من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
وصية قيس بن عاصم لابنه
- أوصى قيس بن عاصم بنيه فقال: يا بنيّ، خذوا عنّي فلا أحد أنصح لكم مني. إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم فسوّدوا أكبركم فان القوم اذا سودوا أكبرهم اخلفوا آباءهم، ولا تسوّدوا أصغركم فان القوم إذا سوّدوا أصغرهم أزرى ذلك بهم في أكفائهم. وإياكم ومعصية الله تعالى وقطيعة الرحم.
وتمسّكوا بطاعة أمرائكم: فانهم من رفعوا ارتفع، ومن وضعوا اتّضع. وعليكم بهذا المال فأصلحوه، فانه منبهة للكريم واستغناء عن اللئيم. وإياكم والمسألة فانها أخر كسب الرّجل، وإن أحدا لم يسأل إلا ترك كسبه. وإياكم والنياحة فاني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها. وادفنوني في ثيابي التي كنت أصلّي فيها وأصوم. ولا تعلم بكر بن وائل بمدفني فاني كنت أغتالهم في الجاهلية وبيننا وبينهم خماشات فأخاف أن يدخلوها عليكم فيعيبوا عليكم دينكم. وخذوا بثلاث خصال: اياكم وكلّ عرق لئيم أن تلابسوه، فانه مهما يسرّكم يوما فسوف يسوءكم يوما، واكظموا الغيظ، واحذروا بنيّ أعداء آبائكم فانهم على منهاج آبائهم لابائكم. وقال:
أحيا الضغائن آباء لنا هلكوافلن تبيد وللآباء أبناء
قال الكلبي: فنحل هذا البيت سابقا البربري، وقيس أول من قاله.
- أوصى العباس بن محمد معلّم ولده فقال: قد كفيتك أعراقهم فاكفني آدابهم. لا أوتينّ فيهم منك فانك لم تؤت فيهم منّي: اغذهم بالحكمة فانها ربيع القلوب، وعلّمهم النسب والخبر فانه علم الملوك، وأيّدهم بكتاب الله تعالى فانه قد خصّهم ذكره، وعمّهم رشده. وكفى بالمرء جهلا أن يجهل فضلا عنه أخذ. وخذهم بالإعراب فانه مدرجة البيان، وفقّههم في الحلال والحرام فانه حارس من أن يظلموا ومانع من أن يظلموا.
- وقال الرشيد وقد سمع أولاده يتعاطون الغريب في محاورتهم، ويجنحون إلى الغليظ من الكلام: لا تحملوا ألسنتكم على وحشيّ الكلام، ولا تعوّدوها المستشنع ولا المتصنّع، فان العادة ألزم من الطّبع. واعتمدوا سهولة الكلام من غير استكراه ولا مؤونة تكلّف. سيد الكلام ما ارتفع عن طبقة العامّة، وانخفض عن درجة المتشدّقين، وخالف سبل المغرقين. فليكن كلامكم قصدا وألفاظكم عددا، فان الاكثار يمحق البيان، ومن قبله تحدث الآفة على اللسان. وتحاموا الأنس بالسلطان، وكلّما رفع دونكم سترا من الحشمة فاحتجبوا عنه بستر من الإعظام، وكونوا اشدّ ما يكون لكم بسطا أشدّ ما تكونون له هيبة. ثم تمثّل بأبيات الخطفى جدّ جرير:
عجبت لازراء العييّ بنفسهوصمت الذي قد كان بالنطق أعلما
وفي الصمت ستر للغبيّ وإنماصحيفة لبّ المرء أن يتكلما
ومن لا يصب قصد الكلام لسانهوصاحبه الاكثار كان مذمّما
إذا نلت إنسيّ المقالة فليكنبه ظهر وحشيّ الكلام محرما
وإن اكثر السلطان أنسك فاحترزولا تفغرن إلا بهيبته فما
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع