهم.

- وقال ﵇: الحلم فدام السفيه.

- وقال: الحلم والأناة توأمان ينتجهما علوّ الهمة.

- قيل: اجعل الحلم عدّة للسفيه، وجنّة من ابتهاج الحاسد، فإنك لم تقابل سفيها بالاعراض عنه والاستخفاف بعقله إلا أذللته في نفسه، وسلّطت عليه الانتصار من غيرك، وإذا كافأته بمثل ما أتى وزنت قدرك بقدره ولم تنصر عليه.

- وقال المنتصر: لذة العفو أطيب من لذّة التشفي لأنّ لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، وإن لذة التشفي يلحقها ذمّ الندم.

- وقال ابن المعتز: لا تشن وجه العفو بالتقريع.

»

- وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع عليه.

- قال كثير:

حليم إذا ما نال عاقب مجملاأشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تشوف من صوت الصدى كلما دعا»
فعفوا أمير المؤمنين وحسبةفما تحتسب من صالح لك يكتب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تشوف من صوت الصدى كلما دعا»
أساءوا فإن تغفر فإنك أهلهوأفضل حلم حسبة حلم مغضب

- وقال زهير بن أبي سلمى:

وذي نعمة تمّمتها وشكرتهاوخصم يكاد يغلب الحقّ باطله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»
دفعت بمعروف عن القول صائبإذا ما أضلّ القائلين مفاصله
وذي خطل في القول تحسب أنهمصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمي وأكرمت غيرهوأعرضت عنه وهو باد مقاتله

- وقال المرار بن سعيد:

إذا شئت يوما أن تسود عشيرةفبالحلم سد لا بالتسرّع والشّتم
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
وللحلم خير فاعلمنّ مغبةمن الجهل إلا أن تشمّس من ظلم
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

- وقف رجل عليه مقطّعات على الأحنف بن قيس يسبّه، وكان عمرو بن الأهتم جعل له ألف درهم على أن يسفّه الأحنف، وجعل لا يألو أن يسبّه سبّا يغضب، والأحنف مطرق صامت لا يكلمه. فلما رآه لا يكلّمه أقبل الرجل يعضّ إبهامه ويقول: يا سوأتاه والله ما يمنعه من جوابي إلّا هواني عليه.

- وقال رجل لرجل من آل الزبير كلاما أقذع فيه، فأعرض

الزبيري عنه، ثم دار كلام فسب الزبيريّ عليّ بن الحسين فلم يجبه، فقال له الزبيري: ما يمنعك من جوابي؟ فقال علي: ما منعك من جواب الرجل.

- وقال رجل لرجل سبّه فلم يلتفت إليه: إيّاك أعني، فقال له الرجل: وعنك أعرض.

- وقال آخر: لو قلت واحدة لسمعت عشرا، فقال له الآخر:

ولكنك لو قلت عشرا لما سمعت واحدة.

- وقال الشاعر في نحو ذلك:

ولقد أمرّ على اللئيم يسبّنيفأجوز ثم أقول لا يعنيني

- قال الأحنف: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره باحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه.

- وشتمه رجل فأمسك عنه، وأكثر الرجل إلى أن أراد الأحنف

القيام للغداء، فأقبل على الرجل فقال: يا هذا إنّ غداءنا قد حضر فانهض بنا إليه إن شئت فإنك منذ اليوم تحدو بجمل ثفال.

- وروي عن رجل من أهل الشام قال: دخلت المدينة فرأيت راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب فامتلأ قلبي له بغضا وحسدت عليا أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه فقلت له: أنت ابن أبي طالب؟ فقال: أنا ابن ابنه. قلت: فبك وبأبيك، أسبّهما، فلما انقضى كلامي قال: أحسبك غريبا، قلت: أجل، قال: فمل بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال واسيناك، أو إلى حاجة عاوناك، قال:

فانصرفت عنه وما على الأرض أحد أحبّ إليّ منه.

- وقال معاوية: ما وجدت لذّة شيء ألذّ عندي غبّا من غيظ أتجرّعه، ومن سفه بالحلم أقمعه.

- وقال له رجل: ما أشبه استك باست أمك، قال: ذاك الذي كان يعجب أبا سفيان منها.

- وأغلظ له رجل فاحتمله، وأفرط عليه فحلم عنه، فقيل له في

ذلك فقال: إنا لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا؛ وإلى هذا المعنى أشار أبو تمام بقوله:

جهول إذا أزرى التحلّم بالفتىحليم إذا أزرى بذي الحسب الجهل
للشاعر شعراء مجهولون، من قصيدة «جهول إذا أزرى التحلم بالفتى»

وكأنه ألمّ بقول سالم بن وابصة:

إنّ من الحلم ذلا أنت عارفهوالحلم عن قدرة فضل من الكرم
للشاعر سالم بن وابصة الأسدي، من قصيدة «ونيرب من موالي السوء ذي حسد»

وقول الآخر:

قليل الأذى إلّا على القرن في الوغىكثير الأيادي واسع الذرع بالفضل
ويحلم ما لم يجلب الحلم ذلّةويجهل ما شدّت قوى الحلم بالجهل

- وقال عامر بن مالك ملاعب الأسنة:

دفعتكم عنّي وما دفع راحةبشيء إذا لم يستعن بالأنامل
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
تضعّفني حلمي وكثرة جهلكمعليّ وأني لا أصول بجاهل

- وقال يزيد بن الحكم الكلابي:

دفعناكم بالقول حتى بطرتموبالراح حتى كان دفع الأصابع
فلما رأينا جهلكم غير منتهوما غاب من أحلامكم غير راجع
مسسنا من الآباء شيئا وكلناإلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتمبني عمكم كانوا كرام المضاجع
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «دفعناكُمُ بالحلم حتى بطرتُمُ»

- وكان معاوية مذكورا بالحلم، وأخباره فيه كثيرة، وقد دفعه قوم عن ذلك؛ ذكر عند ابن عبّاس ﵁ بالحلم فقال: وهل أغمد سيفه وفي قلبه على أحد إحنة؟! وقال شريك بن عبد الله: لو كان معاوية حليما ما سفه الحق ولا قاتل عليا. وقال: لو كان حليما لما حمل أبناء العبيد على حرمه ولما أنكح إلا الأكفاء.

وقال الآخر: كان معاوية يتعرّض، ويحلم إذا أسمع، ومن تعرّض للسفيه فهو سفيه.

وقال آخر: كان يحبّ أن يظهر حلمه، وقد كان طار اسمه بذلك فأحبّ أن يزداد فيه.

- وكان معاوية يقول: إني لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن إلا كلمة يشتفي بها مشتف جعلتها تحت قدمي ودبر أذني.

- وشهد أعرابيّ عند معاوية بشهادة، فقال له معاوية:

كذبت، فقال له الأعرابيّ: الكاذب والله متزمّل في ثيابك، فقال معاوية:

هذا جزاء من عجل.

كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يعاتبه في التأني، فكتب إليه

معاوية: أما بعد، فإن التفهم في الخير زيادة ورشد، وان المتثبت مصيب والعجل مخطىء، وإن لم ينفعه الرفق ضرّه الخرق، ومن لم تعظه التجارب لم يدرك المعالي، ولا يبلغ الرجل أعلى المبالغ حتى يغلب حلمه جهله، والعاقل سليم من الزلل بالتثبت والأناة وترك العجلة، ولا يزال العجل يجتني ثمرة الندم.

- وقال معاوية يوما: ما ولدت قرشية خيرا لقريش مني، فقال ابن زرارة: بل ما ولدت شرا لهم منك، فقال: كيف؟ قال لأنك عوّدتهم عادة يطلبونها ممن بعدك فلا يجيبونهم إليها، فيحملون عليهم كحملهم عليك فلا يحتملون، وكأني بهم كالزقاق المنفوخة على طرقات المدينة.

- والأحنف بن قيس السعدي ثم أحد بني منقر قد اشتهر عند الناس بالحلم، وبذاك ساد عشيرته، وكان يقول: لست بحليم ولكني أتحالم، قلة رضى عن نفسه بما استكثره الناس منه، وهو اقتفى بقيس بن عاصم المنقريّ، وقال: كنا نختلف إليه في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه.

- وقال الأحنف: حضرت قيس بن عاصم وقد أتوه بابن أخ له قتل ابنه، فجاءوه به مكتوفا يقاد إليه، فقال: ذعرتم الفتى، ثم أقبل عليه فقال: يا بنيّ نقصت عددك، وأوهنت ركنك، وفتتّ في عضدك، وأشمتّ عدوك، وأسأت بقومك، خلّوا سبيله واحملوا إلى أمّ المقتول ديته، فانصرف القاتل وما حلّ قيس حبوته ولا تغيّر وجهه.

- وقال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.

- وقاتل بصفين فاشتدّ، فقيل له: أين الحلم يا أبا بحر؟ قال ذاك عند عقد الحبا.

- وجلس على باب زياد فمرت به ساقية فوضعت قربتها وقالت:

يا شيخ احفظ قربتي حتى أعود، ومضت، وأتاه الآذن فقال: انهض، قال: لا فان معي وديعة.

- وقال: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، وربّ غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشدّ منه.

- وأسمعه رجل وأكثر فقال: يا هذا ما ستر الله أكثر.

- ركب عمرو بن العاص يوما بغلة له شهباء، ومضى على قوم جلوس، فقال بعضهم: من يقوم إلى الأمير فيسأله عن أمه وله عشرة آلاف؟

فقال واحد منهم: أنا، فقام إليه فأخذ بعنانه وقال: أصلح الله الأمير، أنت أكرم الناس خيلا فلم تركب دابّة قد شاب وجهها؟ فقال: اني لا أملّ دابتي

حتى تملّني، ولا أملّ رفيقي حتى يملّني، إنّ الملالة من كدر الأخلاق، فقال:

أصلح الله الأمير، أما العاص بن وائل فقد عرفنا شرفه ونسبه ومنصبه، فمن أمّ الأمير أصلحه الله؟ قال: على الخبير وقعت، أمي النابغة بنت حرملة من عنزة ثم من بني جلّان، سبتها رماح العرب فأتي بها سوق عكاظ فبيعت فاشتراها عبد الله بن جدعان ووهبها للعاص بن وائل فولدت فأنجبت، فإن كان جعل لك جعل فامض فخذه، خلّ عنان الدابة.

وقد قيل إنها كانت بغيّا عند عبد الله بن جدعان، فوطئها في طهر واحد أبو لهب وأميّة بن خلف وهشام بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب والعاص بن وائل، فولدت عمرا فادعاه كلهم، فحكّمت فيه أمّه فقالت: هو للعاص، لأن العاص كان ينفق عليها، وقالوا: كان أشبه بأبي سفيان.

- ودخل عمرو مكة فرأى قوما من قريش قد جلسوا حلقة، فلما رأوه رموه بأبصارهم، فعدل إليهم وقال: أحسبكم كنتم في شيء من ذكري، قالوا: أجل، كنا نميّل بينك وبين أخيك هشام أيكما أفضل، فقال عمرو: إنّ لهشام عليّ أربعة: أمه ابنة هشام بن المغيرة وأمي من قد عرفتم، وكان أحبّ إلى أبي مني وقد عرفتم الوالد بالولد، وأسلم قبلي واستشهد وبقيت.

كان داود بن علي بن عبد الله بن العبّاس أديبا عاقلا جميلا جوادا فقيها عالما، وكان بينه وبين رجل من آل أبي معيط كلام في دولة بني أمية، فقدم داود العراق على خالد بن عبد الله القسري، فلقيه المعيطي في بعض الطرق فأخذ بلجام بغلته ثم أسمعه ما يكره، وداود منصت حتى قضى كلامه، فقال

له داود: فرغت من كلامك؟ قال: نعم، قال: أما لو كان خيرا ما سبقتني إليه.

- وكان أبو جعفر المنصور شديد السطوة سريع الانتقام، وعدّت له فعلة كريمة في العفو، روي أنه خطب فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكّل عليه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، واعترضه معترض عن يمينه فقال: أيها الإنسان، أذكّرك من ذكّرت به، فقطع الخطبة وقال:

سمعا سمعا لمن حفظ الله وذكّر به، وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا، وأن تأخذني العزة بالاثم، قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين؛ وأنت أيها القائل فو الله ما الله أردت بها، ولكنك حاولت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، وأهون بها ويلك لو هممت، وأهيب لها إذ عفوت، وإياكم معشر الناس مثلها، فإن الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا فصلت، فردّوا الأمر إلى أهله يوردوه موارده ويصدروه مصادره، ثم عاد في خطبته كأنما يقرأها من كفّه:

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

- جرى بين أبي مسلم صاحب الدعوة وبين شهرام المروزي كلام، فسبّه شهرام، فحلم عنه أبو مسلم وقال: لسان سبق ووهم أخطأ، والغضب غول الحلم، وأنا قسيمك في الذنب حين جرّأتك بالحلم والاحتمال، فأشفق شهرام فاعتذر وأطنب، فقال أبو مسلم: قد صفحت عنك فليفرخ روعك، فقال شهرام: إن ذنبي يأبى أن يقارّ قلبي السكون، فقال أبو مسلم: إن العجب أن تسيء وأحسن، ثم تحسن وأسيء، فقال: الآن وثقت بعفوك.

- قالت خالدة بنت هاشم بن عبد مناف لأخ لها، وقد سمعته يتجهم صديقا له: أي أخي، لا تطلع من الكلام إلا ما قد روّيت فيه قبل ذلك ومن أجبته بالحلم وداويته بالرفق فإن ذلك أشبه بك، فسمعها أبوها هاشم فقام إليها فاعتنقها وقبلها وقال: واها لك يا قبّة الديباج، فلقبت بذلك.

- وممن أوتي الحلم طبعا لا تحلّما، ومنح كرم الأخلاق لا تكرما المأمون، كان يقول: لقد حبّب إليّ العفو حتى أظنّ أني لا أثاب عليه. عفا عمن نازعه رداء الملك، كما عفا عمن نازعه درة الكأس، فعفوه عن إبراهيم ابن المهدي بعد أن بويع بالخلافة مشهور، وكذاك عفا عن الفضل بن الربيع وهو الذي جلب الحرب بينه وبين أخيه الأمين، وعفا عن الحسين بن الضحاك وقد أمعن في هجائه ممايلة لأخيه، وبالغ في الإشادة بتقبيح ذكره.

- قال عمرو بن بانة: كنت عند صالح بن الرشيد، فقال لي:

لست تطرح على جواريّ وغلماني من الغناء ما أستجيده، فبعثت إلى منزلي فجئته بدفاتر الغناء ليختار منها ما يرضيه، فأخذ دفترا منها فتصفحه فمرّ به شعر للحسين ابن الضحاك يرثي الأمين ويهجو المأمون وهو:

أطل جزعا وابك الامام محمدابحزن وإن خفت الحسام المهندا
فلا تمّت الأشياء بعد محمدولا زال شمل الملك عنه مبدّدا
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
ولا فرح المأمون بالملك بعدهولا زال في الدنيا طريدا مشردا

فقال لي صالح: أنت تعلم أنّ المأمون يجيء إليّ في كلّ ساعة، فإذا قرأ هذا ما تراه يكون فاعلا؟ فدعا بسكين وجعل يحكه، وصعد المأمون من الدرجة، فرمى صالح بالدفتر، فقال المأمون: يا غلام الدفتر، فأتي به فنظر فيه ووقف على الحكّ وقال: إن قلت لكم ما كنتم فيه تصدقوني؟ قلنا: نعم.

قال: ينبغي أن يكون أخي قال لك: ابعث بدفاترك ليتخيّر ما يطرحه على الجواري، فوقف على هذا الشعر فكره أن أراه فأمر بحكه، قلنا: كذا كان، قال: غنّه يا عمرو، فقلت: يا أمير المؤمنين: الشعر للحسين بن الضحاك والغناء لسعيد بن جابر، فقال: وما يكون؟ غنّه، فغنيته، فقال اردده، فرددته ثلاث مرات، فأمر لي بثلاثين ألف درهم وقال: حتى تعلم أنه لم يضرّك عندي.

قال ابن أبي داود: سمعت المأمون يقول لرجل: إنما هو عذر أو يمين، وقد وهبتهما لك، فلا تزال تسيء وأحسن، وتذنب وأعفو، حتى يكون العفو هو الذي يصلحك.

- قال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى وخلاف، وكان يعجبه غناء أبي حشيشة الطنبوري، فوجد المسدود الطنبوري من ذلك، فكان يبلغه عنه ما يكره فيتجاوز، وكان المسدود قد هجاه ببيتين كانا معه في رقعته، وفي رقعة أخرى حاجة له يريد أن يرفعها إليه، فناوله رقعة الشعر وهو يرى أنها رقعة الحاجة، فقرأها الواثق فإذا فيها:

من المسدود في الأنفإلى المسدود في العين
أنا طبل له شقّفّيا طبلا بشقين

وكانت في عين الواثق نكتة، فلما قرأ الرقعة علم أنها فيه، فقال للمسدود: غلطت بين الرقعتين فاحذر أن يقع مثل هذا عليك، فما زاده على هذا القول شيئا ولا تغيّر له عما كان عليه.

وكان الواثق يتشبه بالمأمون في أخلاقه وحلمه، ويسمّى المأمون الصغير، وهو رباه دون أبيه وخرّجه فتقيّل أفعاله وكاد ولم يبلغ.

قال يحيى بن الربيع: رأيت قوما يسألون يحيى بن خالد بن برمك حاجة فقال: ما يمكنني، فقالوا: نسألك بحق الله، قال: وحقّ الله لا يمكنني، قالوا: فنسألك بحق ماني، فتغير وجهه، وساءني ذلك وهممت والله بهم، فكفّني عنهم وقال: لا تفعل، ولم يقل لهم شيئا ولا ردّ عليهم جوابا، فحدثت بهذا الفضل بن الربيع فقال: قاتله الله ما أشدّ استدامته للنعم.

وقال الشعبي: أول إشارات العفو التّثبت.

وقال أبو حازم: التأني في العقوبة طرف من العفو.

- دخلت ابنة مروان بن محمد على عبد الله بن علي فقالت:

السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: لست به، قالت:

السلام عليك أيها الأمير، قال: وعليك السلام، فقالت: ليسعنا عدلك، قال: إذن لا نبقي على الأرض منكم أحدا لأنكم حاربتم عليّ بن أبي طالب ودفعتم حقّه، وسممتم الحسن ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين وسيّرتم رأسه، وقتلتم زيدا وصلبتم جسده، وقتلتم يحيى بن زيد ومثّلتم به، ولعنتم عليّ بن أبي طالب على منابركم، وضربتم علي بن عبد الله ظلما بسياطكم، وحبستم

الامام في حبسكم، فعدلنا ألا نبقي منكم أحدا، قالت: فليسعنا عفوك، قال: أما هذا فنعم، وأمر بردّ أموالها عليها، ثم قال:

سننتم علينا القتل، لا تنكرونهفذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر

- لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه وقومه وقتلهم المخلوع، عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصنيّ، وهو من ولد مسلمة ابن عبد الملك، فأفرط في السبّ وتجاوز الحدّ في قبح الردّ، وتوسط بين القوم وبين بني هاشم فأربى في التوسط والتعصّب، فكان فيما قال:

يا ابن بيت النار موقدهاما لحاذيه سراويل
للشاعر محمد بن يزيد الحصني المسلمي الأموي، اقرأ القصيدة
من حسين من أبوك ومنمصعب غالتهم غول
نسب عمرك مؤتشبوأبوّات أراذيل
قاتل المخلوع مقتولودم المقتول مطلول
للشاعر محمد بن يزيد الحصني المسلمي الأموي، اقرأ القصيدة

وهي قصيدة طويلة. فلما ولي عبد الله مصر وردّ إليه تدبير الشام، علم الحصنيّ أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده حيث حلّ، فثبت في موضعه، وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابّه وكلّ ما يملكه في موضعه، وفتح باب حصنه وجلس عليه، وتوقع الناس من عبد الله بن طاهر أن يوقع به. قال محمد بن الفضل الخراساني: فلما شارفنا بلده وكنّا على أن نصبّحه دعاني عبد الله

في الليل فقال لي: بت عندي وليكن فرسك معدّا عندك لا يرد. فلما كان في السحر أمر أصحابه وغلمانه ألا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السحر وأنا وخمسة من خواصّ غلمانه معه، فسار حتى صبّح الحصن، فرأى بابه مفتوحا ورآه جالسا مسترسلا، فقصده وسلّم عليه ونزل عنده وقال له: ما أجلسك ها هنا وحملك على أن فتحت بابك ولم تتحصّن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنحّ عن عبد الله بن طاهر مع ما في نفسه عليك، ومع ما بلغه عنك؟ فقال له: إنّ ما قلت لم يذهب عليّ، ولكن تأمّلت أمري، وعلمت أني قد أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب وغرّة الحداثة، وأني إن هربت منه لم أفته، فباعدت البنات والحرم، واستسلمت بنفسي وكلّ ما أملك، فإنا أهل بيت قد أسرع القتل فينا، ولي بمن مضى أسوة، فإني أثق بأنّ الرجل إذا قتلني وأخذ مالي شفى غيظه ولم يتجاوز ذلك إلى الحرم ولا له فيهنّ أرب، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته له؛ قال: فوالله ما اتقاه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته ثم قال له: أتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا عبد الله بن طاهر وقد أمّن الله روعك، وحقن دمك، وصان حرمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجّلت إليك وحدي إلا لتأمن قبل هجوم الجيش، ولئلا يخالط عفوي عنك روعة تلحقك؛ فبكى الحصنيّ وقام فقبّل رأسه، وضمّه عبد الله إليه وأدناه، ثم قال له: إما لا فلا بدّ من عتاب يا أخي، جعلني الله فداك، قلت شعرا في قومي أفخر بهم لم أطعن فيه على حسبك، ولا أدّعيت فضلا عليك، وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من قومك فهم القوم الذين ثارك عندهم، وقد كان يسعك السكوت أو إن لم

تسكت ألا تغرق وتسرف، فقال: أيها الأمير قد عفوت، فاجعله العفو الذي لا يخلطه تثريب، ولا يكدّر صفوه تأنيب، قال: قد فعلت، فقم بنا ندخل إلى منزلك حتى نوجب عليك حقا بالضيافة، فقام مسرورا فأدخلنا منزله فأتى بالطعام كأنه قد أعده، فأكلنا وجلسنا نشرب في مستشرف له، وأقبل الجيش فأمرني عبد الله أن أتلقاهم فأرحّلهم، ولا ينزل منهم أحد إلا في المنزل، وهو على ثلاثة فراسخ، فنزلت فرحلتهم، وأقام عنده إلى العصر، ثم دعا بدواة فكتب له بتسويغه خراجه ثلاث سنين، وقال له: إن نشطت لنا فالحق بنا وإلا فأقم بمكانك، فقال: أنا أتجهز والحق بالأمير، ففعل ولحق بنا مصر فلم يزل مع عبد الله لا يفارقه حتى رحل إلى العراق، فودّعه وأقام ببلده.

- كان عبد الله بن الزبير قد هجا آل الزّبير، وأفرط في العصبية لآل مروان فمن قوله:

ففي رجب أو غرّة الشهر بعدهتزوركم حمر المنايا وسودها
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
ثمانون ألفا دين عثمان دينهمكتائب فيها جبرئيل يقودها
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
فمن عاش منكم عاش عبدا ومن يمتففي النار سقياه هناك صديدها
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

فلما ولي مصعب العراق أدخل إليه عبد الله بن الزّبير، فقال له: إيه يا ابن الزّبير أنت القائل: إلى رجب السبعين أو ذلك قبله، وذلك الشعر، فقال: نعم أنا القائل ذلك، وإنّ الحقين ليأبى العذرة، ولو قدرت على

جحده لجحدته، فاصنع ما أنت صانع، قال: أما إني لا أصنع إلا خيرا، أحسن قوم إليك فأحببتهم وواليتهم فمدحتهم، وأمر له بجائزة وكسوة وردّه إلى منزله مكرّما، فكان ابن الزّبير بعد ذلك يمدحه ويشيد بذكره.

- قال أبو الفضل العباس بن أحمد بن ثوابة: قدم البحتريّ النيل على أحمد بن عليّ الاسكافي مادحا له، فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدته عنده، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها:

ما كسبنا من أحمد بن عليّومن النيل غير حمّى النيل
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما كسبنا من أحمد بن علي»

وهجاه بقصيدة أخرى أولها:

قصة النيل فاسمعوها عجابه

فجمع إلى هجائه إياه هجاء لبني ثوابة، وبلغ ذلك أبي فبعث إليه بألف درهم وثيابا ودابة بسرجه ولجامه، فردّه وقال: قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول صلتكم، فكتب إليه أبي: أما الإساءة فمغفورة، وأما المعذرة فمشكورة، والحسنات يذهبن السيئات، وما يأسو جراحك مثل يدك، فقد رددت إليك ما رددته عليّ وأضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا، وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا. فقبل ما بعث به وكتب إليه: كلامك

والله أحسن من شعري، وقد أسلفتني ما أخجلني، وحمّلتني ما أثقلني، وسيأتيك ثنائي، ثم غدا عليه بقصيدة أولها:

ضلال لها ماذا أرادت من الصدّ

وقال فيه بعد ذلك:

برق أضاء العقيق من ضرمه

وأيضا:

أن دعاه داعي الصّبا فأجابه

قال: ولم يزل أبي بعد ذلك يصله ويتابع برّه لديه حتى افترقا.

غضب كعب الأحبار على غلامه فحذفه بالدواة فشجه، فقيل له: أنت في حلمك تغضب؟ قال: قد غضب خالق الحلم.

قال معاوية لابنه، وقد رآه ضرب غلاما له: إياك يا بني والتشفي ممن لا يمتنع منك، فو الله لقد حالت القدرة بين أبيك وبين ذوي تراته، ولهذا قيل: القدرة تذهب الحفيظة.

وقال مالك بن أسماء:

لما أتاني عن عيينة أنهعان عليه تظاهر الأقياد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
تركت له نفسي الحفيظة إنهعند التمكن تذهب الأحقاد

- قال الربيع: بلغ المنصور قتل عبد الله بن علي من قتل من بني أمية فقال: قاتله الله، ألا تركهم حتى يرغبوا إلينا كما رغبنا إليهم، ويروا من

ملكنا ودولتنا مثل الذي رأينا من ملكهم ودولتهم، وكان القتل بعد أقبح من العفو (وهو يشبه كلاما لعبد الله بن الحسن قد تقدم ذكره).

- قال معاوية: ما غضبي على من أملك وما غضبي على من لا أملك.

- وأتي عمر بن عبد العزيز برجل كان واجدا عليه فأمر بضربه، ثم قال: لولا أنّي غاضب لضربتك، ثم خلّى سبيله ولم يضربه.

- سبّ رجل من قريش في أيام بني أمية بعض أولاد الحسن بن علي ﵉ فأغلظ له وهو ساكت، والناس يعجبون من صبره عليه، فلما أطال أقبل عليه الحسنيّ متمثلا قول ابن ميادة:

أظنت وذاكم من سفاهة رأيهاأن اهجوها كما هجتني محارب

- قال رجل لعمر بن عبد العزيز: إنّ فلانا يقع فيك، فقال:

والله إني لأدع الانتصار وأنا أقدر عليه، وأدع الصغيرة مخافة الكبيرة، وإن التقيّ ملجم.

- قال أنوشروان: وجدنا للعفو من اللذة ما لم نجده للعقوبة.

- وقال النبي ﷺ: عفو الملوك بقاء للملك.

- وفي بعض الكتب أن كثرة العفو زيادة في العمر، وأصله قوله تعالى: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ

(الرعد:).

- قال معاوية: إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي (وهذه دعوى عالية الرتبة إن قاربت الفعل استحق صاحبها صفة الكمال).

- قال عمر بن عبد العزيز: متى أشفي غيظي؟ أحين أقدر فيقال: ألا غفرت، أم حين أعجز فيقال: ألا صبرت؟

- وقال إبراهيم بن أدهم: أنا منذ عشرين سنة في طلب أخ إذا غضب لم يقل إلّا الحقّ فما أجده.

- أغلظ رجل لعمر بن عبد العزيز فأطرق طويلا ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعزّ السلطان فأنال منك ما تناله مني غدا؟!

- قال الحسن: المؤمن لا يجهل، وان جهل عليه حلم؛ لا يظلم وإن ظلم غفر؛ لا يبخل وإن بخل عليه صبر.

- وقال أكثم بن صيفي: الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندم.

- قال الشعبي: لا يكون الرجل سيدا حتى يعمل ببيتي الهذلي:

وإنّي للبّاس على المقت والقلىبني العم منهم كاشح وحسود
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة
أذبّ وأرمي بالحصى من ورائهموأبدأ بالحسنى لهم وأعود
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة

- الأحنف:

وذي ضغن أمتّ القول عنهبحلم فاستمرّ على القتال
ومن يحلم وليس له سفيهيلاق المعضلات من الرجال

- معد بن حسين بن خيارة الفارسيّ المغربيّ:

إذا الحرّ لم يحمل على الصبر نفسهتضعضع وامتدّت إليه يد العبد

- وقف أحمد بن عروة بين يدي المأمون لما عزله عن الأهواز،

فقال له: خرّبت البلاد، وقتلت العباد، والله لأفعلنّ بك ولأفعلنّ، قال:

يا أمير المؤمنين ما تحبّ أن يفعل الله بك إذا وقفت بين يديه وقد قرّعك بذنوبك؟ قال: العفو والصفح، قال: يا أمير المؤمنين، فافعل بعبدك ما تحبّ أن يفعل بك مولاك، قال: قد فعلت، ارجع فوال مستعطف خير من وال مستأنف.

- قال المأمون للفضل بن الربيع: يا فضل، أكان حقي عليك وحقّ آبائي ونعمهم عند أبيك وعندك أن تثلبني وتشتمني وتحرّض على دمي؟

أتحبّ أن أفعل بك مع القدرة ما أردت أن تفعله بي مع العجز؟ فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، إن عذري يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف إذا غيّبته العيوب وقبّحته الذنوب؟ فلا يضق عنّي من عفوك ما وسع غيري من حلمك، فانت والله كما قال الشاعر:

صفوح عن الاجرام حتى كأنهمن العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذىإذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما

- قال يزيد بن مزيد: أرسل إليّ الرشيد ليلا يدعوني، فأوجست منه خيفة فقال: أنت القائل: أنا ركن الدولة والثائر لها، والضارب أعناق بغاتها، لا أم لك، أيّ ركن لك، وأيّ ثائر أنت؟ وهل كان منك فيها إلا نفحة أرنب رعبت قطاة جثمت بمفحصها؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ما قلت هذا إنما قلت: أنا عبد الدولة والفائز بها؛ فأطرق وجعل ينحلّ غضبه عن وجهه، ثم ضحك، فقلت: أسرّ من هذا قولي:

خلافة الله في هارون ثابتةوفي بنيه إلى أن ينفخ الصور
إرث النبيّ لكم من دون غيركمحقّ من الله في القرآن مسطور

فقال: يا فضل أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح.

- مدح شاعر زبيدة فقال:

أزبيدة ابنة جعفرطوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ماتعطي الأكفّ من الرغاب

فتبادر العبيد ليوقعوا به، فقالت زبيدة: كفوا عنه فلم يرد إلا خيرا، ومن أراد خيرا فاخطأ خير ممن أراد شرا فأصاب؛ سمع الناس يقولون وجهك أحسن من وجه غيرك، وشمالك أندى من يمنى سواك، وقدّر أن هذا مثل ذاك، أعطوه ما أمّل، وعرّفوه ما جهل.

- تقلّد فرج الرخجي الأهواز، واتصلت السعايات به، وتظلمت رعيّته منه فصرفه الرشيد بمحمد بن أبان الأنباري؛ قال مطير بن سعيد كاتب فرج: فأحضره الرشيد وحضرنا معه، ولسنا نشك في إيقاعه به وإزالة نعمته، فوقفنا ننتظره يخرج على حال نكرهها، إذ خرج وعليه الخلع، فلما خلا سألته عن خبره فقال لي: دخلت إليه ووجهه في الحائط وظهره إليّ، فلما أحسّ بي شتمني أقبح شتم، وتوعّدني أشدّ توعّد، ثم قال لي: يا ابن الفاعلة رفعتك فوق قدرك، وائتمنتك فخنتني، وسرقت مالي، وفعلت وصنعت،

لأفعلنّ ولأصنعنّ، فلما سكن قلت له: القول قول سيدي، أمّا ما قال في إنعامه عليّ فهو صحيح وأكثر منه، وحلفت له بأيمان أكدتها لقد نصحت وما سرقت، ووفّرت وما خنت، واستقصيت في طلب حقوقه من غير ظلم، ولكني كنت إذا حضرت أوقات الغلات جمعت التجار وناديت عليها، فإذا تقررت العطايا أنفذت البيع، وجعلت لي مع التجار حصة، فربما ربحت وربما وضعت، إلى أن جمعت من ذلك وغيره في عدة سنين عشرة آلاف ألف درهم، فاتخذت أزجا كبيرا فأودعته المال وسددته عليه، فخذه وحوّل وجهك إليّ، وكررت القول والحلف على صدقي، فقال لي: بارك الله لك في مالك، فارجع إلى عملك.

- قال الجاحظ: ليس نفس تصبر على مضض الحقد ومطاولة الأيّام صبر الملوك، أشهد لكنت من الرشيد وهو متعلّق بأستار الكعبة بحيث يمسّ ثوبي ثوبه ويدي يده، وهو يقول في مناجاته: اللهمّ إني أستخيرك في قتل جعفر، ثم قتله بعد ذلك بستّ سنين.

- قال ابن عبّاس لمعاوية: هل لك في مناظرتي فيما زعمت؟

قال: وما تصنع بذلك؟ فأشغب بك وتشغب بي، فيبقى في قلبك ما لا

ينفعك، ويبقى في قلبي ما يضرّك.

- كان ابن عون إذا وجد على إنسان وبلغ منه قال له: بارك الله فيك، وكانت له ناقة كريمة عليه، فضربها الغلام فأندر عينها فقالوا: إن غضب ابن عون فهو يغضب اليوم، فقال للغلام: غفر الله لك.

ويقال: انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب؟ وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟

- بينا أبو العبّاس السفّاح يحدّث أبا بكر الهذلي، فعصفت الريح فأذرت طستا من سطح إلى المجلس، فارتاع من حضر ولم يتحوّل الهذليّ ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح، فقال: ما أعجب شأنك يا هذلي!! فقال:

إن الله تعالى يقول: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ

(الأحزاب:

) وإنما لي قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، فلو انقلبت الخضراء على البيضاء ما أحسست بها ولا وجمت لها، فقال السفاح: لئن بقيت لأرفعنّ منك ضبعا لا تطيف به السّباع ولا تنحطّ عليه العقبان.

- وقال معاوية، يغلب الملك حتى يركب بالحلم عند سورته والاصغاء إلى حديثه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.