من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب
- كان عقيل بن علّفة من الغيرة والأنفة على ما ليس عليه أحد، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه، وكانت لعقيل إليه حاجات، فقال له: إما إذ كنت فاعلا فجنبني هجناءك.
وخطب إليه ابنته إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة، وهو خال هشام بن عبد الملك ووالي المدينة، وكان أبيض شديد البياض، فردّه عقيل وقال:
رددت صحيفة القرشيّ لماأبت أعراقه إلّا احمرارا
قدّم أعرابيّ رجلا إلى القاضي واستعدى عليه، وتقدم شاهدان فقالا: نشهد أنه قد ظلم الأعرابيّ، فقال الأعرابيّ: كذبا ما ظلمني ولكنّه لوى حقي، (كأنه أنف أن يكون مظلوما).
- ومثل هذا أن أعرابيا من بني سليم قيل له: أيما أحبّ إليك:
أن تلقى الله ظالما أو مظلوما؟ فقال: بل ظالما، قالوا: سبحان الله أتحبّ الظلم؟ قال: فما عندي إذا أتيته مظلوما يقول لي: خلقتك مثل البعير
الصّمحمح ثم أتيتني تعصر عينيك وتشتكي؟! - قيل لأعرابي اشتدّ به الوجع: لو تبت؟ فقال: لست ممن يعطي على الضيم، إن عوفيت تبت.
- قال أعرابيّ لرفيقه: أترى هذه الأعاجم تنكح نساءنا في الجنة؟ قال له: نعم أرى ذلك بأعمالهم الصالحة، فقال: توطأ إذن والله رقابنا قبل ذلك.
- نزل عطّار يهوديّ بعض أحياء العرب ومات، فأتوا شيخا لهم لم يكن يقطع في الحيّ أمر دونه، فأعلموه خبر اليهودي، فجاء فغسله وكفّنه وتقدّم وأقام الناس خلفه وقال: اللهمّ إن هذا اليهوديّ جار وله ذمام، فأمهلنا حتى نقضي ذمامه، فإذا صار في لحده فشأنك والعلج.
- كان خالد بن صفوان أحد من إذا عرض له القول قال، فيقال إن سليمان بن عليّ سأله عن ابنيه جعفر ومحمد، فقال له: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال:
أبو مالك جار لها وابن برثنفيا لك جاري ذلّة وصغار
والشعر ليزيد بن مفرغ الحميري، فأعرض عنه سليمان، وكان سليمان من أجمل الناس وأكرمهم، وهو في الوقت الذي أعرض فيه عنه والي البصرة وعمّ الخليفة المنصور.
- خرج زياد الأعجم إلى المهلب ومدحه وهو بخراسان، فأمر له بجائزة، وأقام عنده أياما، قال: فإنه لعشية يشرب مع حبيب بن المهلب في دار فيها دلبة وفيها حمامة، فسجعت الحمامة فقال زياد:
تغنّي أنت في ذممي وعهديوذمة والدي ألّا تضاري
وبيتك أصلحيه ولا تخافيعلى صفر مزغّبة صغار
فإنك كلّما غنيت صوتاذكرت أحبتي وذكرت داري
فاما يقتلوك طلبت ثأراله نبأ لأنك في جواري
فقال حبيب: يا غلام هلمّ القوس، فأتي به، فنزع لها بسهم فقتلها، فوثب زياد فدخل على المهلب، فحدّثه الحديث وأنشده الشعر، فقال المهلب: عليّ بأبي بسطام فأتي بحبيب، فقال: أعط أبا أمامة دية جاره ألف دينار، فقال: أطال الله بقاء الأمير إنما كنت ألعب، فقال أعطه كما آمرك، فأعطاه، فأنشأ زياد يقول:
فلله عينا من رأى كقضيّةقضى لي بها قرم العراق المهلّب
قضى ألف دينار لجار أجرتهمن الطير حضّان على السقب ينعب
رماها حبيب بن المهلب رميةفأثبتها بالسهم والشمس تغرب
فألزمه عقل القتيل ابن حرّةوقال حبيب إنما كنت ألعب
فقال زياد لا يروّع جارهوجارة جاري مثل جاري وأقرب
قال: فإنه لبعد هذا يشرب مع حبيب، وفي قلب حبيب عليه الألف،
إذ عربد عليه فشق قباء ديباج عليه فقام وقال:
لعمرك ما الديباج خرّقت وحدهولكنّما خرّقت جلد المهلب
فبعث المهلب إلى حبيب فأحضره وقال: صدق زياد ما خرّقت إلا جلدي، تبعث عليّ هذا يهجوني؟! ثم أحضره وتسلّل سخيمته وأمر له بمال وصرفه.
- قيل لأعرابيّ ما يمنعك أن تمنع جارتك فإنه يتحدّث إليها فتيان الحيّ، قال: وهي طائعة أو كارهة؟ قالوا: طائعة، قال: إنما أمنع جاري مما يكره.
- قدم الحكم بن عبدل الأسديّ على ابن هبيرة واسطا، فأقبل حتى وقف بين يديه ثم قال:
اتيتك في أمر من آمر عشيرتيوأعيا الأمور المفظعات جسيمها
فإن قلت لي في حاجة أنا فاعلفقد ثلجت نفسي وولّت همومها
فقال ابن هبيرة: أنا فاعل إن اقتصدت، فما حاجتك؟ قال: غرم لزمنا في حمالة، قال: وكم هي؟ قال: أربعة آلاف، قال: نحن مناصفكوها، قال: أصلح الله الأمير، أتخاف عليّ التخمة إن أتممتها؟ قال: أكره أن أعوّد الناس هذه العادة، قال: فأعطني جميعها سرّا وامنعني جميعها ظاهرا حتى تعوّد الناس المنع، وإلا فالضرر عليك واقع إن عوّدتهم نصف ما يطلبون، فضحك ابن هبيرة وقال: ما عندنا غير ما بذلنا لك، فجثا بين يديه وقال:
امرأته طالق لا أخذت أقلّ من أربعة آلاف أو أنصرف وأنا غضبان، قال:
أعطوه إياها قبّحه الله فإنه ما علمت حلّاف مهين، فأخذها وانصرف.
- قال الأصمعي: دخلت خضراء [روح] فإذا أنا برجل من ولده على فاحشة يؤتى، فقلت: قبحك الله، هذا موضع كان أبوك يضرب فيه الأعناق ويعطي فيه اللهى، وأنت تفعل فيه ما أرى؟! فالتفت إليّ من غير أن يزول عنها وقال: (الشعر لمعن بن أوس المزني)
ورثنا المجد عن آباء صدقأسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الرفيع تواكلتهبناة السوء أوشك أن يضيعا
حضر يوما بشر بن هارون وجماعة من الكتاب في دار أبي محمد المهلبي الوزير، وكان المهلبيّ بحيث يراهم ويسمع كلامهم، وهم لا يشاهدونه، فأنشأ أحدهم يقول:
سبال الوزير سبال كبير
فقال الآخر:
وعقل الوزير فعقل صغير
فقال بشر بن هارون:
زيادة هذا بنقصان ذاكما طال ليل النهار القصير
فخرج إليهم المهلبيّ وشاتمهم وجلس معهم ومازحهم وأجاز كل واحد
منهم.
- نظر أبو الحارث جمين إلى برذون يستقى عليه الماء فقال:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
لو هملج هذا البرذون لم يجعل للرواية، والشعر لمعاوية بن فروة المنقري، وأوله:
وإن خفت من أمر هوانا فولّهسواك وعن دار الأذى فتحوّل
وما المرء إلا حيث يجعل نفسهففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
- ومن الحمية المنكرة ما فعله عبد العزيز بن أبي دلف: كان له جارية يرى الدنيا بعينها فضرب عنقها وقال: خفت أن أموت من حبها فتنام هي بعدي تحت غيري.
وقد ذكر أن عضد الدولة قتل جارية أحبّها لأنها ألهته عن النظر في أمور المملكة، وهذا من السياسة المذمومة.
- عيّر شريف النسب سقراط بسقوط نسبه، فقال: نسبي عار عليّ، وأنت عار على نسبك.
- وقال عبد الملك لروح بن زنباع: أيّ رجل أنت لولا أنك
ممّن أنت منه!! قال يا أمير المؤمنين، ما يسرني أنني ممن أنت منه، قال:
كيف؟ قال: لأني لو كنت ممن أنت منه لغمرتني أنت ونظراؤك، وأنا اليوم قد سدت قومي غير مدافع، فأعجب بقوله.
شاعر يذم صامتا لغير حلم ولا سيادة:
يا صنما في الصمت لا في الحسن
- ولابن حجاج في معناه:
يا صنما يعبده شعريبلا ثواب وبلا أجر
انطق تنفّس قبل أن يحسبواأنك من جصّ وآجرّ
- قال أعرابيّ: إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علما.
- قال رجل لسيد: إن سوّدك القوم لجهلهم فسيد الجاهلين غير شريف، وإن سودوك للفقر إليك فأنت كما قال القائل:
خلت البلاد فسدت غير مسوّدومن العناء تفردي بالسؤدد
- شتم مجنون رجلا فقال: أتشتمني وأنا سيد قومي؟ فقال:
وإنّ بقوم سودوك لفاقةإلى سيّد لو يظفرون بسيّد
نادرة في رياسة العلم: قال حماد بن سلمة: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاته لا شعير فيها.
- قال حفص بن غياث: خرج إلينا الأعمش يوما فقال لنا:
تدرون ما قالت الأذن؟ قلنا: وما قالت؟ قال: قالت لولا أني أخاف أن أقمع بالجواب لطلت كما طال اللسان (قال حفص: فكم من كلمة غاظني صاحبها منعني جوابها قول الأعمش).
- قال الجاحظ: مررت بحجّام يحجم حجاما أيام قتل المخلوع وهو يقول: سقط والله المأمون من عيني مذ قتل أخاه، فقلت له: هلك والله المأمون إذ سقط من عين مثلك؛ فرفع الخبر إلى المأمون فوجّه إليه بدرة وقال:
إن رأيت أن ترضى عني فعلت، قال: قد فعلت.
تمّ الباب الثالث بحمد الله ومنّه يتلوه الباب الرابع في مكارم الأخلاق ومساوئها.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع