من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
وصايا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي
- وفي ما وصّى به ﵇ عائشة ﵂: إياك ومحقّرات الذنوب فان لها من الله طالبا.
- وصية أبي بكر عتيق بن أبى قحافة ﵁: هذا ما عهد أبو
بكر خليفة محمد ﷺ عند آخر عهده بالدنيا، وأوّل عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتّقي فيها الفاجر: إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فان برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكلّ امرىء ما اكتسب (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
(الشعراء:).
- ولما احتضر قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا عمر، إن لله تعالى حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل، وإن الله ﷿ لا يقبل نافلة حتى تؤدّى فريضة. فكن مؤمنا راغبا راهبا، ولا ترغبنّ رغبة تمنّى على الله فيها ما ليس لك، ولا ترهبنّ رهبة تلقي بها يديك إلى التهلكة. ثم قال: إنّ أوّل ما أحذّرك نفسك وهؤلاء الرهط من المهاجرين والأنصار فانهم قد انتفخت أوداجهم، وطمحت أبصارهم، وتمنّى كلّ امرىء منهم لنفسه، وان لهم نحيرة ينحرونها عن زلّة منه ومنهم، فلا تكوننّها، فانهم لم يزالوا منك فرقين ما فرقت من الله ﷿، في ما بين ذلك.
- وصية عمر بن الخطاب ﵁: لما طعن قيل له استخلف
فأبى أن يسمّي رجلا بعينه وقال: عليكم بهؤلاء الرهط الذين توفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: عليّ وعثمان ابني عبد مناف، وعبد الرحمن بن عوف وسعد، خالي رسول الله ﷺ، والزبير بن العوام حواريّه وابن عمته، وطلحة الخير، فلتختاروا رجلا منهم، ويتشاوروا لثلاثة أيام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتي اليوم الثالث إلّا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا ولا شيء له من الأمر؛ وطلحة شريككم، فان قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم.
- وقال لأبي طلحة الأنصاري: إنّ الله أعزّ الاسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الأنصار فاستحثّ هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا. وقال:
إن اجتمع خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وان اتفق أربعة فرضوا واحدا منهم وأبى اثنان فاضرب رءوسهما، وإن رضي ثلاثة منهم رجلا وثلاثة منهم رجلا فحكّموا عبد الله بن عمر، فبأيّ الفريقين حكم فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس.
فأما عثمان بن عفان ﵁ فلم تدوّن وصية عند الموت وقتل محصورا، مشغولا عن نفسه، ممنوعا من النظر لها وللأمة من بعده.
وأما عليّ بن أبي طالب ﵇ فله وصية طويلة مشهورة إلى ابنه الحسن، وفيها حكم وآداب قد ضمنّت هذا الكتاب بعضها في أماكن منه متفرقة.
وله وصية كتبها إلى ابنه محمد بن الحنفية: أن تفقّه في الدين وعوّد نفسك الصّبر على المكروه، وكل نفسك في أمورك كلّها إلى الله، فانك تكلها إلى كاف حريز ومانع عزيز. وأخلص المسالة لربّك فانّ في يده العطاء والحرمان،
وأكثر الاستخارة لله والاستنجاد به. واعلم أنّ من كان مطيّته الليل والنهار يسار به وإن كان لا يسير، وأن الله تعالى قد أبى إلّا خراب الدنيا وعمارة الآخرة، فان تزهد فيها زهدك كلّه فلعلّ ذلك يقيك. وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك، فانك في ديوان من كان قبلك، فأكرم نفسك عن كلّ دنيّة، وإياك إن ساقتك إلى رغب فانك لن تعتاض بما ابتذلت من نفسك. واياك أن توجف بك مطايا الطمع وتقول: متى ما أؤخره يذهب، فان هذا أهلك من هلك قبلك، وأمسك عليك لسانك، فان تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراك ما فات من نطقك. واحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء، فحسن التدبير مع الاقتصاد أكفى لك من الكثير مع الغناء، والعفّة مع الحرفة خير من السرور مع الفجور. والمرء أحفظ لسرّه. وربّ ساع في ما يكره. وإياك والاتّكال على الأماني فانها بضائع النّوكى وتثبيط عن الآخرة والأولى. ومن خير حظّ قرين صالح، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشرّ تبن منهم. ولا يغلب عليك سوء الظنّ فانه لا يدع بينك وبين خليل صلحا.
أذك قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب، واعلم أن كفر النعمة لؤم، وصحبة الأحمق شؤم، ومن الكرم منع الحرم. ومن حلم ساد، ومن تفّهم ازداد.
امحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة، ولا تصرمه على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب. وليس جزاء من يسرّك أن تسوءه.
الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك وان لم تأته أتاك. واعلم يا بنيّ أن ما لك من دنياك إلا ما أصلحت به مثواك، فأنفق من خيرك، ولا تكن خازنا لغيرك. وإن جزعت على ما تفلّت من يدك، فاجزع على ما لم يصل إليك. وربما أخطأ البصير قصده، وأبصر الأعمى رشده. لم يهلك امرؤ اقتصد، ولم يفتقر من زهد.
من ائتمن الزمان خانه، ومن تعظّم عليه أهانه. ورأس الدين اليقين؛ وتمام
الإخلاص اجتناب المعاصي. وخير المقال ما يصدّقه الفعال. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار. واحمل لصديقك عليك، واقبل من اعتذر إليك.
وأخّر الشرّ ما استطعت فانك اذا شئت تعجّلته. ولا تكوننّ على قطيعته أقوى منك على صلته، وعلى الاساءة أقوى منك على الاحسان.
لا تملّكنّ المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فان المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، فان ذلك أصلح لحالها. واغضض بصرها بسترك، واكففها بحجابك.
وأكرم الذين بهم تصول، فاذا تطاولت فبهم تطول.
أسأل الله أن يلهمك الرشد، ويقوّيك على العمل بكلّ جميل، ويصرف عنك كلّ محذور برحمته، والسلام عليك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع