من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نسخة عهد جاثليق
نسخة عهد جاثليق من إنشاء أخي ﵀: هذا كتاب أمر بانشائه سيدنا ومولانا أمير المؤمنين لعبد يشوع الجاثليق البطرك؛ أما بعد، فالحمد لله العميم إحسانه، العظيم سلطانه، الواجب حمده، الغالب جنده، الكامل فضله، الشامل عدله، المعروف بغير رؤية تدركه ولا نظر، الخالق من غير رويّة يجيلها ولا فكر، العالم بالأشياء ما ظهر منها وما بطن، المتعالي عن التكييف ببعد الأوهام وغوص الفطن، الذي ابتدع المخلوقات على غير تمثيل،
واخترع المصنوعات بغير قياس اتّبعه ولا دليل، وأقام شواهد البيّنات على وحدانيّته، ومعجزات البراهين على عجائب حكمته، ما أيقنت معه العقول والبصائر، وشهدت له القلوب العارفة والضمائر، أنّه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شارك في ملكه أحدا، ولا ولد فيكون مولودا، ولا ولد فيكون محدودا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
والحمد لله الذي اختار محمدا من أشرف العرب منصبا، وأكرمها أمّا وأبا، وبعثه بالبرهان الساطع، والحقّ الصادع، والحجج الواضحة، والخلائق الصالحة، والناس في مجاهل الضلالة حائرون، وعن مناهج الهدى جائرون، على حين فترة من الرسل، واشتباه من السبل، وتفرّق من الملل، واستمرار من الزيغ والزلل، فلم يزل الأمر به مبلّغا، وبجهده في إمحاض النصيحة للأمة مستفرغا، حتى طمس معالم الباطل، ودفع عن وعد الصلاح ليّ الماطل، وأضحى الاسلام مرفوعا رايته، بعيدة غايته، منتشرة في الآفاق دعوته، مؤيّدة بالنصر المبين كلمته، وأنجز الله تعالى له ما وعد في إعلاء دينه على الدين كلّه وإظهاره، وإعزاز أشياعه وأنصاره، ونسخ الملل السالفة بملّته التي ختم بها الأديان، وأنزل عليه الكتاب المبشّر لمّتبعها بما فيه من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. فصلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تزلف محلّه، وتوازي شرفه وفضله، ما طرف طرف النهار بسدفة العشيّ، وصرف صرف المكروه بلطف الله الخفيّ.
والحمد لله على أن حاز لأمير المؤمنين من شرف الخلافة ميراث آبائه، وصرف إليه منها ما هو أحقّ بارتداء ردائه، وبوّأه من الامامة العظيمة متبوأ تخرّ الجباه سجّدا لجلاله، وتنسب مفاخر الدين والدنيا إلى جماله؛ وأطلع
بإمامته نجوم العدل فما تغور، وأقام بها أسواق الخيرات فما تكسد بضائع طالبيها ولا تبور، وحمى بحسن رعايته حمى الدين فما يذعر سربه، ولا يكدّر شربه، ولا يفلّ غربه؛ وخصّ الرعية من رأفته بمنحة أرهفت شذاتها، وثقّفت بعد الالتواء قناتها، وجمعت أشتات صلاحها، ويسّرت دواعي فلاحها، فهي محظوظة في كنف عدله، مغتبطة بخروجها من حزن العيش إلى سهله، بنعمته التي شحذت في الطاعة بصائرها، واستخلصت مبادرتها في المتابعة ومصابرتها، وشفعت ظواهرها في العكوف على الدعاء لآبائه، وبسطت آمالها بعد الانقباض وأحصدت مرائرها. وهو يستوزع الله ﷿ شكر هذه النعمة، ويستجزل بالتحدّث بها خطّة منها وقسمة. وما توفيقه إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
وان أمير المؤمنين بما وكله الله إليه من أمور عباده، وحمّله أعباءه في أرضه وبلاده، يرعي الأمة من اهتمامه عينا يقظى، ويوليها في عامة متصرفاته حراسة شاملة وحفظا. ويتفقد أحوالها، تفقدا يصلح بالها، ويصل حبالها، ويعشب مرادها، ويكثب مرادها، ويعمّ بذلك عموما يشترك فيه المسلم منها والمعاهد، والداني والمتباعد، وطوائف الملل من أهل الكتاب الذين خفرهم عهد الشرع وذمّته، وكنفتهم حياطته وحمايته، ليفيء عليهم ظلّ الحسنى بأجمعهم، ويقترن مرآهم في النظر لهم بمسمعهم.
ولما أنهيت حالك لأمير المؤمنين، وأنك أمثل أهل نحلتك طريقة، وأقربهم
إلى الصّلاح مذهبا وخليقة، وأحواهم للخلال التي أجمعوا على تمييزك بها عنهم وانفرادك، واستحقاقك للاسعاف من بينهم بمأمولك ومرادك، وكونك حاليا بشروط الجثلقة المتعارفة عندهم بأدواتها، مشهودا لك بنعوتها الكاملة وصفاتها، وحضر جماعة من النصارى الذين يرجع إليهم في استعلام سيرة أمثالك، واستطلاع أنباء مضارعيك وأشكالك، وذكروا أنهم تصفّحوا أحوال ذوي الديانات فيهم، واستثبتوا باديهم منها وخافيهم، بحكم مساس حاجتهم إلى جاثليق ينظر في أمورهم، ويراعي مصالح جمهورهم، فاتفقوا باجتماع من آرائهم، والتئام من قلوبهم وأهوائهم، على اختيارك لرياسة دينهم، ومراعاة شؤونهم، وتدبير وقوفهم، والتسوية في عدل الوساطة بين قويّهم، وضعيفهم، وسألوا إمضاء نصّهم عليك بالاذن الذي به تستقرى قواعده، وتصدق مواعده، وتستحكم مبانيه، وتقوى أواخيه، فأوعز باسعافهم في ما سألوه بالإيجاب، وإلحافهم في ما طلبوه جناح الاطلاب. وبرز الاذن الامامي الأشرف، لا زالت أوامره بالتوفيق معضودة، بترتيبك جاثليقا لنسطور النصارى بمدينة السلام، ومن تضمّه منهم ديار الاسلام، وزعيما لهم ولمن عداهم من الروم واليعاقبة والملكية في جميع البلاد، وكلّ حاضر من هذه الطوائف وباد، وانفرادك عن كافّة أهل نحلتك، بتقمص أهبة الجثلقة المتعارفة في أماكن صلواتكم، ومجامع عباداتكم، غير مشارك في هذا اللباس، ولا مسوّغ في التحلّي به لمطران أو أسقف أو شماس، حطّا لهم عن رتبتك، ووقوفا بهم دون محلّك الذي خصصت به ومنزلتك. وإن ولج أحد من المذكورين باب المجاذبة لك والخلاف، وراع سرب المتابعة لك وأخاف، وأبى النزول على حكمك، وعدل إلى حربك عن سلمك، كانت المقابلة به لاحقة، والعقوبة به على شقائقه حائقة، حتى تعتدل قناته، وتلين بالقرع صفاته، ويزدجر أمثاله عن مثل مقامه،
وينحرس قانونك مما يقدح في نظامه.
وأمر بحملك على مقتضى الأمثلة الامامية في حقّ من تقدّمك من الجثالقة وسبقك، وإجراء أمرك عليه ومن تلاك منهم ولحقك، والحياطة لك ولاهل ملّتك في الأنفس والأموال، والحراسة الكافلة لكم بصلاح الأحوال، واتباع العادة المستمرة في مواراة أمواتكم، وحماية بيعكم ودياراتكم، والعمل في ذلك على الشاكلة التي عمل عليها الخفاء الراشدون مع من قبلكم، ورعى بها الأئمة السابقون رضوان الله عليهم عهدكم وإلّكم. وأن يقتصر في استيفاء الجزية على تناولها من العقلاء الواجدين من رجالكم دون النساء ومن لم يبلغ الحلم من أطفالكم. ويكون استيفاؤها مرة واحدة في كلّ سنة، من غير عدول في قبضها عن قضيّة الشرع المستحسنة. وفسح في الجاثليق أن يتوسّط طوائف النصارى في محاكماتهم، فيأخذ النّصف من القويّ للمستضعف، ويقود إلى الحقّ من مال إلى القسط والجنف، وينظر في وقوفهم نظرا يقوم بحقوق الأمانة وأشراطها، ويمضي على واضح حدودها وسويّ سراطها. فقابل هذا الانعام الذي شملك، وحقّق مناك في ما ناجتك به نفسك وأمّلك، بدعاء ينبي عن الاعتراف ويعرب، ويبدع في الاخلاص ويغرب. وسبيل كافة المطارنة والقسيسين والأساقفة من الطوائف المذكورة أن يحتذوا المأمور به في هذا المثال، ويتلقّوه بالانقياد والامتثال، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع