تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الوصايا في القرآن والحديث

أما وصية الوفاة فقد ندب إليها، قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)

(البقرة:). وجاء في الأثر: من مات من غير وصيّة مات ميتة جاهليّة. وأنا ذاكر منها ما تعلّق به أثر أو تضّمن أدبا وحكمة أو بيانا وبلاغة؛ وما خرج عن ذلك فلا فائدة تحته.

وأما وصايا التأديب والارشاد ففي الكتاب العزيز منها الجمّ الغزير، فممّا جاء بلفظ الوصية قوله تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)

(النساء:) وقوله ﷿: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً)

(العنكبوت:) وقوله ﷿ (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

(الانعام:

).

وما جاء بغير لفظ الوصية وهو في معناها فكثير، ليس هذا موضعا يقتضيه.

وخطبة الوداع هي في معنى الوصيّة من الرسول ﷺ، وقد كتبت في موضعها.

ووصاياه لأصحابه وأمّته المرشدة لهم والموقظة لغافلهم والدالة على حدود شريعته أكثر من أن تحصى، وأشير هنا إلى شيء منها قياما بشرط هذا الكتاب، والله الموفق للهداية والصواب.

- قال أبو ذر: أوصاني خليلي ﷺ بسبع: حبّ المساكين والدنوّ منهم، وأن أنظر إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أصل رحمي وإن جفاني، وأن أتكلم بمرّ الحق، وأن لا أخاف في الله لومة لائم، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، [وأن لا أسأل الناس شيئا].

- وقال أبو ذر أيضا: أتيت النبيّ ﷺ وهو في المسجد فجلست إليه واغتنمت خلوته فقال: يا أبا ذرّ، إن للمسجد تحية وتحيته ركعتان، فلما صلّيت قلت: يا نبيّ الله، إنك أمرتني بالصلاة، فما الصلاة؟ قال: خير موضوع فاستكثر أو استقلّ، قلت: فأيّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله. قلت: أيّ المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: أحسنهم خلقا. قلت: فأيّ المسلمين أسلم ؟ قال: من سلم الناس من لسانه ويده. قلت: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: من هجر السيئات. قلت: فأيّ الليل أفضل؟ قال: جوف الليل الغابر. قلت: فأيّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قلت: فأيّ الصدقة

أفضل؟ قال: جهد من مقلّ يمشي به الى فقير. قلت: يا نبيّ الله، فما الصيام؟

قال: قرض مجزيّ وعند الله أضعاف كثيرة. قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال:

من عقر جواده وأهريق دمه. قلت: فأيّ آية أنزلت عليك أعظم؟ قال: آية من عقر جواده وأهريق دمه. قلت: فأيّ آية أنزلت عليك أعظم؟ قال: آية الكرسيّ. قلت: يا نبيّ الله، كم كتاب أنزله الله؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة [وعلى ادريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة] وأنزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان. قلت:

فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالا كلها، وكان فيها: قد أفلح من تزكّى. وذكر اسمّ ربّه فصلّى. بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى.

وفيها: لا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى. وأنّ سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى إلى آخر السورة. وفيها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فاني لا أردّها ولو كانت من كافر. وفيها: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يتفكّر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب.

وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلّا في ثلاث: تزوّد لمعاد أو مرمّة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شانه، حافظا للسانه. ومن حسب الكلام من عمله أقلّ الكلام إلّا فيما يعنيه. قلت: يا نبي الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرا كلّها: عجبت لمن أيقن [بالنار ثم هو يضحك]، عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلّبها بأهلها ثم يطمئنّ

إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب وهو لا يعمل. قلت: يا نبيّ الله، أوصني.

قال: أوصيك بتقوى الله فانها رأس أمرك. قلت: يا نبيّ الله، زدني. قال:

عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فانه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض.

قلت: يا نبيّ الله، زدني. قال: عليك بالجهاد فانه رهبانية أمتي. قلت: زدني.

قال: عليك بالصمت إلا من خير فانه مطردة للشيطان وعون على أمر دينك.

قلت: زدني. قال: انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك فانه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك. قلت: زدني. قال: صل قرابتك وإن قطعوك. قلت: زدني. قال: لا تخف في الله لومة لائم. قلت: يا نبيّ الله زدني. قال: ليردّك عن الناس ما تعرف من نفسك ولا تجد عليهم في ما يأتي.

ثم ضرب يده على صدري فقال: يا أبا ذرّ لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.