من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
وصية الحارث بن كعب
- أوصى الحارث بن كعب بنيه فقال: يا بنيّ، قد أتت عليّ مائة وستون سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلّة فاجر، ولا بحت لصديق بسرّ، ولا طرحت عندي مومسة قناعا، ولا بقي على دين عيسى ابن مريم أحد من العرب غيري وغير تميم بن مر، وأسد بن خزيمة. فموتوا على شريعتي، واحفظوا وصيّتي، وإلهكم فاتقوا يكفكم المهمّ من أمركم ويصلح لكم أعمالكم، وإياكم ومعصيته لا يحلّ بكم الدمار وتوحش منكم الديار.
(في بعض الروايات: شعيب النبي ﷺ وهو الأولى، فان النصارى في العرب كثير، وبنو الحارث بن كعب كلّهم نصارى).
يا بنيّ: كونوا جميعا ولا تفرّقوا فتكونوا شيعا، وإنّ موتا في عزّ خير من حياة في ذلّ وعجز. وكلّ ما هو كائن كائن. وكلّ جمع الى تباب. الدهر ضربان: فضرب رخاء وضرب بلاء. واليوم يومان: فيوم حبرة ويوم عبرة.
والناس رجلان: فرجل لك ورجل عليك. زوّجوا النساء من الأكفاء، وليستعملن في طيبهنّ الماء، وتجنبوا الحمقاء فانّ ولدها إلى أفن ما يكون؛ ألا إنّه لا راحة لقاطع القرابة. وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم؛ وآفة العدد اختلاف
الكلمة، والتفضل بالحسنة يقي السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها، والعمل بالسوء يزيل النّعماء، وقطيعة الرّحم تورث الهمّ، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، ويمحق العدد، ويخرّب البلد، والنصيحة تجرّ الفضيحة، والحقد يمنع الرفد، ولزوم الخطيّة يعقب البلية، وسوء الرعة يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين. ثم أنشأ يقول:
أكلت شبابي فأفنيتهوأنضيت بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهمفبادوا وأصبحت شيخا كبيرا
قليل الطعام حسير القيام قد ترك الدهر خطوي قصيرا
- أوصى سعد العشيرة بنيه عند موته فقال: إياكم وما يدعو إلى الاعتذار، ودعوا قذف المحصنات لتسلم لكم الأمّهات. وإياكم والبغي، ودعوا المراء والخصام تهبكم العشائر، وجودوا بالأموال تنم أموالكم، وإياكم ونكاح الورهاء فانها أدوى الداء. وأبعدوا من جار السوء داركم. ودعوا الضغائن فانها تدعو إلى التقاطع.
- أوصى أبو الأسود ابنه فقال: يا بنيّ، إذا جلست إلى قوم فلا تتكلم بما هو فوقك فيمقتوك، ولا بما هو دونك فيزدروك. وإذا وسّع الله عليك فابسط يديك، وإذا أمسك عليك فأمسك. ولا تجاود الله تعالى فان الله أجود منك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع