من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
عود إلى أخبار وحكم
استشار المنصور خاصّة أهله وأصحابه في تولية المهديّ السواد وكور دجلة، فاستصوب كلّهم رأيه إلّا أبا العباس الطوسيّ فإنه استخلاه ثم قال له: أرأيت إن سلك المهديّ غير سيرتك، واستعمل التسهيل، كنت ترضى بذلك؟ قال: لا والله، قال فأنت تريد أن تحبّبه إلى الرعية، وتقليدك إياه يبغّضه إليهم، لا سيما ما قرب منك، ولكن تولّي هذه الولاية عيسى بن موسى، وتجعل المهديّ الناظر في ظلامات الناس منه، وتأمره بأخذه بإنصافهم، فضحك منه حتى فحص برجليه.
وروي أنّ الحجاج استعمل عاملا على الفلّوجتين، فلما وردها قال: هل ها هنا دهقان يعاش برأيه؟ فقيل له: جميل بن بصبهرى، فأحضره وشاوره، فقال له جميل: أخبرني أقدمت لرضى ربك، أم لرضى نفسك، أم لرضى من يقلدك ؟ قال: ما استشرتك إلّا لرضى الجميع. قال: فاحفظ عني
خلالا: لا يختلف حكمك في رعيتك. وليكن حكمك على الشريف والوضيع سواء، ولا تتخذنّ حاجبا ليردّ عليك الوارد من أهل عملك على ثقة من الوصول إليك، وأطل الجلوس لأهل عملك يتهيّبك عمّالك، ولا تقبل هدية فإنّ صاحبها لا يرضى بثلاثين ضعفا مثلها، فإذا فعلت ذلك فاسلخ جلودهم من فروعهم إلى أقدامهم. قال: فعملت برأيه فجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم.
- قال الرضيّ:
يعجبني كلّ حازم الرأي لايطمع في قرع سنّه الندم
إن قام خفّت به شمائلهأو غار خفّت بوطئه القدم
ب- وقال:
يغامر بالآراء قبل جيوشهوبيض الظّبا بيض بغير فلول
فإن غنم الجيش المغير وراءهفما غنمه في الحرب غير غلول
- وقال محمد بن هانىء:
وكلّ أناة في المواطن سؤددولا كأناة من قدير محكّم
وما الرأي إلّا بعد طول تثبّتولا الحزم إلّا بعد طول تلوّم
ومن الآراء الصائبة ما رآه عبد الملك بن مروان لما نفى ابن الزبير بني أمية؛ قيل: لما خلع عبد الله بن الزبير يزيد بن معاوية همّ بقتل بني أمية الذين بالحجاز، فشاور في ذلك إخوته المنذر وعروة ومصعبا فأشار به عليه المنذر
وخالفه عروة ومصعب، وقالا له: انفهم عن المدينة وإلّا أفسدوا أمرك بها، فكتب بنفيهم، وورد كتابه بذلك وعبد الملك مجدور، ففزغ مروان إلى رأي ابنه عبد الملك، وكان منذ كان غلاما مجتمع الرأي حازما صليبا، فقال له: بادر بالخروج قال: فإني قد استنظرتهم فأجّلوني أياما، قال: لا تفعل، فإنّ هذا رأي تفرّد به أو شاور فيه من إخوته من اختلفت آراؤهم فيه عليه، ولو شاور كهول أصحابه لأشاروا عليه بقتلنا، وأعلموه أنّا إن خرجنا إلى الشام جررنا عليه شرّا، فاهتبل هذا الأمر وانج قبل أن تندم، فقال له: وكيف أصنع وأنت مجدور؟
قال: إنه لا بأس عليّ. فساروا وحمل عبد الملك في هودج، واحتثّوا في المسير فلم يحلّوا عقدة حتى نزلوا شبيكة الدوم. ثم شاور ابن الزبير أصحابه الكهول مثل ابن مطيع وابن صفوان ونظرائهم، فعجّزوه وفيّلوا رأيه فيما صنع، وقالوا له: أدرك القوم، فو الله لئن وصلوا إلى الشام ليرجعنّ إليك في الجيوش. فكتب إلى عامله عبد الرحمن بن حنظلة الغسيل الأنصاري: أقرر بني أمية ولا تهج منهم أحدا، فكتب إليه ابن حنظلة بخبرهم وشخوصهم.
- وقال إبراهيم بن العباس في وصف الرأي:
يمضي الأمور على بديهتهوتريه فكرته عواقبها
فيظلّ يصدرها ويوردهافيعمّ حاضرها وغائبها
وإذا الحروب غلت بعثت لهارأيا تفلّ به كتائبها
رأيا إذا نبت السيوف مضىقدما بها فسقى مضاربها
قال معن بن زائدة: كنا في الصحابة سبعمائة رجل، فكنّا ندخل على المنصور في كلّ يوم، فقلت للربيع: اجعلني في آخر من يدخل عليه، فقال لي: لست بأشرفهم فتكون في أوّلهم ولست بأخسّهم نسبا فتكون في آخرهم، وإنّ مرتبتك لتشبه نسبك. فدخلت على المنصور ذات يوم وعليّ درّاعة فضفاضة وسيف حتفيّ أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد سدلتها من قدّامي ومن خلفي، فسلّمت عليه وخرجت، فلما صرت عند الستر صاح بي: يا معن، صيحة أنكرتها فلبّيتها، فقال: إليّ، فدنوت منه فإذا به قد نزل عن فرشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستلّ عمودا من بين فراشين، واستحال لونه، ودرّت أوداجه وقال: إنك لصاحبي يوم واسط لا نجوت إن نجوت منّي. قال، قلت: يا أمير المؤمنين، تلك نصرتي لباطلهم فكيف نصرتي لحقّك؟ فقال: كيف قلت؟ فأعدت عليه القول، فما زال يستعيدني حتى ردّ العمود إلى مستقرّه واستوى متربّعا وأسفر لونه وقال: يا معن إنّ باليمن هنات، قلت: يا أمير المؤمنين ليس لمكتوم رأي، وهو أول من أرسلها مثلا، فقال: أنت صاحبي فاجلس، قال: فجلست، وأمر الربيع فأخرج كلّ من كان في الدار، وخرج الربيع. فقال لي: إنّ صاحب اليمن قد همّ بالمعصية، وأريد أن آخذه أسيرا، ولا يفوتني شيء من ماله. قال، قلت:
ولّني اليمن وأظهر أنّك قد ضممتني إليه، ومر الربيع أن يزيح علّتي في كلّ ما أحتاج إليه، ويخرجني في يومي هذا لئلّا ينتشر الخبر. قال: فاستلّ عهدا من
بين فراشين، فوقّع اسمي فيه وناولنيه، ثم دعا الربيع فقال: يا ربيع إنّا قد ضممنا معنا إلى صاحب اليمن فأزح علّته في ما يحتاج إليه من السلاح والكراع، ولا يمس إلّا وهو راحل. قال: ثم ودّعني فودعته وخرجت إلى الدهليز. فلقيني أبو الوالي فقال: يا معن أعزز عليّ بأن تضمّ إلى ابن أخيك.
قال فقلت: إنه لا غضاضة على الرجل بأن يضمّه سلطانه إلى ابن أخيه.
وخرجت إلى اليمن فأتيت الرجل فأخذته أسيرا، وقرأت عليه العهد، وقعدت في مجلسه.
- استأذن زياد معاوية في الحجّ فأذن له، وبلغ ذلك أبا بكرة، وكان أخاه من أمّه، أمّهما سميّة، وكان حلف أن لا يكلّم زيادا حيث رجع عن الشهادة على المغيرة، وأن لا يظلّه وإياه سقف بيت أبدا. فدخل أبو بكرة دار الإمارة على زياد، فأمر زياد بكرسيين فوضعا في صحن القصر ليمينه، فجلس أبو بكرة على أحدهما وزياد على الآخر، ومع زياد بنيّ له حيث مشى. فقال أبو بكرة لابنه:
تعال يا ابن أخي، فجاء الصبيّ فجلس في حجره، فقال له: كيف أنت؟ كيف أهلك؟ اسمع منّي يا ابن أخي، وإنما يريد أن يسمع زيادا: إنّ أباك هذا أحمق، فجر في الإسلام ثلاث فجرات ما سمعنا بمثلهنّ. أما أوّلهنّ فجحوده الشهادة على المغيرة، والله يعلم أنه قد رأى ما قد رأينا فكتم، وقد قال الله تعالى (وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)
(البقرة:) فحلفت ألّا أكلمه أبدا؛ وأما الأخرى فانتفاوه من عبيد وادعاوه إلى أبي سفيان، وأقسم لك يا ابن أخي صادقا ما رأى أبو سفيان سمية قطّ في ليل ولا نهار، ولا جاهلية ولا إسلام؛ وأما الثالثة فأعظمهنّ: إنّه يريد أن يوافي العام الموسم، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ تأتي الموسم كلّ
عام، فإن هو أتاها فأذنت له كما تأذن الأخت لأخيها فأعظم بها مصيبة على رسول الله ﷺ، وإن هي حجبته فأعظم بها حجّة عليه. ثم نهض، فقام زياد في أثره وأخذ بقميصه وقال: جزاك الله من أخ خيرا فما تركت النصيحة لأخيك على حال، وترك الحجّ.
- قال الحسين بن الضحاك: كنت عازما على أن أرثي الأمين بلساني كلّه، وأشفي لوعتي، فلقيني أبو العتاهية فقال لي: يا حسين، أنا إليك مائل، ولك محبّ، وقد علمت مكانك من الأمين، وأنت حقيق بأن ترثيه، إلّا أنك قد أطلقت لسانك في التلهّف عليه والتوجّع له بما صار هجاء لغيره وثلبا له وتحريضا عليه، وهذا المأمون منصبّا إلى العراق قد أقبل إليك، فأبق على نفسك. ويحك يا حسين أتجسر على أن تقول:
تركوا حريم أبيهم نفلاوالمحصنات صوارخ هتف
هيهات بعدك أن يدوم لهمعزّ وأن يبقى لهم شرف
اكفف غرب لسانك، واطو ما قد انتشر عنك، وتلاف ما فرط منك.
فعلمت أنه قد نصح لي فجزيته الخير، وقطعت القول، فنجوت برأيه، وما كدت أن أنجو.
- قال المثقب العبدي:
إذا ما تدبّرت الأمور تبيّنتعيانا صحيحات الأمور وعورها
- وقال أبو زبيد:
عليك برأس الأمر قبل انتشارهوشرّ الأمور الأعسر المتدبّر
- وقال حصين بن منذر الرقاشي:
أمرتك أمرا حازما فعصيتنيفأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فما أنا بالباكي عليك صبابةوما أنا بالداعي لترجع سالما
- وقال المتلمس الضبعي:
عصاني فلم يلق الرشاد وإنماتبيّن من أمر الغويّ عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر آلةتمجّ نجيع الجوف منها ترائبه
- وقال زهير بن كلحبة اليربوعي:
أمرتكم أمري بمنعرج اللّوىولا أمر للمعصيّ إلّا مضيّعا
فلما رأوا غبّ الذي قد أمرتهمتأسّف من لم يمس للأمر أطوعا
قالت الحكماء: العاقل يستشير عارضا للآراء على رأيه، وقائسا بعضها ببعض، حتى يقع اختياره على أسدّها وأولاها بالصواب طريقا، والجاهل يستشير مترددا في أمره، لا يزداد بما يسمع من الآراء إلّا حيرة وشعاع قلب، وتفييل رأي، حتى ينزل به المحذور ويلحقه المكروه.
وقال لقمان لابنه: يا بنيّ إذا استشهدت فاشهد، وإذا استعنت فأعن، وإذا استشرت فلا تعجل حتى تنظر، فإنّ العاقل يرى بعين قلبه ما لا يرى بعينيه.
- وقال عليّ بن الحسين: الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته.
قال رجل: أريد أن أشاور غير كاتبي هذا. فبلغ الكاتب فقال له:
أعزّك الله، إنّ المستشار لا ينصح نصيحة المستكفي.
- وقال أبو الطمحان القيني:
بنيّ إذا ما سامك الذلّ قاهرعزيز فبعض الذلّ أبقى وأحرز
ولا تخز من بعض الأمور تعزّزافقد يورث الذلّ الطويل التعزّز
ويرويان لعبد الله بن معاوية الجعفري.
ولأبي الطمحان في مثله:
يا ربّ مظلمة يوما لطيت بهاتمضي عليّ إذا ما غاب أنصاري
حتى إذا ما انجلت عنّي غياهبهاوثبت فيها وثوب المخدر الضاري
- وقريب من معنى البيتين الأولين، وقد تقدّم هذا البيت في الباب الثاني:
أهين لهم نفسي لأكرمها بهمولا يكرم النفس الذي لا يهينها
- شاور أعرابيّ ابن عمّ له، فأشار عليه برأي فقال: قد قلت بما يقول به الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمرّه، وحزنه بسهله، ويحرّك الاسعاف منه ما هو ساكن من غيره، وقد وعيت النصح منه وقبلته إذ كان مصدره من عند من لا شكّ في مودّته وصافي غيبه، وما زلت بحمد الله إلى الخير منهجا واضحا وطريقا مهيعا.
أراد عمر بن عبد العزيز أن يذكر بني أمية وجورهم وإفسادهم ويلعن الظالمين منهم، فشاور في ذلك جماعة من أهل العلم، منهم ميمون بن مهران، فقال له ميمون: يا أمير المؤمنين إنّ القول فتنة فعليك بالعمل.
- قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: إذا استخار العبد ربّه، وشاور نصيحه، واجتهد رأيه، فقد قضى الذي عليه لنفسه، ويقضي الله في أمره ما أحبّ.
- قال عبد الله بن الحسن بن الحسن لابنه محمد أو إبراهيم: يا بنيّ إنني مؤدّ حقّ الله في تأديبك، فأدّ إليّ حقّ الله في الاستماع. أي بنيّ كفّ الأذى، وأفض النّدى، واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك نفسك إلى القول، فإنّ للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصواب. واحذر مشاورة الجاهل، وإن كان ناصحا، كما تحذر مشاورة العاقل إذا كان غاشّا، لأنه يورّطك بمشورته، ويسبق إليك مكر العاقل والاغترار بالجاهل. واعلم يا بنيّ أنّ رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبدّ برأيك، فإنه حينئذ هواك. ولا تفعل فعلا إلا وأنت على يقين أنّ عاقبته لا ترديك وأنّ نتيجته لا تجني عليك.
قال حكيم: صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور. والحزم في الرأي سلامة من التفريط، وداعية إلى الظفر. والتدبر والتفكّر يبحثان عن الفطنة ويكشفان الحزم. ومشاورة الحكماء بيان لليقين وقوة للبصيرة، ففكّر قبل أن تعزم، واعرض قبل أن تصرم، وتدبّر قبل أن تهجم، وشاور قبل أن تندم،
ولا تغفل ما أفادتك التجارب فإنها عقل ثان، ودليل هاد، وأدب مستفاد.
واذكر ما مضى من عمرك بما بقي منه، وافهم عن الأيام إخبارها، فقد أوضحت لك آثارها، واتعظ بما وعظك منها، وتأمّلها تأمّل ذي الفكرة فيها، فإنّ الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة، وتكشف لك عن خفيّات الأمور.
قال أعرابيّ لأخ له: اعلم أنّ الناصح لك، المشفق عليك، من طالع لك ما وراء العواقب بنظره ورويّته، ومثّل لك الأحوال المخوفة عليك، وخلط الوعر بالسّهل من كلامه ومشورته، ليكون خوفك كفاء رجائك، وشكرك إزاء النعمة عليك. وإنّ الغاشّ لك، والحاطب عليك، من مدّ لك في الاغترار، ووطّأ لك مهاد الظلم، تابعا لمرضاتك منقادا لهواك.
- المتنبي:
إنّما تنجح المقالة في المرءإذا وافقت هوى في الفؤاد
- أراد نوح بن أبي مريم قاضي مرو الروذ أن يزوّج ابنته، فاستشار جارا له مجوسيا، فقال: سبحان الله، الناس يستفتونك وأنت تستفتيني؟ قال:
لا بدّ أن تشير عليّ، قال: إنّ رئيسنا كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال، ورئيس العرب كان يختار النسب، ورئيسكم محمد كان يختار الدين، فانظر أنت لنفسك بمن تقتدي.
بعض أعراب بني أسد:
من الناس من إن يستشرك فتجتهدله الرأي يستغششك ما لم تتابعه
فلا تمنحنّ النصح من ليس أهلهفلا أنت محمود ولا الرأي نافعه
أراد عمرو بن مسعدة الركوب إلى دار المأمون في جبّة وشي ظاهرة، فقال له إبراهيم بن نوح: لا تفعل، فقال عمرو: أتنكر لمثلي وغلّتي في الشهر كذا؟ قال: إنّ غلّتك مسموعة، وجبّتك ملحوظة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع