تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

ومن الرياسة علو الهمة (٢)

من مصلّاه فإذا بها على فراشه، فقال: مرحبا بك يا أمّ سليمان، فوقع بها فأولدها صالحا، فاجتنبته بعد، فسألها عن ذلك فقالت: خفت أن يموت سليمان فينقطع السبب بيني وبين رسول الله ﵌، فالآن إذ ولدت صالحا فبالحرى إن ذهب أحدهما أن يبقى الآخر، وليس مثلي وطئه الرجال، وكانت فيها رتّة، وهي الآن معروفة في ولد سليمان وولد صالح.

- وكان علي يقول: أكره أن أوصي إلى محمد، وكان سيّد ولده، خوفا من أن أشينه بالوصيّة، فأوصى إلى سليمان، فلما دفن علي جاء محمد إلى سعدى هذه ليلا فقال: أخرجي إليّ وصيّة أبي، قالت: إنّ أباك أجلّ من أن تخرج وصيته ليلا، ولكنها تأتيك غدا، فلما أصبح غدا عليه بها سليمان فقال: يا أبي ويا أخي، هذه وصية أبيك، قال: جزاك الله من ابن وأخ خيرا، ما كنت لأثّرب على أبي بعد موته كما لم أثّرب عليه في حياته.

ب- الرتّة كالرتج تمنّع أول الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل؛ والتمتمة الترديد في التاء، والفأفأة الترديد في الفاء، والعقلة التواء اللسان عند إرادة الكلام، والحبسة تعذّر الكلام عند إرادته، واللّفف إدخال حرف في حرف، والغمغمة أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحروف، والطمطمة أن يكون الكلام مشبها لكلام العجم، واللكنة أن تعترض على الكلام اللغة الأعجمية، واللثغة أن يعدل بحرف إلى حرف، والغنّة أن يشوب الحرف صوت الخيشوم، والخنّة أشدّ منها، والترخيم حذف الكلام. ويقال رجل

فأفاء، تقديره فاعال، ونظيره من الكلام ساباط وخاتام؛ والحكلة نقصان آلة النطق حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال؛ فأما الرتّة فانها تكون غريزية، قال الراجز:

يا أيها المخلّط الأرتّ

ويقال إنها كثيرة في الاشراف. وأما المغمغة فقد تكون من الكلام وغيره لأنه صوت لا يفهم تقطيع حروفه.

- وكان فيروز حصين شريف الأفعال بعيد الهمة، وهو من أهل بيت في العجم، فلما أسلم والى حصين بن عبد الله العنبريّ من ولد طريف بن تميم، وكان فيروز شجاعا جوادا نبيل الصورة جهير الصوت. ويروى أن رجلا من العرب كانت أمه فتاة فقاول بني عمّ له فسبّوه بالهجنة، ومرّ فيروز حصين فقال: هذا خالي فمن منكم له خال مثله؟ وظنّ أن فيروز لم يسمعها، وسمعها فيروز، فلما صار إلى منزله بعث إلى الفتى فاشترى له جارية ومنزلا ووهب له عشرة آلاف درهم.

- ومن مآثره أنّ الحجاج لما واقف ابن الأشعث نادى منادي الحجاج من أتاني برأس فيروز حصين فله عشرة آلاف درهم، ففصل فيروز من الصفّ فصاح بالناس وقال: من عرفني فقد عرفني وقد اكتفى، ومن لم يعرفني فأنا فيروز حصين، وقد عرفتم مالي ووفائي فمن أتاني برأس الحجاج فله مائة ألف

درهم، قال الحجاج: تركني أكثر التلفت وإني لبين خاصتي. فأتي به الحجاج فقال: أنت الجاعل في رأس أميرك مائة ألف درهم؟ قال: قد فعلت، فقال: ولا والله لأمهدنك ثم لأحملنّك على مركب صعب، ثم قال: أين المال؟ قال: عندي فهل إلى الحياة من سبيل؟ قال: لا، قال: فأخرجني إلى الناس حتى أجمع لك المال فلعل قلبك يرقّ عليّ، ففعل الحجاج، فخرج فيروز فأحلّ الناس من ودائعه وأعتق رقيقه وتصدّق بماله، ثم ردّ إلى الحجاج فقال: شأنك الآن فاصنع ما شئت، فشّدّ في القصب الفارسيّ ثم سلّ حتى شرّح ثم نضح بالخلّ والملح فما تأوه حتى مات.

- كان أوس بن حارثة بن لام الطائي سيدا شريفا، فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائي على عمرو بن هند الملك، وأبوه المنذر بن ماء السماء، فدعا أوسا فقال: أنت أفضل أم حاتم؟ فقال: أبيت اللعن، لو ملكني حاتم وولدي ولحمي لوهبنا في غداة واحدة؛ ثمّ دعا حاتما فقال:

أنت أفضل أم أوس؟ فقال: أبيت اللعن، إنما ذكرت بأوس، ولأحد ولده أفضل مني.

- وكان النعمان بن المنذر دعا بحلّة، وعنده وفود العرب من كلّ حيّ، فقال: احضروا في غداة غد فاني ملبس هذه الحلة أكرمكم، فحضر القوم جميعا إلا أوسا، فقيل له: لم تتخلّف؟ فقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء لي أن لا أكون حاضرا، وإن كنت المراد بها فسأطلب ويعرف

مكاني. فلما جلس النعمان لم ير أوسا فقال: اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمنا مما خفت، فحضر فألبس الحلّة، فحسده قوم من أهله فقالوا للحطيئة:

اهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال الحطيئة: كيف أهجو رجلا لا أرى في بيتي أثاثا ولا مالا إلا من عنده؟ ثم قال:

كيف الهجاء وما تنفكّ صالحةمن آل لأم بظهر الغيب تأتيني

فقال لهم بشر بن أبي خازم الأسدي: أنا أهجوه لكم، فأخذ الابل وفعل، فأغار عليها أوس فاكتسحها، وطلبه فجعل لا يستجير أحدا إلا قال له: قد أجرتك إلا من أوس، وكان في هجائه قد ذكر أمّه، فأتي به، فدخل أوس الى أمّه فقال: قد أتينا ببشر الهاجي لك ولي، فما ترين فيه؟

فقالت: أو تطيعني؟ قال: نعم، قالت: أرى أن تردّ عليه ماله وتعفو عنه وتحبوه، وأفعل مثل ذلك به، فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه، فخرج إليه فقال: إنّ أمي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك بكذا وكذا، قال:

لا جرم والله لا مدحت حتى أموت أحدا غيرك.

- وقيل إنّ المخبّل السعديّ مرّ بخليدة بنت بدر أخت الزبرقان بعد ما أسنّ وضعف بصره، وكان من قبل قد أفرط في هجائها، فأنزلته وقرته وأكرمته ووهبت له وليدة، وقالت له: إني آثرتك بها يا أبا يزيد فاحتفظ بها، فقال لها: ومن أنت حتى أعرفك وأشكرك؟ قالت: لا عليك، قال:

بل، قالت: أنا بعض من هتكت بشعرك ظالما، أنا خليدة بنت بدر، قال: يا سوأتا منك فإني أستغفر الله وأستقيلك وأعتذر إليك، ثم قال:

لقد ضل حلمي في خليدة إننيسأعتب قومي بعدها وأتوب
فأقسم بالرحمن أن قد ظلمتهاوجرت عليها والهجاء كذوب

- سأل عبد الله بن عبّاس صعصعة بن صوحان عن السؤدد قال:

إطعام الطعام، ولين الكلام، وبذل النوال، وكفّ المرء نفسه مع الحاجة عن السؤال.

- قال له: صف لي أخويك بما فيهما لأعرف ميزتك فقال: أما زيد فكما قال أخو غنيّ:

فتى لا يبالي أن يكون بوجههإذا نال خلّات الكرام شحوب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة

(وهي أبيات ذكرت في المديح) ثم قال: كان والله يا ابن عبّاس عظيم المروّة، شريف الأبوّة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش الغزوة، زين الندوة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الفكر، ذاكرا لله طرفي النهار وزلفا من الليل، الجوع والشبع عنده سيّان، لا منافس في الدنيا ولا غافل عن الآخرة، يطيل السكوت ويديم الفكر ويكثر الاعتبار، ويقول الحقّ ويلهج بالذكر، ليس في قلبه عير ربّه، ولا يهمّه غير نفسه، فقال ابن عبّاس: ما ظنّك برجل سبقه عضو منه إلى الجنّة؟ رحم الله زيدا. فأين كان عبد الله منه؟

قال: كان عبد الله سيّدا شجاعا، سخيا مطاعا، خيره وساع، وشرّه دفاع، قلّبيّ النحيزة، أحوذيّ الغريزة، لا ينهنه منهنه عما أراده، ولا يركب إلا ما

اعتاده، سمام العدى، فيّاض الندى، صعب المقادة، جزل الوفادة، أخا إخوان، وفتى فتيان (وذكر أبياتا للبرجمي غير مختارة، في خبر طويل).

- وروي أن رجلا قال لمعن بن زائدة في مرضه: لولا ما منّ الله به من بقائك لكنا كما قال لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طرب الفؤاد وليته لم يطرب»

فقال له معن: إنما تذكر أني سدت حين ذهب الناس، فهلّا قلت كما قال نهار ابن توسعة:

قلّدته عرى الأمور نزارقبل أن تهلك السراة البحور
للشاعر نهار بن توسعة، اقرأ القصيدة

- ومن صفات السيّد قول الخنساء في صخر:

طويل النجاد رفيع العمادساد عشيرته أمردا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني جودا ولا تجمدا»
إذا القوم مدّوا بأيديهمإلى المجد مدّ إليه يدا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني جودا ولا تجمدا»
فنال الذي فوق أيديهممن المجد ثم مضى مصعدا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني جودا ولا تجمدا»
يكلّفه القوم ما عالهموإن كان أصغرهم مولدا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني جودا ولا تجمدا»
ترى الحمد يهوي إلى بيتهيرى أفضل الكسب أن يحمدا

- وقول جرير:

وإني لأستحيي أخي أن يرى لهعليّ من الحقّ الذي لا أرى ليا
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

- قال معاوية: اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم، فإنّ فيه مآثر أسلافكم، ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتني يوم الهرير وقد عزمت على الفرار فما ردّني إلا قول ابن الاطنابة:

أبت لي عفّتي وأبى بلائيوأخذي الحمد بالثمن الربيح
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»
وإجشامي على المكروه نفسيوضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلّما جشأت وجاشتمكانك تحمدي أو تستريحي
للشاعر ابن الأطنابة، من قصيدة «الا من مبلغ الاحلاف عني»

- قال عامر بن الطفيل:

إني وإن كنت ابن سيّد عامروفي السرّ منها والصريح المهذّب
فما سودتني عامر عن وراثةأبي الله أن أسموا بأمّ ولا أب
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة
ولكنني أحمي حماها وأتّقيأذاها وأرمي من رماها بمقنب
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة

- وإلى هذا المعنى نظر المتوكّل الليثي في شعره السائر وهو:

لسنا وإن أحسابنا كرمتيوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلناتبني ونفعل مثل ما فعلوا
للشاعر إسماعيل صبري، من قصيدة «إنا إذا سلبت وظائفنا»

وقول الآخر، وقد أجاد القول فيه:

لسنا إذا ذكر الفعال كمعشرأزرى بفعل أبيهم الأبناء

- وقال عوف بن الأحوص:

وإني لترّاك الضغينة قد أرىثراها من المولى فلا أستثيرها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألا حي ميا إذ أجد بكورها»
إذا قيلت العوراء ولّيت سمعهاسواي ولم أسأل بها ما دبيرها
للشاعر عوف بن الأحوص، اقرأ القصيدة
لعمري لقد أشرفت يوم عنيزةعلى طمع لو شدّ نفسي مريرها
ولكنّ هلك الأمر ألّا تمرّهولا خير في ذي مرّة لا يغيرها

- وقال ابن هرمة وقد أجاد فيه:

وإني وإن كانت مراضا صدوركململتمس البقيا سليم لكم صدري
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وإني وإن كانت مراضا صدوركم»
وان ابن عمّ المرء من شدّ أزرهوأصبح يحمي غيبه وهو لا يدري
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وإني وإن كانت مراضا صدوركم»
وانّ الكريم من يكرّم معشراعلى ما اعتراه لا يكرّم ذا يسر
وما غيّرتني ضجرة عن تكرّميولا عاب أضيافي غناي ولا فقري
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وإن الكريم من يكرم معسرا»

- وقال الحضين بن المنذر وأحسن وأجاد:

إنّ المكارم ليس يدركها امرؤورث المكارم عن أب فأضاعها
أمرته نفس بالدناءة والخناونهته عن طلب العلى فأطاعها
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وإذا أصاب من الأمور كريمةيبني الكريم بها المكارم باعها

- وقال آخر:

وإني لأستحيي صحابي أن يروامكان يدي من جانب الزاد أقرعا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «وإني لأستحيي صحابي أن يرو»
أكفّ يدي عن أن تنال أكفّهمإذا نحن أهوينا إلى زادنا معا
أبيت خميص البطن مضطمر الحشاحياء وأخشى الذمّ أن أتضلّعا
فإنك إن أعطيت بطنك سؤلهوفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا

- وقال رافع بن حميضة:

وإنّي لعفّ عن زيارة جارتيوإنّي لمشنوء إليّ اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لهازؤورا ولم تأنس إليّ كلابها
وما أنا بالداري خبيئة سرهاولا عالما من أيّ حوك ثيابها
وإن قراب البطن يكفيك ملؤهويكفيك سوءات الأمور اجتنابها

- وقال حسّان بن حنظلة:

تلك ابنة العدويّ قالت باطلاأزرى بقومك قلّة الأموال
إنا لعمر أبيك يحمد ضيفناويسود مقترنا على الإقلال
أحلامنا تزن الجبال رزانةويزيد جاهلنا على الجهال
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أحلامنا تزن الجبال رزانة»

- قدم عقيل بن علّفة على عبد الملك فقال له: ما أحسن أموالكم عندكم؟ قال: ما ناله أحدنا عن أخيه تفضلا، قال: ثم أيها؟

قال: مواريثنا، قال: فأيها أسرى؟ قال: ما استنقذناه بوقعة خوّلت نعما، قال: فما مبلغ عزكم؟ قال: لم يطمع فينا ولم نؤمن قال: فما مبلغ جودكم؟

قال: ما عقد مننا وأبقى ذكرا، قال: فكيف خفارتكم؟ قال: يدفع الرجل منا عن المستجير به كما يدفع عن نفسه، قال: مثلك فليصف قومه.

- قال أبو خراش الهذليّ:

وإني لأثوي الجوع حتى يملّنيفيذهب لم تدنس ثيابي ولا جرمي
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وأغتبق الماء القراح فأنتهيإذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
أردّ شجاع البطن لو تعلمينهوأوثر غيري من عيالك بالطّعم
مخافة أن أحيا برغم وذلّةوللموت خير من حياة على رغم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

- قال المأمون: الرتبة نسب تجمع أهلها، فشريف العرب أولى بشريف العجم من شريف العرب بوضيع العرب، وشريف العجم أولى بشريف العرب من شريف العجم بوضيع العجم، فأشراف الناس طبقة كما أن أوضاعهم طبقة.

- وقال مرة: أهل السوق سفل، والصنّاع أنذال، والتجار بخلاء، والكتاب ملوك على النّاس.

- قال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة بن حصن، وبلغه أنه أتي في ديات فعجز عنها وضمن منها أشياء يسيرة: يا أسماء بلغني عنك أشياء حسان أحببت أن أسمعها منك. قال: يا أمير المؤمنين هي من غيري أحسن، قال: لتفعلن، قال: يا أمير المؤمنين ما قدّمت ركبتي أمام جليسي مخافة أن يرى ذلك مني استخفافا بمجالسته، ولا صنعت طعاما قطّ فدعوت إليه إنسانا فأجابني إلا كنت له شاكرا حتى ينصرف ورأيت له الفضل إذ رآني للإجابة أهلا، ولا بذل لي رجل وجهه في حاجة فرأيت أنّ شيئا من الدنيا

عوض لبذل وجهه. فقال: ما أحقّ من كانت هذه الخصال فيه أن يكون شريفا!! وقد بلغني أنك أتيت في ديات ولم تكن بالضعيف عنها فاحتملت منها القليل، فقال: يا أمير المؤمنين: قد قلت في ذلك ما عذرت به إلا أن يهجّنني مهجّن، قال: وما قلت؟ قال: قلت:

يرى المرء أحيانا إذا قلّ مالهإلى المجد سورات فلا يستطيعها
وليس به بخل ولكنّ مالهيقصّر عنها والبخيل يضيعها

فقال عبد الملك: هذا النقد الحاضر بالميزان العدل، حركناك فظهر الأحسن.

وقال أعرابي من طيء:

إذا الريح حلّت بالجهام تلفّهمدى ليله شلّ النعام الطرائد
وأعقب نوء المرزمين بهبوةوغيم قليل الماء بالليل بارد
كفى خلّة الأضياف حتى يزيحهاعن الحيّ منا كلّ أروع ماجد
وليس أخونا عند شرّ يخافهولا عند خير يرتجيه بواحد
إذا قال من للمعضلات أجابهعظام اللهى منّا طوال السواعد
وللموت خير للفتى من حياتهإذا لم يطق علياء إلا بقائد

- دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز وعليه ريطة من رياط مصر فقال: بكم أخذت هذه يا أبا سعيد؟ قال: بكذا وكذا.

قال: فلو نقصت من ثمنها شيئا أكان ناقصا من شرفك؟ قال: لا، قال:

فلو زدت في ثمنها شيئا أكان زائدا في شرفك؟ قال: لا، قال: فاعلم يا

مسلمة أن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجدة، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة، وأفضل اللين ما كان بعد الولاية.

- معد بن الحسين بن خيارة الفارسيّ المغربي:

تضيق في عيني الدنيا ويعجبنيفي فسحة الجوّ تصعيدي وتصويبي
كأنني حامل رحلي على فلكتسري به عزماتي وهو يسري بي

- ابن ميخائيل المغربي:

ومن العجائب أن ترى مستصغرالملمّة من لا يرى مستعظما
للشاعر ابن ميخائيل القيرواني، اقرأ القصيدة
يقتاده الأمل القريب فينثنيعنه إلى الأمل البعيد تقدما
للشاعر ابن ميخائيل القيرواني، اقرأ القصيدة
ما بين أفئدة المنون مطنّباأطنابه وعلى الحتوف مخيّما
للشاعر ابن ميخائيل القيرواني، اقرأ القصيدة
وابن المهامة إن أراد يقودهعزم يقود به الجديل وشدقما
للشاعر ابن ميخائيل القيرواني، اقرأ القصيدة
يستنّ من مجهولها في هبوةلو شقّها السّمع الأزلّ تندّما
للشاعر ابن ميخائيل القيرواني، اقرأ القصيدة

- ومن الحمية والأنف ما رواه أبو رياش يسنده إلى رجل من كندة كوفي قال: كنت أجالس شريحا وهو قاض لأمير المؤمنين عليّ ﵇، فإني لفي مجلسه ذات يوم إذا أقبل رجل جيدر صعل الرأس ناتىء

الجبهة ثطّ اللحية كأنه محراث، ومعه امرأة كالبكرة العيساء تدير مقلتين نجلاوين كأن هدبها قوادم خطّاف، ثم أبرزت كفا كبياض الإغريض، وأنامل كبنات النّقا، فقالت: أيها الحاكم هذا بعلي، فقال شريح للرجل:

أكذاك؟ فكشر بشفتين بثعاوين عن ثنايا ثعل كأنها سناسن عير فقال:

نعم، فقال شريح للمرأة: وما قصّتك؟ قالت: إنه ابن عمي، وأنا خولة ابنة مخرمة إحدى نساء بني جرم ابن زبّان، وانه خرج بي وغرّبني عن بلادي وقومي وذوي قرابتي فصرت لا أنظر إلا إليه ولا أعوّل إلا عليه، وهو نهم إذا أكل، فلحس إذا سأل، حريص مقفل اليدين بالبخل، مطلق اللسان بالخطل، يأكل وحده، ويخلف وعده، ويمنع رفده، ويضرب عبده، فحّاش نجّاش، إن سانيت قطّب، وإن راشيت غضب، يصون ماله، ويهين عياله، فقال شريح: تالله ما رأيت كاليوم ذمّا أشنع، أحسني ملأ أيتها الحرة، فإنه بعلك وابن عمك، فجثا الرجل على ركبتيه ثم قال: يا للأفيكة أيها الحاكم:

سائل سراة بني جرم فانهمقد ينبئونك بالجالي من الخبر
هل أترك البكرة الكوماء كائسةإذا تلاعبت النكباء بالخطر
للجار والضيف والمعترّ قد علموافي ليلة تتبع الشفّان بالخصر
وأترك الخصم مصفرّا أناملهدامي المرادغ منكبّا على العفر
وأنظر الخصم ذا العوصاء حجّتهحتى يلجلج بين العيّ والحصر
واسألهم هل رموا بي صدر معضلةفلم أكافح شبا أنيابها البتر
واسألهم كيف ذبّي عن ذمارهمإذا ترامى استعار الحرب بالشّرر
إني لأعظم في صدر الكميّ علىما كان فيّ من التجدير والقصر
حتى يصدّ لواذا عن مبادهتيصدّ الهجارس عن ذي اللبدة الهصر
تالله تجمع شخصينا ملاءمةمن بعد ذا اليوم في بدو ولا حضر

فقال شريح: أوضح عن نيتك، عافاك الله. قال: نعم هي طالق ثلاثا وهذا السائب بن عمرو فهو ابن أبي وأمها يقوم بمؤونتها إلى انقضاء عدتها.

- المتلمس:

فلا تقبلن ضيما مخافة ميتةوموتن بها حرّا وجلدك أملس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»
فمن حذر الأوتار ما حزّ أنفهقصير وخاض الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرّع القوم حولهتبيّن في أثوابه كيف يلبس
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثواوما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

- وقال بيهس نعامة حيث قتل قتلة إخوته:

شفيت يا مازن حرّ صدريأدركت ثأري ونقضت وتري
كيف رأيتم طلبي وصبريالسيف عزّي والاله ظهري

- أنشد زيد بن علي وقد نهض من عند هشام بن عبد الملك مغضبا لكلام مما دار بينهما:

من أحبّ الحياة أصبح في قيد من الذلّ ضيّق الحلقات

ثم خرج فكان من أمره ما كان.

وفد يحيى بن عروة بن الزبير على عبد الملك، فذكر حاجبه عبد الله بن الزبير فنال منه، فضرب يحيى وجهه حتى أدمى أنفه، فقال له عبد الملك: من فعل بك؟ قال: يحيى، قال: أدخله، وكان متكئا فجلس وقال: ما حملك على ما صنعت بحاجبي؟ قال: يا أمير المؤمنين عمي عبد الله كان أحسن جوارا لعمتك منك لنا، والله إن كان ليوصي أهل ناحيته أن لا يسمعوها قذعا، وإن كان ليقول لها: من سّب أهلك فسبّي أهله، أنا

والله المعمّ المخول، تفرقت العرب عن عمي وخالي، وكنت كما قال الأوّل:

يداه أصابت هذه حتف هذهفلم تجد الأخرى عليها مقدما
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يعيرني أمي رجال لا أرى»

فرجع عبد الملك إلى متكأه ولم يزل يعرف فيه الإكرام ليحيى، وكانت أمّ يحيى بنت الحكم ابن أبي العاص عمة عبد الملك.

- ثابت قطنة:

فما حلموا ولكن قد نهتهمسيوف الأزد والعز القديم
وخيل كالقداح مسوّماتيفيض لما مغابئها حميم
عليها كلّ أبيض دوسريّأغرّ تزين غرّته الكلوم
به تستعتب السفهاء حتىترى السفهاء تدركها الحلوم

قال بزرجمهر لكسرى وعنده أولاده: أيّ أولادك أحبّ إليك؟ فقال: أرغبهم في الأدب، وأجزعهم من العار، وأنظرهم إلى الطبقة التي فوقه.

- وقال معاوية: طيروا الذمّ في وجوه الصبيان، فإن بدا في وجوههم الحياء وإلا فلا تطمعوا فيهم.

- السريّ الرفاء:

لا تعجبوا من علوّ همتهوسنّه في أوان منشاها
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «هويتها والفراق يهواها»
إن النجوم التي تضيء لناأصغرها في العيون أعلاها

بينما عبد الملك بن صالح يسير مع الرشيد في موكبه إذ هتف هاتف: يا أمير المؤمنين طأطىء من إشرافه، وقصّر من عنانه، واشدد من شكاله، فقال الرشيد: ما يقول هذا: فقال عبد الملك: مقال معاند ودسيس حاسد، قال: صدقت، نقص القوم وفضلتهم، وتخلّفوا وسبقتهم، حتى برز شأوك، وقصّر عنك غيرك، ففي صدورهم جمرات التخلّف وحزازات التبلد، فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين فأضرمها عليهم بالمزيد.

- المتنبي:

إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةفلا تستعدنّ الحسام اليمانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»
ولا تستطيلنّ الرماح لغارةولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»
فما ينفع الأسد الحياء من الطّوىولا تتّقى حتى تكون ضواريا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

- النمريّ:

يقولون في بعض التذلّل عزّةوعادتنا أن ندرك العزّ بالعزّ
أبى الله لي والأكرمون عشيرتيمقامي على دحض ونومي على وخز

- قال يحيى بن خالد للعتابي في لباسه، وكان لا يبالي ما لبس، فقال: يا أبا عليّ أخزى الله امرءا رضي أن ترفعه هيئتاه من ماله وجماله، فإنما ذلك حظّ الأدنياء من الرجال والنساء، لا والله حتى يرفعه أكبراه: همّته ونفسه، وأصغراه: قلبه ولسانه.

قرأ الرشيد، قوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ

(الزخرف:

) فقال لعنه الله، ادّعى الربوبيّة بملك مصر، والله لأولّينّها أخسّ خدمي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه.

- أبو زبيد الطائي:

إذا نلت الإمارة فاسم منهاإلى العلياء بالسّبب الوثيق
ولا تك عندها حلوا فتحسىولا مرّا فتنشب في الحلوق
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «إذا نلت الإمارة فاسم فيها»
وكل امارة إلا قليلامغيّرة الصديق على الصديق
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

- قال رؤبة: بعث إليّ أبو مسلم لما أفضت الدولة إلى بني

هاشم، فلما دخلت إليه رأى مني جزعا فقال: اسكن فلا بأس عليك، ما هذا الجزع الذي ظهر منك؟ قلت: أخافك، قال: ولم؟ قلت: لأنّه بلغني أنك تقتل الناس، قال: إنما أقتل من يقاتلني ويريد قتلي، أفأنت منهم؟ قلت:

لا، فأقبل على جلسائه ضاحكا فقال: أما أبو العجاج فقد رخّص لنا، ثم قال: أنشدني قولك:

وقاتم الأعماق خاوي المخترق

فقلت: أو أنشدك أصلحك الله أحسن منه؟ قال: هات، فأنشدته:

قلت ونسجي مستجد حوكالبّيك إذ دعوتني لبيكا
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

أحمد ربا ساقني إليكا

قال: هات كلمتك الأولى. قلت: أو أنشدك أحسن منها؟ قال:

هات، فأنشدته:

ما زال يبني خندقا وتهدمهويستجيش عسكرا وتهزمه
ومغنما يجمعه وتقسمهمروان لما أن تهاوت أنجمه

وخانه في حكمه منجمه

قال: دع هذا وأنشدني: وقاتم الأعماق. فقلت: أو أحسن منه؟

قال: هات فأنشدته:

رفعت بيتا وخفصت بيتاوشدت ركن الذين إذ بنيتا

في الأكرمين من قريش بيتا

قال: هات ما سألتك عنه، فأنشدته:

ما زال يأتي الأمر من أقطارهعلى اليمين وعلى يساره
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة
مشمرا لا يصطلى بنارهحتى أقرّ الملك في قراره

وفرّ مروان على حماره

فقال: ويلك هات ما دعوتك له وأمرتك بانشاده ولا تنشد شيئا غيره فأنشدته: «وقاتم الأعماق» فلما وصلت إلى قولي:

ترمي الجلاميد بجلمود مدقّ

قال: قاتلك الله لشدّ ما استصلبت الحافر، ثم قال: حسبك أنا ذلك الجلمود المدق. قال: وجيء بمنديل فيه مال فوضع بين يديّ، فقال أبو مسلم: يا رؤبة إنك أتيتنا والأموال مشفوفة (يقال: اشتفّ ما في الاناء وشفّه إذا أتى عليه) وإنّ لك إلينا لعودة وعلينا معوّلا والدهر أطرق مستتب، فلا تجعل بيننا وبينك الأسدّة؛ قال رؤبة: فأخذت المنديل منه، وتالله ما رأيت أعجميا أفصح منه، وما ظننت أنّ أحدا يعرف هذا الكلام غيري وغير أبي.

- قال أبو الفرج الأصفهاني: حضرت أبا عبد الله الباقطائي وهو يتقلّد ديوان المشرق وقد تقلد ابن أبي السلاسل ماسبذان ومهر جانقذق وجاءه ليأخذ كتبه، فجعل يوصيه كما يوصي أصحاب الدواوين والعمال، فقال ابن أبي السلاسل: كأنك قد استكثرت لي هذا العمل؛ أنت أيضا قد كنت

تكتب لأبي العبّاس ابن ثوابة ثم صرت صاحب ديوان. فقال له الباقطائي: يا جاهل يا مجنون لولا أنه قبيح بمثلي مكافأة مثلك لراجعت الوزير- أيده الله- في أمرك حتى أزيل يدك، ومن لي بأن أجد مثل ابن ثوابة في هذا الزمان فأكتب له ولا أريد الرياسة، ثم أقبل علينا يحدثنا فقال: دخلت مع أبي العبّاس ابن ثوابة إلى المهتدي وكان سليمان بن وهب وزيره، وكان يدخل إليه الوزير وأصحاب الدواوين والعمال والكتاب فيعملون بحضرته ويوقّع إليهم في الأمور. فأمر سليمان بأن يكتب عنه عشرة كتب مختلفة إلى جماعة من العمال، فأخذ سليمان بيد أبي العبّاس ابن ثوابة ثم قال له: أنت اليوم أحدّ ذهنا مني فهلمّ نتعاون، ودخلا بيتا ودخلت معهما، وأخذ سليمان خمسة أنصاف وأبو العبّاس خمسة أخر، فكتبا الكتب التي أمر بها، ما احتاج أحدهما إلى نسخة، وقرأ كلّ واحد منهما ما كتب به صاحبه فاستحسنه، ثم وضع سليمان الكتب بين يدي المهتدي فقال له وقد قرأها: أحسنت يا سليمان، نعم الرجل أنت لولا المعجّل والمعدّل- وكان سليمان إذا ولّى عاملا أخذ منه ما لا معجّلا وعدّل له مالا إلى أن يتسلّم عمله - فقال له: يا أمير المؤمنين هذا قول لا يخلو أن يكون حقا أو باطلا، فإن كان باطلا فليس مثلك قبله، وإن كان حقا وقد علمت أنّ الأصول محفوظة فما يضرّك من مساهمتي عمالي على بعض ما يصل إليهم من مرفق لا يجحف بالرعية ولا ينقص الأصول؟ فقال له: إذا كان هذا هكذا فلا بأس، ثم قال له: اكتب إلى فلان العامل بقبض ضيعة فلان العامل المصروف المعتقل في يديه بباقي ما عليه من المصادرة، فقال له أبو العبّاس ابن ثوابة: كلنا يا أمير المؤمنين خدمك وأولياؤك، وكلّنا حاطب في حبلك وساع فيما أرضاك وأيّد ملكك، أفنمضي ما تأمر به على ما خيّلت أم

نقول الحقّ؟ قال: لا بل قل الحقّ يا أحمد، فقال: يا أمير المؤمنين الملك حقّ والمصادرة شكّ، أفترى أن نزيل اليقين بالشك؟ قال: لا، فقال: قد شهدت للرجل بالملك وصادرته عن شكّ فيما بينك وبينه وهل خانك أم لا، فجعلت المصادرة صلحا، فإذا قبضت ضيعته بها فقد أزلت اليقين بالشكّ، فقال له: صدقت، ولكن كيف الوصول إلى المال؟ فقال له: أنت لا بدّ مولّ عمّالا على أعمالك، وكلّهم يرتزق ويرتفق فيحوز رزقه ورفقه إلى منزله، فاجعله أحد عمالك ليصرف هذين الوجهين إلى ما عليه ويسعفه معاملوه فيخلّص نفسه وضيعته ويعود إليك مالك. فأمر سليمان بن وهب أن يفعل ذلك. فلما خرجنا عن حضرة المهتدي قال له سليمان: عهدي بهذا الرجل عدوّك، وكلّ واحد منكما يسعى على صاحبه، فكيف زال ذاك حتى نبت عنه في هذا الوقت نيابة أحييته بها وتخلّصت نعمته؟ فقال: إنما كنت أعاديه وأسعى عليه وهو يقدر على الانتصاف مني، فأما وهو فقير إليّ فهو مما يحظره الدين والصناعة والمروءة، فقال له سليمان: جزاك الله خيرا، أما والله لأشكرنّ هذه النية لك، ولأعتقدنّك من أجلها أخا وصديقا، ولأجعلنّ هذا الرجل لك عبدا ما بقي؛ ثم قال له الباقطائي: من كان هذا وزنه وفضله يعاب من كان يكتب له؟

- كليب بن وائل في العزم:

ليس الكلام مغنيا دون العملوشرّ ما رام امرؤ ما لم ينل

وكثرة الايغال عجز وفشل

- عمرو بن الحارث الطائي:

إذا شئت أن تقتاس أمر قبيلةوأحلامها فانظر إلى من يسودها

- الرضي أبو الحسن الموسوي:

أترى آن للمنى أن تقاضىحاجة طال مطلها في الفؤاد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «شقيت منك بالعلاء الأعادي»
بين همّ تحت المناسم مطروح وعزم على ظهور الجياد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «شقيت منك بالعلاء الأعادي»

- وكان الرضيّ بعيد مطمح الهمة يرى نفسه أهلا للخلافة، ويطمع في تقمصها، وكانت حاله كما أنبأ عن نفسه في قوله

ولي أمل كصدر الرّمح ماضسوى أنّ الليالي من خصومي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أرى نفسي تتوق إلى النجوم»

وفي قوله:

وما يغني مضيّك في صعودإذا ما كان جدّك في صبوب
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ألان جوانبي غمز الخطوب»

فمن شعره في أمله وهمته قوله:

وما في الأرض أحسن من يسارإذا استولى على أمر مطاع

وقوله:

وركب سروا والليل ملق رواقهعلى كلّ مغبّر المطالع قاتم
حدوا عزمات ضاعت الأرض بينهافصار سراهم في ظهور العزائم
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ألا ليت أذيال الغيوث السواجم»
تريهم نجوم الليل ما يبتغونهعلى عاتق الشعرى وهام النعائم
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ألا ليت أذيال الغيوث السواجم»

. وقال:

وغلمة في ظهور العيس أرّقهمهمّ شعاع وآمال عباديد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «إلى كم الطرف بالبيداء معقود»
ملثّمين بما راخت عمائمهموكلّهم طرب للبين غرّيد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «إلى كم الطرف بالبيداء معقود»
لا آخذ المجد إلا عن رماحهمإذا تطاعنت الشمّ المناجيد

وقال:

وما أسرّ بمال لا أعزّ بهولا ألذّ برأي فيه تفنيد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «إلى كم الطرف بالبيداء معقود»
ليس الثراء بغير المجد فائدةولا البقاء بغير العزّ محمود

وقال:

ولله قلب لا يبلّ غليلهوصال ولا يلهيه من خلّة وعد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لأي حبيب يحسن الرأي والود»
يكلّفني أن أطلب العزّ بالمنىوأين العلى إن لم يساعدني الجد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لأي حبيب يحسن الرأي والود»
وليس فتى من عاق عن حمل سيفهإسار وحلّاه عن الطلب القدّ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لأي حبيب يحسن الرأي والود»
ولا مال إلا ما كسبت بنيلهثناء ولا مال لمن ماله مجد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لأي حبيب يحسن الرأي والود»

وقال:

ولي أمل لا بدّ أحمل عبئهعلى الجرد من خيفانة وحصان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أيا جبلي نجد أبينا سقيتما»
فإن أنا لم أركب عظيما فلا مضىحسامي ولا روّى الطعان سناني
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أيا جبلي نجد أبينا سقيتما»

وقال:

كيف يهاب الحمام منصلتمذ خاف غدر الزمان ما أمنا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «توقعي أن يقال قد ظعنا»
لم يلبس الثوب من توقعهللأمر إلا وظنّه الكفنا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «توقعي أن يقال قد ظعنا»
أعطشه الدهر من مطالبهفراح يستمطر القنا اللّدنا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «توقعي أن يقال قد ظعنا»

وقال في تعرضه للخلافة ودعواه استحقاقها:

يخيفونني بالموت والموت راحةلمن بين غربي قلبه مثل همّتي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «عذيري من العشرين يغمزن صعدتي»
فلا صلح حتى يسمعوا من أزيزهاصواعق إما صكّت الأذن صمّت
فخرت بنفسي لا بأهلي موفراعلى ناقصي قومي مناقب أسرتي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «عذيري من العشرين يغمزن صعدتي»
أما أنا موزون بكلّ خليفةأرى أنفا من أن يكون خليفتي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «عذيري من العشرين يغمزن صعدتي»
ولا بد يوما أن تجيء فجاءةفلا تنظراني عند وقت موقّت

وقال:

فتى رأى الدهر غير مؤتمنفما فشا سرّه إلى أحد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «خير الهوى ما نجا من الكمد»
واقتحم الليل فهو يمتحن المهرة قبل الطّراد بالطّرد
في كلّ فج يقود راحلةتجذبها الأرض جذبة المسد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «خير الهوى ما نجا من الكمد»
لا يبعد الله غلمة ركبواأغراضهم واشتفوا من البعد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «خير الهوى ما نجا من الكمد»
رموا بعهد النعيم واصطنعواكلّ شريف الذباب مطرد
قلّوا على كثرة العدوّ لهمكم عدد لا يعدّ في العدد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «خير الهوى ما نجا من الكمد»

. وقال:

ما عذر من ضربت به أعراقهحتى بلغن إلى النبيّ محمد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هل ريع قلبك للخليط المنجد»
ألّا يمدّ إلى المكارم باعهوينال منقطع العلى والسؤدد
متحلقا حتى تكون ذيولهأبد الزمان عمائما للفرقد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هل ريع قلبك للخليط المنجد»
أعن المقادر لا تكن هيّابةوتأزّر اليوم العصبصب وارتد
لا تغبطنّ على البقاء معمّرايا قرب يوم منية من مولد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هل ريع قلبك للخليط المنجد»

. وقال محمد بن هانىء المغربي:

ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيهفمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «ألا هكذا فليهد من قاد عسكرا»

وقال:

فلست من سخطه المردي على وجلما دمت من عفوه المحيي على أمل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «كدأبك ابن نبي الله لم يزل»
لعلّ حلمك أملى للذين هووافي غيهم بين معفور ومنجدل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «كدأبك ابن نبي الله لم يزل»
فما شفا داءهم إلا دواؤهموالسيف نعم دواء الداء والعلل

وقال أيضا:

تأتي له خلف الخطوب عزائمتذكى لها خلف الصباح مشاعل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل آجل مما أؤمل عاجل»
فكأنهن على الغيوب غياهبوكأنهنّ على النفوس حبائل
ملك إذا صدئت عليه دروعهفلها من الهيجاء يوم صاقل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «هل آجل مما أؤمل عاجل»

. وقال:

دعني أخاطر بالحياة فإنماطلب الرجال العزّ ضرب قداح

وقال:

وما لي من لقاء الموت بدّفمالي لا أشدّ له حزيمي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أرى نفسي تتوق إلى النجوم»

- ومن ارتفاع الهمّة الأبنية المشاهدة في دار الإسلام فمنها:

إيوان كسرى: ويقال إنّ المنصور لما بنى بغداد أحبّ أن ينقضه ويبني بنقضه، فاستشار خالد بن برمك فنهاه وقال: هو آية الإسلام ومن رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبيّ، وهو مصلّى علي بن أبي طالب، والمؤونة في نقضه أكثر من الارتفاق به، فقال: أبيت إلا ميلا للعجم، فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كثيرا فأمسك، فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدّث بعجزك عنه، فلم يفعل.

وصفه البحتري فقال:

وكأن الإيوان من عجب الصّنعة جوب في جنب أرعن مرس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
لم يعبه أن بزّ من ستر الديباج واستلّ من ستور الدمقس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي»
مشمخرا تعلو له شرفاترفعت في رؤوس رضوى وقدس
لست أدري أصنع أنس لجن[سكنوه] أم صنع جنّ لإنس
غير أني أراه يشهد أن لميك بانيه في الرجال بنكس

. ومنها الهرمان بمصر، يقال: ليس في الأرض بناء أرفع منهما وأن ارتفاع كلّ واحد منهما أربعمائة ذراع في عرض أربعمائة، ولا يزالان ينخرطان في الهواء صنوبريا حتى ترجع دورتهما إلى مقدار خمسة أشبار في مثلها مبنيّة بحجار المرمر والرخام وكل حجر عشر أذرع إلى ثمان، وحجارتهما منقولة من مسافة أربعين فرسخا من موضع يعرف بذات الحمام فوق الإسكندريّة، منقولا فيهما بالمسند كل سحر وطب وطلسم، وفيه: إني بنيتهما فمن ادّعى قوة في ملكه فليهدمهما، فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما. وقالوا لا يعرف من بناهما، قال المتنبيّ:

تتخلف الآثار عن أصحابهاحينا ويدركها الفناء فتتبع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
أين الذي الهرمان من بنيانهما قومه ما يومه ما المصرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

وأما البحتري فقد سمّى بانيهما وليست تسميته حجّة في صحة الأخبار فقال:

ولا كسنان بن المشلّل بعد مابنى هرميها من حجارة لابها

ومنارة الإسكندريّة مبنيّة على قناطر من زجاج، والقناطر على ظهر

سرطان من نحاس في بطن أرض البحر، وطولها أربعمائة وخمسون ذراعا، وهي غاية ما يمكن رفعه في الهواء، وفيها ثلاثمائة وخمسون بيتا، وكانت في أعلاها مرآة كبيرة يرى فيها الناظر قسطنطينية وبينهما عرض البحر، وكلما جهّز ملك الروم جيشا أبصر فيها، فوجه ملك الروم إلى بعض الخلفاء أن في الثلث الأعلى كنوزا لذي القرنين فهدموه فلم يجدوا شيئا وعلم أنها حيلة في إبطال الطلسم في المرآة.

- قال عبد الله بن المقفع:

إن كنت لا تدّعي مجدا ومكرمةإلا بقصرك لم ينهض بأركان
سام الرجال بما تسمو الرجال بهتلك المكارم لا تشييد بنيان

- أخبرني الشيخ الزاهد أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي قال: كان بميافارقين بائع يعرف بأبي نصر بن جريّ واسع المعيشة، فرفع إلى نصر الدولة بن مروان أنه تحصّل له من دلالة المقايضة في ليلة واحدة عشرون ألف درهم، فأحضره وسأله عما أنهي إليه فقال: كذب الواشي أيها الأمير، إنما كانت عشرين ألف دينار وهي خدمة مني للمولى فضل- يعني ولده- وهو قائم على رأسه، فقال: معاذ الله بل نوفّر عليك، وأحمد الله على أن حصل لتاجر من رعيتي في ليلة واحدة من الدلالة مثل هذا المال. ثم إنّ البائع المذكور قال له: أيها الأمير أنا كثير المال، واسع الحال، وقد جمعت شيئا أعددته لعمل مصلحة إن أعنتني عليها وأذنت لي فيها، قال: وما هي؟ قال أن أسوق

الماء من الجبل إلى البلد وأنقب له خرقا في السور، قال: وما يصنع بدور الناس ومجازه فيها؟ قال: أشتري كلّ دار تكون مجازا للماء فإن لم يبعنيها صاحبها أجريت له الماء في داره، فأذن له وأخرج مائة ألف دينار عمل بها هذه المصلحة، وأجرى الماء إلى المسجد الجامع والأسواق والآدر.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.