تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

وصايا متفرقة

- أوصى زيد بن عليّ ابنه فقال: يا بنيّ، إنّ الله تعالى لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرنيك؛ واعلم أنّ خير الآباء للأبناء من لم تدعه المودة إلى التفريط، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق.

- أوصى عبد الله بن الحسن ابنه محمدا لما أراد أن يستتر فقال: يا بنيّ اني مؤدّ إليك حقّ الله تعالى في تأديبك ونصيحتك، فأدّ إليّ حقّه في الاستماع والقبول: يا بني، كفّ من الأذى، وأفض الندى، واستعن على السلامة بطول

الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها، فان الصمت حسن.

وللمرء ساعات يضرّه فيها خطؤه ولا ينفعه فيها صوابه. واعلم أنّ من أعظم الخطأ العجلة قبل الإمكان، والأناة بعد الفرصة. يا بنيّ، احذر [مشورة] الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان لك عدوا، فيوشك الجاهل أن يورطك بمشورته في بعض اغترارك فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل. وإياك ومعاداة الرجال فانه لا يعدمك منها مكر حليم ومباراة جاهل.

- قال بعضهم لابنه: كن جوادا بالمال في موضع الحقّ، ضنينا بالأسرار عن جميع الخلق، فان أحمد جود المرء الانفاق في وجه البرّ، والبخل بمكتوم السرّ.

- وأوصى بعض الأنصار ابنه فقال: يا بنيّ، إنّي موصيك بوصية إن لم تحفظها كنت خليقا أن لا تحفظها عن غيري. يا بني اتّق الله، وإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فافعل. وإذا عثر عاثر من بني آدم فاحمد الله ألا تكونه. وإياك والطمع فانّه فقر حاضر، وعليك باليأس مما في أيدي الناس، فانك لن تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه. وإياك وما يعتذر منه فانه لا يعتذر من خير. وإذا قمت إلى صلاتك فصلّ صلاة مودّع وأنت ترى أنّك لا تصلّي بعدها ابدا.

لما حضرت سعدا الوفاة دعا ابنه فقال: يا بنيّ: احفظ عني خصالا خمسا: أظهر اليأس مما في أيدي الناس فانه غنى حسن. وإياك وطلب الحاجات إليهم فانه فقر حاضر. وإياك وما يعتذر منه. وكن في اليوم الذي تستقبل خيرا

منك في اليوم الذي خلّفت. وإذا قمت إلى الصلاة فأحسن الوضوء ثم صلّ صلاة المودّع فانه يوشك أن تصلّي صلاة لا تصلّي بعدها. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أشكو إلى الله بعد المفازة وقلّة الزاد. وهذه الوصية مثل التي قبلها إلا ألفاظا يسيرة.

كتب سفيان الثوري إلى عبّاد بن عباد: أما بعد فانّك في زمان كان أصحاب رسول الله ﷺ يتعوّذون أن يدركوه في ما بلغنا، ولهم من العزم ما ليس لنا ولا لك، ولهم من العمل ما ليس لنا ولا لك. فكيف بنا وقد أدركناه على قلّة علم وبصر، وقلّة أعوان على الخير، وكدر من الدنيا، وفساد من الناس؟ فعليك بالعزلة وقلة مخالطتهم فان عمر يقول: إياكم والطمع فانه فقر حاضر، وإن اليأس غنى، وفي العزلة راحة من خليط السّوء. وكان سعيد بن المسيب يقول: العزلة عبادة. وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فقد ذهب ذلك، والنجاة في تركهم فيما ترى. وإياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء. وإياك أن تخدع فيقال: ذلك رجل تشفع فيه تردّه عن مظلوم أو تردّه عن مظلمة، وإنما ذلك خديعة إبليس اتّخذها فخا. وكان يقال: اتقوا فتنة العابد وفتنة العالم فان فيهما فتنة لكلّ أحد. وإياك أن تكون ممن يحبّ أن يعمل بقوله أو يسمع من قوله، فاذا لم تزل كذلك فقد عرفت. وإياك وحبّ الرياسة، فان الرجل تكون الرياسة أحبّ إليه من الذهب والفضة، وهذا باب غامض لا يبصره إلّا البصير من العلماء. واعمل بنية فان الحسن ﵀ كان يقول: رحم الله عبدا وقف عند همّه، فانه ما من عبد يعمل حتى يهمّ، فان كان له مضى، وإن كان عليه أمسك، فان النيّة ليست كلّ ساعة تقع. وان طاووس قيل له: ادع لنا بدعوات فقال: ما أجد الآن لذلك نيّة. وكان حذيفة ﵁ يقول:

يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا بمثل دعاء الغريق. وسئل حذيفة

عن أيّ الفتن أشدّ فقال: أن يعرض عليك الخير والشرّ فلا تدري أيّهما تترك.

وقد ذكر عن النبيّ ﷺ أنه قال: لا تزال يد الله على هذه الأمة في كنفه، ما لم يمل قرّاؤهم إلى امرائهم، وما لم يوقّر خيارهم شرارهم، وما لم يعظّم أبرارهم فجّارهم؛ فاذا فعلوا ذلك رفعها عنهم وقذف في قلوبهم الرعب، وأنزل عليهم الفاقة، وسلّط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب. وقال حذيفة: لا يأتيهم أمر يضحكون منه إلا ردف أمر يشغلهم عن ذلك. فليكن الموت من شأنك وبالك. وأقلّ الأمل وأكثر ذكر الموت فانكم إذا ذكرتموه في قليل كثّره. واعلم أنه قد دنا من الناس أمور، وحضرت أمور يشتهي لها الرجل الموت، والسلام.

- وصّى رجل آخر، وأراد سفرا، فقال: آثر بعملك معادك، ولا تدع لشهوتك رشادك. وليكن عقلك وزيرك الذي يدعوك إلى الهدى، ويعصمك من الرّدى. ألجم هواك عن الفواحش، وأطلقه في المكارم، فانّك تبرّ بذلك سلفك، وتشيّد شرفك.

- قال زياد عند موته لابنه عبيد الله: لا تدنّس عرضك، ولا تبذلنّ وجهك، ولا تخلقنّ جدّتك بالطّلب إلى من إن ردّك كان ردّه عليك عيبا، وإن قضى حاجتك جعلها عليك منّا. واحتمل الفقر بالتنزّه عما في أيدي الناس، والزم القناعة بما قسم لك، فان سوء حمل الفقر يضع الشرف، ويخمل الذكر، ويوجب الحرمان.

- قال مهديّ بن أبان: قلت لولّادة العبدية، وكانت أعقل النساء:

أريد الحجّ فأوصيني، فقالت: أوجز فأبلغ أم أطيل فأحكم؟ قلت: ما شئت.

قالت: جد تسد، واصبر تفز. قلت: أيضا. قالت: لا يبعد غضبك حلمك،

ولا هواك علمك، وق دينك بدنياك، وفر عرضك بعرضك، وتفضّل تخدم، واحلم تقدّم. قلت: فمن أستعين؟ قالت: الله ﷿. قلت: فمن الناس؟

قالت: الجلد النّشيط والناصح الأمين. قلت: فمن أستشير؟ قالت: المجرب الكبير أو الأديب الصغير. قلت: فمن أصحب؟ قالت: الصديق المسلم أو الراجي المتكرّم. ثم قالت: يا أبتاه، إنك تفد الى ملك الملوك فانظر كيف يكون مقامك بين يديه.

- قال المنذر لابنه النعمان في ما أوصاه به: دع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن لك من عقلك خبيء ترجع إليه أبدا. فقال له النعمان: مرني بأمر جامع. قال: الزم الحزم والحياء.

- لما حضرت الحارث بن كلدة الوفاة قيل له: أوصنا بما ننتفع به بعدك، فقال: لا تتزوجوا من النساء إلا الشوابّ، ولا تأكلوا من اللحم إلا الفتيّ، ولا من الفاكهة إلا ما نضج، ولا يتداوينّ أحدكم بدواء ما احتمل بدنه الداء، وإذا تغدّيتم فناموا قليلا، وإذا تعشيتم فامشوا خطوات.

وقال بختيشوع للمأمون: أوصيك يا أمير المؤمنين بأربعة أشياء:

لا تأكل طعاما بين نبيذين، ولا تجامع على شبع، ولا تبت أو تخلي جوفك من الرياح والنجو، ولا تأكل لحم البقر، فو الله إني أمرّ به في الطريق فأغطّي عيني وعين برذوني من شدّة مضرّته.

- قال أبان بن تغلب، وكان عابدا من [عباد] البصرة: شهدت

أعرابية وهي توصي ولدا لها يريد سفرا وهي تقول: أي بنيّ، اجلس أمنحك وصيّتي، وبالله توفيقك، فان الوصية أجدى عليك من كثير عقلك. قال أبان:

فوقفت مستمعا لكلامها، مستحسنا لوصيتها، فاذا هي تقول: يا بنيّ، إياك والنميمة فانها تزرع الضّغينة، وتفرّق بين المحبين. وإياك والتعرض للعيوب فتتّخذ غرضا، وخليق ألّا يثبت الغرض على كثرة السّهام، وقلّما اعتورت السهام غرضا إلا كلمته حتى يهي ما اشتدّ من قوّته. وإياك والجود بدينك والبخل بمالك. وإذا هززت فاهزز كريما يلين لمهزّتك، ولا تهزز اللئيم فانه صخرة لا ينفجر ماؤها. ومثّل لنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به، وما استقبحته من غيرك فاجتنبه، فان المرء لا يرى عيب نفسه. ومن كانت مودّته في بشره وخالف ذلك منه فعله كان صديقه منه على مثل الريح في تصرّفها.

ثم أمسكت، فدنوت منها فقلت: بالله عليك يا أعرابية إلا ما زدته في الوصيّة. قالت: أوقد أعجبك كلام العرب يا عراقي؟ قلت: نعم. قالت:

والغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم، ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة:

ريطها وسربالها.

- وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني، اقبل وصيّتي وعهدي، فان سرعة ائتلاف قلوب الأبرار كسرعة ائتلاف قطر المطر بماء الأنهار، وبعد الفجّار من الائتلاف كبعد البهائم من التعاطف، وإن طال اعتلافها على آريّ واحد. كن يا بنيّ بصالح الوزراء أعنى منك بكثرة عددهم، فان اللؤلؤة خفيف محملها كثير ثمنها، والحجر فادح حمله قليل غناؤه.

- زوّج أسماء بن خارجة الفزاريّ ابنته هند من الحجاج بن يوسف.

فلما كانت ليلة أراد البناء بها قال لها أسماء: يا بنيّة، إنّ الأمهات يؤدّبن البنات، وإن أمّك هلكت وأنت صغيرة، فعليك بأطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الكحل. وإياك وكثرة المعاتبة فانها مقطعة للودّ، وإياك والغيرة فانها مفتاح الطلاق. وكوني لزوجك أمة يكن لك عبدا، واعلمي أنّي القائل لأمّك حيث أقول:

خذي العفو منّي تستديمي مودّتيولا تغضبي في سورتي حين أغضب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «خذي العفو مني تستديمي مودتي»
ولا تنقريني نقرك الدفّ مرةفانك لا تدرين كيف المغيّب
فاني وجدت الحبّ في الصدر والأذىإذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «خذي العفو مني تستديمي مودتي»

- العتبيّ عن أبيه عمرو بن عتبة، قال: كان أبونا لا يرفع المواعظ عن أسماعنا، فأراد سفرا فقال: يا بنيّ، تألّفوا النّعم بحسن مجاورتها، والتمسوا المزيد بالشكر عليها، واعلموا أنّ النفوس أقبل شيء لما أعطيت، وأعطى شيء لما سئلت، فاحملوها على مطيّة لا تبطىء إذا ركبت، ولا تسبق إذا تقدّمت.

عليها نجا من هرب من النار، وأدرك من سابق إلى الجنة. فقال الأصاغر من ولده: يا أبانا، ما هذه المطية؟ قال: التوبة.

- قال عبد الملك بن مروان للشعبيّ وهو يعلّم أولاده: علّمهم

الصّدق كما تعلّمهم القرآن، وجنّبهم السّفلة فانهم أسوأ الناس رعية، وأقلّهم أدبا، وجنّبهم الحشم فانّهم لهم مفسدة. وأحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم تصحّ عقولهم وتشتدّ قلوبهم، وعلّمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضا، ويمصّوا الماء مصّا ولا يعبّوه عبّا. وإذا احتجت إلى أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في سرّ ولا يعلمه أحد من الحاشية فيهونوا عليهم.

كتب عبد الله بن عباس ﵁ إلى الحسن بن عليّ ﵉ إذ ولّاه الناس أمرهم بعد أبيه أن شمّر للحرب وجاهد عدوّك، واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم دينك، وولّ أهل البيوتات من تستصلح به عشائرهم.

قال حكيم: انتهز الفرصة فانها خلسة، وثب عند رأس الأمر ولا تثب عند ذنبه، وإياك والعجز فانه أوضع مركب، والشفيع المهين فانه أضعف وسيلة.

وقال آخر: إن اتسع لك المنهج، فاحذر أن يضيق بك المخرج.

وقال الشاعر:

واذا هممت بورد أمر فالتمسمن قبل مورده طريق المصدر

- قال المعتمر بن سليمان: كان يقال: عليك بدينك ففيه معادك، وعليك بمالك ففيه معاشك، وعليك بالعلم ففيه دينك.

ومن وصايا أرسطاطاليس للاسكندر: وإياك أن تعتمد من أصحابك على طاعة المخافة فانك تفقدها منهم أحوج ما تكون إليها، واجتهد في إحراز طاعة المحبة منهم تجدها في أيّ وقت أردت.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.