من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
فصول من عهود للصابي
- فمن ذلك فصول من عهد القاضي أبي محمد عبيد الله بن معروف: أمره بتقوى الله مظهرا ومبطنا، وخيفته مسرّا ومعلنا، فانهما الحصن الحصين، والملجأ الأمين، والعصمة من نزغات الشيطان المردية، ودواعي الأهواء المؤذية، وأفضل العتاد في الأولى، وخير الزاد في الأخرى، من تمسك بعلائقهما، وتشبث بوثائقهما، أقامتاه على سبيل الهدى، ويمّمتا به الطريقة المثلى، وسلكتا به محجّة النجاة، واستنقذتاه في الحياة والوفاة. والله جلّ اسمه يقول: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)
(النحل:).
وأمره أن يواظب على قراءة القرآن متفهما آياته، معظما بيناته، متدبرا حججه الظاهرة، متأملا أدلّته القاهرة، متّبعا أوامره الرّشيدة، مستمعا مواعظه السّديدة، آخذا بعزائمه المبرمة، عاملا على فرائضه المحكمة، فانه عمود الحقّ، ومنهاج الصّدق، وبشير الثواب، ونذير العقاب، والكاشف لما استبهم، والمنوّر لما أظلم، والإمام المنجي من الضلال، والخصم الغالب عند الجدال، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وأمره بدراسة سنن رسول الله ﷺ وآثاره، وتعهّد أحاديثه وأخباره، متأدبا بما حضّ الناس عليه، منتهجا ما أهاب بهم إليه، منتهيا إلى حكمه ووصاياه، متقيدا بخلائقه وسجاياه، فانه ﷺ الذي يدعو إلى الهدى، ولا ينطق عن الهوى، فمن ائتمّ لأوامره غنم، ومن ارتدع من زواجره سلم. وقد قرن الله طاعته بطاعته، وجعل العمل بقوله كالعمل بكتابه، فقال ﷿: (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)
(الحشر:).
وأمره بمجالسة أهل الدين [والعلم] ومدارسة أهل الفقه والفهم، ومشاورتهم في ما يقرّره ويمضيه، والأخذ من آرائهم في ما ينيره ويسديه، فان الشّورى نتاج العقول، والمباحثة رائد الصّواب، واستظهار المرء على رأيه من عزم الأمور، واستنارته بعقل أخيه من حزم التدبير؛ فقد أمر الله تعالى بالاستشارة أكمل الخلق لبابة وأولى بالاصابة، فقال لرسوله الكريم في كتابه الحكيم: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
(آل عمران:).
وأمره بفتح الباب، ورفع الحجاب، والبروز للخصوم، وإيصالهم إليه على العموم، وأن ينظر بين المتحاكمين بالسويّة، ويعدل فيهم عند القضيّة، ويعطيهم من نفسه أقساطا متساوية، ولا يفضّل خصما على صاحبه في لحظ ولا لفظ، ولا يقوّيه عليه بقول ولا فعل، إذ كان جل اسمه قد جعل هذا الحكم سرّ الحقّ وميزان القسط، وسبيل العدل في القبض والبسط، وسوّى بين الدنيّ والشريف، وأخذ به من القويّ للضعيف، ولم يجعل فيه مزية لغني على فقير ولا لكبير على
صغير؛ قال الله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)
(النساء:).
وأمره إذا ترافع إليه متحاكمان، وتنازع إليه متخاصمان، أن يطلب الحكم بينهما في نصّ الكتاب، فان عدمه هناك التمسه من سنّة الرسول ﷺ، فان فقده من السنة القويمة، والآثار الصحيحة السليمة، ابتغاه في إجماع المسلمين، فان لم يجد فيه إجماعا اجتهد وحكم في الحادثة أشبه الأحكام بالأصول عنده، بعد أن يبلغ غاية الوسع في التحرّي، ويستنفد الطاقة في النظر والتقصّى، فانه من أخذ بالكتاب اهتدى، ومن اتبع السنة نجا، ومن تمسّك بالإجماع سلم، ومن اجتهد رأيه أعذر. والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل.
وأمره بالتثبت في الحدود، والاستظهار فيها بتعديل الشهود، وأن يحترس من عجل يرهق الحكم عن الموقع الصحيح، أو ريث يرجئه عن الوضوح حتى يقف عند الاشتباه، ويمضي لدى الاتجاه، ويقوم بالبينات، ويدرأ الشّبهات، ولا تستخفّه عجلة إلى بريء، ولا تاخذه رأفة بمسيء، فان الله ﷿ سمّى هذا الضرب من الأحكام حدودا تشددا فيه، وإكبارا لتعدّيه، وجعله من معالم الحكم، ونسب من يجاوزه إلى الظلم، فقال تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
(البقرة:).
وأمره بتصفّح أحوال من يشهد عنده فيقبل منهم من ظهرت منه العدالة، وعرفت منه الأصالة، وكان ورعا في دينه، حصيفا في عقله، ظاهر التيقّظ والحذر، بعيدا من السّهو والزلل، طيّبا بين الناس ذكره، مشهورا فيهم ستره،
منسوبا إلى العفّة والظّلف، معروفا بالنزاهة والأنف، سليما من شائن الطمع، بريئا من الحرص والجشع، فان هذه الطبقة هي حجّة الحاكم في ما يحكم، وطريقه إلى ما ينقض ويبرم، فمتى أعذر في ارتيادهم، كان معذورا في الحكم بشهاداتهم وان اختلفوا. ومتى عذّر في انتقادهم، كان ملوما في سماع أقوالهم وإن صدقوا، لأن على الحاكم أن يعتام أهل الثقة والأمانة، والعفّة والصّيانة، حدسا على باطنهم من ظاهرهم، ومخيلة لخافيهم من باديهم. والله وحده يبلو السرائر ويعلم الضمائر. وقد قال جل اسمه للحكام (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ)
(البقرة:) وقال تعالى في الشهود (سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ)
(الزخرف:).
وأمره أن يحتاط على مال الأيتام بثقات أمناء، ويكلها إلى الحفظة الأعفّاء، ويرعيهم في ذلك عينا بصيرة، ويكلأهم بهمّة يقظى حتى يسيروا في هذه الأموال بسيرة تثمّرها وتنمّيها، وتدبّرها تدبيرا يحرسها ويزيد فيها، من غير أن يركبوا بها خطرا، ولا يجرّوا عليها غررا، وأن ينفقوا عليهم منها بالمعروف، ويسلكوا فيها سبيل القصد، حتى إذا بلغ أربابها الحلم، وأونس منهم الرشد سلّمت الأموال إليهم وأشهد بقبضها عليهم. قال الله تعالى:
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا. وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً)
(النساء:).
ومنه:
هذا ما عهد أمير المؤمنين إليك، والاحتياط لك وعليك، وهاديك إلى طريق
الرّشاد، وحاديك إلى سبيل السداد، ومقيمك على المحجّة الواضحة، وكفيلك بالحجّة اللائحة. وقد أعذر أمير المؤمنين فيه وأنذر، وبصّر وحذّر، لم يألك وعظا، ولم يدّخرك معه حظّا. فكن عند ظنّ أمير المؤمنين وأوف على تقديره فيك، فانه اختارك عن علم وبصيرة، وقدّمك على فكر وروية. واجعل وصيته إمامك، واتبع أمره في تدبيرك، وأنجح قوله في أمورك، وطالعه بما يشكل عليك مطالعة المستعلم، وأنهه إنهاء المستفهم، ليصدر إليك من رأيه ما تحتذيه، ويرد عليك من عزمه ما تقتفيه، إن شاء الله تعالى.
- من عهد كتبه للطاهر أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي بنقابة الطالبيين: وان أمير المؤمنين بنافذ عزيمته، وثاقب بصيرته، لا يهمل من الاصلاح صغيرا ولا كبيرا، ولا يضيع من الثواب لا قليلا ولا كثيرا، حتى ينزل كلّ امرىء منزلته، ويؤتيه رغبته، ولا يجاوز موضعه، ولا يفاوت موقعه. ومن أجلّ الأحوال عند أمير المؤمنين وأولاها بالاهتمام والتقديم حال اختصّت أهل بيته عائدتها، وتوفرت عليهم فائدتها، وزانهم جمالها، والبسهم جلالها، وجمعت لهم إلى كرم الأحساب والأعراق، شرف الآداب والأخلاق، وأحسن الله عون أمير المؤمنين على ما ينويه، ووفّقه في ما يرتأيه، وخار له في ما يدبّره ويمضيه، وينيره ويسديه، خيرة تجمع له الحظّ في العاجلة والآجلة، والنفع في الدنيا والآخرة.
ولذلك ما رأى أمير المؤمنين أن يقلّدك النقابة على الطالبيين أجمعين.
ومنه: واعلم أن أمير المؤمنين قد فضّلك على أهل بيتك طرّا، ورفعك فوقهم جميعا بعد أن كنت واحدا منهم، واختصّك دونهم بعد مساواتك لهم، فسر في تطبيقهم سيرته، واسلك في ترتيبهم طريقته، حتى إذا عممتهم بالكرامة التي توجبها أنسابهم وتقتضيها قرباهم، خصصت بأكابرهم زيادة الإجلال والتوقير، وإذا شملتهم بالصيانة التى يؤثرها امير المؤمنين، وتوجبها شرائط الدين، ميّزت أصاغرهم بفضل الحنوّ والعطف. وكن لأفعال كلا الفريقين ممتحنا، وفي أعمالهم متفرسا، فمن وجدته متوخيا من جميل الخلائق، ومستقيم الطرائق، مذهبا للشرف موافقا، وبسجايا السّلف لائقا، فزده إحسانا تكافيه فيه عن مرضيّ إيثاره، وتدعو غيره إلى مشاركته في جميل اختياره. ومن ركب قبيحا يعود على ديانته بجرح، وعلى أمانته بقدح، ما لم يستوجب حدا معلوما، ويستحقّ جزاء محتوما، فلا تعجل عليه بالعقاب، واستأن معاودته للصواب، ونبّهه بالذكرى النافعة للمؤمنين، واعطفه بالموعظة الناجعة في الصالحين. فإن تراجع وتاب، وأقلع وأناب، فأعنه على الأوبة، واقبل منه التوبة، وبوّئه منزل مثله ممن جهل ثم حلم، وأذنب ثم ندم، وكن له بمكانك لصالحي أهله، وأجره مجرى خيار قومه. ومن ضرب عن الادّكار صفحا، وطوى دون الانذار كشحا، ولم يغن فيه التوقيف دون التثقيف، ولا التعليم دون التقويم، فحكّم كتاب الله ﷿
عليه، وأطع سنّة نبيه ﵇ فيه. وقابله عن إساءته مقابلة من لا يصرفه عن الحق مراقبة، ولا يقصر به دون الواجب بقيا ولا بقية. فان أمير المؤمنين وإن أوسع كافّة أهله عطفا، ولم يأل بهم رفقا ولا لطفا، لا يصل منهم من أوجب الدين قطيعته، ولا يرعى حقّ رحم لمن لم يكن في ذات الله تعالى قربته. وليكن لك عليهم عيون من خيارهم، ينهون إليك ما انطوى عنك من أخبارهم، وأوصهم بحسن التأمّل لاثار الجماعة، وكفّهم عما ينكر بالهيبة والطاعة. فان انثنوا أو ارتدعوا، وانتهوا أو نزعوا، وإلا احتذيت ما مثّله لك أمير المؤمنين من جميع الفرق، ولا تجاوز ما فصّله من غلظة وشفق. واجعل في خطابك إياهم ومحاورتك لهم شعارا من الاكرام يبينون به عن جمهور العوام. ولا تقابل أحدا منهم بسبّ، ولا تغضض منه في ذكر أمّ ولا أبّ، فان أمير المؤمنين يصون سلفهم سلفه، ويحمي نسبهم لأنهم نسبه، وقد نزّه الله أسرته عن هجنة العيب، وباعد حامته عن مقارفة الريب. وإنما جعلك أمير المؤمنين أمينه فيهم، وعينه عليهم، لمّا ضنّ بهم عن الزلل، وصانهم عن الغيّ والخطل. ولتكن عنايتك إلى حماية المناسب مصروفة، وعلى حراستها موقوفة، فانها قربى النبوة ولحمة الخلافة، والسبب المتصل يوم تقطّع الأسباب، والنسب المعروف يوم تناكر الأنساب. وأثبت الجماعة ممن بحضرتك منهم بأعيانهم وأسمائهم، واعزهم إلى أجدادهم وآبائهم، وليعمل بمثل ذلك أصحابك في الأطراف، وخلفاؤك في البلاد، حتى تأمن غلطا تفتن به في سليم، ولبسا تركن به إلى سقيم. ثم إن وجدت من قد ادّعى نسبا لا يثبت
بالشهادة، ولا يعرف معرفة تزيل عنه التهم، فقابله بغليظ العقوبة ليرتدع غيره عن مثل دعواه، وأشهره شهرة يؤمّن معها اشتباه، وينزجر عن كذبة ثانية.
واحتط في أمر المناكح حتى لا تصل أيّم من الجماعة إلى دنيّ، ولا يقع عليها عقد إلا لكفؤ وفيّ.
- ومن تقليده الحج مضافا إلى نقابة الطالبيين: أما بعد، فان أمير المؤمنين برعايته الحرمات، ومحافظته على المواتّ، وإيجابه حقّ من تأكّدت له العصمة، وارتضيت منه الخدمة، وعرفت في الطاعة آثاره، وبليت في الموالاة أخباره، يعتقد ربّ صنيعته عندك، ومضاعفة نعمته عليك، والانافة بك على أعلى رتب ذوي الأسباب الواشجة والانساب المتشابكة، ولا سيّما وقد جمعت إلى القربى اضطلاعا بالأعباء، وإلى الموالاة قياما بحقّ الاستخدام والاستكفاء، فلن يعدم أمير المؤمنين في ما يكله إليك، ويعتمد فيه عليك، رعاية الحقّ، وصلة الرحم، وصواب التدبير، وإصلاح المهمّ. والله يحسن لأمير المؤمنين الاختيار، ويمدّه بالتوفيق والصنع في مجاري الأقدار. ولما قلّدك أمير المؤمنين النقابة على الطالبيين فبان له فيها محمود سيرتك، وظهر من أفعالك ما دلّ على سلامة سريرتك، رأى أمير المؤمنين من حقّ العادة التي عوده الله فيها الصلاح، وأجرى له فيها طائر النجاح، أن يزيدك فضلا وإحسانا، ولا يألوك إنعاما وامتنانا، ويستأنف بك من إعلاء الدرجة ورفع المرتبة ما يحمد به رأيك في الخدمة
والاجتهاد، ويستمرّ معه على طريقتك في الاستقامة والسّداد.
ومن تقليد القاضي أبي القاسم عمر بن حسان جنديسابور: أمره بتقوى الله وخشيته ومراقبته وخيفته، وأن يسوّي في طاعته بين ما استسرّ من رأيه وعلن، ويخلص العمل له في ما ظهر من أمره وبطن، تلك مواد العصمة، ودواعي الرحمة، والمقيمات على سبل الهداية، والمنجيات من أعقاب الغواية، وأنفع ما قدّم من زاد، وأحصن ما ادّخر من عتاد. فمن أصلح سجاياه، وجعل لهنّ سرّه ونجواه، أتمّ الله عليه نعمته، وكفاه عاجلته، وقد أدّب الله بهنّ أمير المؤمنين، وفرضهنّ على العالمين، فقال جلّ من قائل (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
(آل عمران:).
وأمره أن يكثر تلاوة القرآن، والاستنارة بما فيه من البيان، وأن يصرف إليه فكره، ويشغل به قلبه، ويكرّره اعتبارا وتذكرا، ويتأمّله استدلالا وتدبّرا، وأن يملّكه عنانه وزمامه، ويجري عليه نقضه وإبرامه، ويتصرّف معه في ما أحبّه وكرهه، ويطيع أمره في ما سرّه وساءه، فانه حجّة الله وعهده، ووعده ووعيده، وبرهانه الباهر، ودليله القاهر، وسبيله الوسط، وطريقه الجدد، والمؤدّي إلى رحمته وثوابه، والمنجي من سطوته وعقابه. قال الله ﷿ (وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)
(فصلت:).
وأمره أن يبرز للرعية، ويحملهم على حكم السّويّة، ويفتح لهم بابه، ويرفع عنهم حجابه، ويجعل لهم مجالس للحكم في المساجد الجامعة، والمواضع الضاحية، بحيث يصل إليه القويّ والضعيف، ويبلغه الدنيّ والشّريف، وإذا أفضى إليه الخصمان عدل بينهما في لحظه ولفظه، وسوّى تقاسمهما في قوله
وفعله، حتى لا يتسلّط الهوى على حكمه، ولا يعترض الميل دون عدله، وأن يبسط للمتظلّمين وجهه، ويوطّىء لهم كنفه، ويبذل لهم بشره، ويرعيهم سمعه، ويمكّنهم من استقصاء حججهم، والابانة عن حقوقهم، وأن لا يخلو بأحد من الخصماء دون صاحبه، ولا يمنعه ما يعطيه خصمه. قال الله جلّ ذكره (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ)
(ص:).
وأمره أن يحضر الخصوم خاطره، ويجمع لهم رأيه، ويصرف إليهم باله، ويفرّغ لأحكامهم ذهنه، فاذا ترافعوا إليه في خصومة طلب حكمها في نصّ الكتاب، أو ثبت السنّة وإجماع المسلمين واجتهاد الرأي، فان تلك وجوه النظر في الحكم وطريق إصابة الحقّ، ومن أخذ بالقرآن اهتدى، ومن اتبع السنة نجا، ومن تمسك بالاجماع سلم، ومن بذل الوسع أعذر. قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً)
(النساء:).
منه: هذا عهد أمير المؤمنين إليك، والحجة لك وعليك، قد أعذر أمير المؤمنين فيه وأنذر، وبصّر وحذّر، ولم يألك وعظا، ولم يدّخرك حظا، وأقامك على سبيل القصد، وبذل في تسديدك غاية الجهد، وظنّه بك الاصغاء إلى التذكّر، والاقتداء بالتبصّر، والعمل في ولايتك لآخرتك، والأخذ من عاجلتك لآجلتك. فكن عند ظن أمير المؤمنين بك، وقف عند مخيلته فيك، واجعل عهده إماما تقتفيه، ومثالا تحتذيه، وناج بوصيّته نفسك، واعمر بتأديبه قلبك، وأنه إليه أخبارك، واعرض عليه آثارك، واستدلله على ما يعضلك واسترشده
إلى ما يشكل عليك ليرشدك، ويرد عليك من ثاقب رأيه، وصائب أنحائه، ما يرشد به سعيك، ويفوز به قدحك. وثق بالله أولا وآخرا، وتوكّل عليه باطنا وظاهرا، واستكفه المهمّ يكفك، واستوهبه السداد يهدك، واسترشده الصواب يرشدك، واشكر نعمه يزدك.
كتاب عن المقتدر بتقليد حامد بن العباس الوزارة: أما بعد فإنّ أحمد الأمور ما رجّي صلاحه ومنفعته، وخير التدبير ما رجّي سداده وإصابته، وأولى الأعمال ما وصل إلى الكافّة يمنه وبركته، وأفضل الولاة من كان العدل هجّيراه وسجيّته، واصلح الأعوان من كان اتباع الحقّ سبيله وعادته. وإنّ الله قد جعل أمير المؤمنين، منذ قلّده أمر المسلمين، متحريا للصلاح في ما يأتي ويذر، متوخّيا للصواب في ما بطن وظهر. وأنكر من عليّ بن محمد بن الفرات أمورا رأى معها صرفه والاستبدال به، وإقامة من هو أرضى منه عنده، فصعّد وصوّب في من بحضرته من كتّابه، وبحث وسأل عن أكفى من على بابه، فاجتمعت أقوال خاصّته ونصحائه، وشهادات ثقاته وأوليائه، على أن حامد بن العباس من لا تخالجهم الشكوك في فضل ورعه وديانته، وكمال أدبه وبراعته، ونبل قدره وهمته، وعزّة نفسه وسجيته، وخفّة وطأته على رعيته، وشمول عدله ونصفته، وأنه لم يزل منذ تصرّف في الأعمال، متقدما على أكفائه من الرجال؛ لم يسع منذ اكتهل في أمور الدنيا لمباهاة ولا مكاثرة، ولم يحرص عليها لمساواة ولا مفاخرة، ولم يردها لزيادة في نشب ولا ثروة، ولم يخترها لانبساط يد بانتقام ولا سطوة؛ لا يمنع الفضل إذا أرشده الحقّ إليه، ولا يؤخّر الحزم إذا
دلّه الرأي عليه. وانضاف ذلك- وهو قول لم يدخله هوى، ووصف لم يشبه بزلل ولا دعوى- إلى ما يعلمه منه ويحمده له ويرتضيه من سالف نصحه، وقديم خدمته، فأقدمه إلى حضرته، وتلقّاه ببشره وكرامته، وقلّده تدبير وزارته، وسربله سربال ثقته، وفوّض إليه سياسة خاصّته وعامّته، واعتمد عليه في تدبير ملكه ودولته، وردّ إليه الدواوين كلّها، وحمّله أوقها وثقلها، عالما باضطلاعه بها، ساكنا إلى ركونه لها، واثقا بأنه لا يزول عما يحمد، ولا يحول عما يعهد، في جهد نفسه ومرتبته، وبذل وسعه وطاقته، في نصيحة أمير المؤمنين، أدام الله سلطانه، ومن وراء بابه من المسلمين. فأعلمك بما تجدّد لحامد بن العباس عنده من المحلّ والمنزلة، وتوكّد لديه من الموضع والمرتبة، لتعرف حقّه وتطيع أمره، وتجريه على أفضل رسوم أمثاله، وأكمل سنن أشكاله، وان كان عبدا لأمير المؤمنين معدوم الشّبه والمثل، والنظير والعدل، وأن تمتثل كتبه إذا وردت عليك، وترتسم ما يصدره إليك عن أمير المؤمنين اذ كان السفير بينه وبينك، ومن لا معدل لك في كلّ الأمور عنه. فاعلم ذلك واعمل به، إن شاء الله تعالى. وكتب حامد بن العباس.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع