تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر في الوصايا والعهود

- لما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة أوص، قال: ويل للشعر من رواة السّوء. قالوا: أوص يرحمك الله يا حطيء.

قال: من الذي يقول:

إذا أنبض الرّامون عنها ترنّمتترنّم ثكلى أوجعتها الجنائز
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «عفا بطن قو من سليمى فعالز»

قالوا: الشماخ. قال: أبلغوا غطفان أنّه أشعر العرب. قالوا: ويحك أهذه وصية؟! أوص بما ينفعك. قال: ابلغوا أهل ضابىء انه شاعر حيث يقول:

لكلّ جديد لذّة غير أننيوجدت جديد الموت غير لذيذ

قالوا: اتّق الله ودع عنك هذا. أوص بما ينفعك. قال: أبلغوا اهل امرىء القيس أنه أشعر العرب حيث يقول:

فيا لك من ليل كأنّ نجومهبكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قالوا اتق الله ودع عنك هذا. قال: أبلغوا الأنصار أنّ صاحبهم أشعر العرب حيث يقول:

يغشون حتى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

قالوا: إن هذا لا يغني عنك من الله شيئا فقل غير ما أنت فيه، فقال:

الشعر صعب وطويل سلّمهإذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة
زلّت به إلى الحضيض قدمهيريد أن يعربه فيعجمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

قالوا: هذا مثل الذي كنت فيه. فقال:

قد كنت أحيانا شديد المعتمدوكنت ذا خصم على الناس ألدّ

فوردت نفسي وما كادت ترد

قالوا: يا ابا مليكة، الك حاجة؟ قال: لا والله، ولكن أجزع للمديح الجيد يمدح به من ليس له أهلا. قالوا: فمن أشعر الناس؟ فأومى بيده إلى فيه وقال:

هذا الجحير إذا طمع في خير. واستعبر باكيا فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال:

قالت وفيها حيدة وذعرعوذ بربي منكم وحجر

فقيل له: ما تقول في عبيدك وإمائك؟ قال: هم عبيد قنّ ما عاقب الليل النهار. قالوا: فأوص للفقراء بشيء. قال: أوصيهم بالالحاح في المسألة فانها تجارة لا تبور، واست المسؤول أضيق. قالوا: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى من ولدي مثل حظّ الذكرين. قالوا: ليس هكذا قضى الله، قال: لكنّي هكذا قضيت. قالوا: فما توصي لليتامى؟ قال: كلوا أموالهم ونيكوا أمّهاتهم. قالوا:

فهل شيء تعهد به غير هذا؟ قال: نعم، تحملوني على أتان، وتتركوني راكبها حتى أموت، فان الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركب لم يمت عليه كريم قطّ. فجعلوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون عليها حتى مات وهو يقول:

لا أحد الأم من حطيّههجا بنيه وهجا المريّه

من لؤمه مات على فريّه

- خطب الحجاج لما أراد الحجّ فقال: أيّها الناس، إني أريد الحجّ، وقد استخلفت عليكم ابني هذا، وأوصيته بخلاف وصية النبي ﷺ في الأنصار، فانه أمر أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. ألا وإني قد أوصيته أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة، ألا وإني معجّل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة.

- كتب أبو العيناء إلى صديق له تولّى ناحية: أما بعد فأنّي لا أعظك موعظة الله تعالى لأنك غنيّ عنها ولأنّك أعلم منّي بها، ولا أرغّبك في الآخرة لمعرفتي بزهدك فيها، ولكنّي أقول كما قال الشاعر- وهي أبيات لأبي الأسود الدؤلي يقولها لحارثة بن بدر لما ولي رامهرمز:

أحار بن بدر قد وليت ولايةفكن جرذا فيها تخون وتسرق
وكاثر تميما بالغنى إن في الغنىلسانا به المرء الهيوبة ينطق

واعلم أنّ الخيانة فطنة، والأمانة خرق، والجمع كيس، والمنع صرامة،

وليست كلّ يوم ولاية. فاذكر ايام العطلة، ولا تحقرنّ صغيرا، فمن الذّود إلى الذود إبل، والولاية رقدة فتنبّه قبل أن تنبّه:

وأخو السلطان أعمىعن قليل سوف يبصر

وما هذه الوصيّة التي أوصى بها يعقوب بنيه، ولكنّي رأيت [الحزم] أخذ العاجل وترك الآجل.

احتضر بعض المجّان فقالت له زوجته: أوص، قال: وتقبلين مني؟ قالت: نعم. قال: إذا أنا متّ فادفني معي زنبيل الدقيق ودبّة البزر حتى تلحقهما ضغطة القبر فانّهما أكلا كبدي في الدنيا.

- بلغ أبا الأغرّ أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شرّ، فأرسل ابنه الأغرّ وقال: يا بني، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإياك والسيف فانه ظلّ الموت، واتّق الرمح فانه رشاء المنية، ولا تقرب السهام فانها رسل لا تؤامر مرسلها. قال: فبماذا أقاتل؟ قال: بما قال الشاعر:

جلاميد أملاء الأكفّ كأنّهارؤوس رجال حلّقت في المواسم
للشاعر جرير، من قصيدة «تغطي نمير بالعمائم لؤمها»

- أوصت أعرابية ابنتها عند إهدائها فقالت: اقلعي زجّ رمحه، فان أقرّ فاقلعي سنانه، فان أقرّ فاكسري العظام بسيفه، فان أقرّ فاقطعي اللحم على ترسه، فان أقرّ فضعي الإكاف على ظهره فانه حمار.

- ومما ينسب إلى تميم بن مرّ انه وصّى بنيه فقال: يا بنيّ عليكم ب «لا» فانها ترفع اللحيين، وإياكم و «نعم» فانها ترخي اللحيين، وعليكم بالمسألة فان است المسؤول أضيق، ولا تحقروا اليسير أن تأخذوه فان اليسير إلى اليسير

كثير، واستعيروا ولا تعيروا، وأظهروا للناس الحاجة لكي لا تسألوا فتمنعوا فتكون أستاهكم هي الضيقة. وإن وعدتم الناس شيئا فاكذبوهم وامطلوهم، فإن الذي يصدق في الوعد وان مطل، وهو مقلّ، يكون حريا بالنجح في الموعد إذا أمكنته المقدرة. وابدأوا الناس بالشرّ يردد عنكم الشرّ، وإياكم والوهن فيجترأ عليكم. ولا تشتطّوا في مهور النساء فان ذلك آكد لأياماكم، جمع الله أمركم.

- أوصى وكيع بن حسّان بن سود فقال: يا بنيّ، إن أبي والله ما ورثني إلا درعا سحقا ورمحا خطلا، وما ورّثني دينارا ولا درهما. وقد جمعت لكم هذا المال الذي ترون من حلّه وحرامه؛ فإياكم إذا أنا متّ أن تأتيكم هذه الباعة من أهل الأسواق فيقولون: لنا على ابيكم دين. يا بني، إن كان الله تعالى يريد أن يغفر لي فوالله ما ديني في ذنوبي إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، وإن كان لا يريد أن يغفر لي، فو الله ما ديني في تلك الذنوب إلا كحصاة رمي بها في بحر. شدّوا أيديكم على مالكم واحفظوه ولا تقضوا عني شيئا. ثم مات.

- وروي أن أبا النجم العجلي أنشد هشاما:

والشمس قد صارت كعين الأحول

لما ذهب به الرويّ عن الفكر في عين هشام فأغضبه فأمر به فطرد، فأمّل أبو النجم رجعته، فكان يأوي إلى المسجد. فأرق هشام ذات ليلة فقال لحاجبه: ابغني رجلا عربيا فصيحا يحادثني وينشدني، فطلب له ما طلب فوقف على أبي النجم فأتي به، فلما دخل عليه قال: أين تكون منذ أقصيناك؟ قال: بحيث ألفتني رسلك. قال: فمن كان أبا مثواك؟ قال: رجلين: كلبيا وتغلبيا أتغدى عند

أحدهما وأتعشّى عند الآخر. فقال له: ما لك من الولد؟ قال: ابنتان. فقال:

أزوّجتهما؟ قال: لا، زوّجت إحداهما. قال: فبم أوصيتها. قال: قلت لها ليلة أهديتها:

سبّي الحماة وابهتي عليهاوإن نأت فازدلفي إليها
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
ثم اقرعي بالودّ مرفقيهاوركبتيها واقرعي كعبيها

وجددي الحلف به عليها لا تخبري الدهر بذاك ابنيها قال: أفأوصيتها بغير هذا؟ قال: نعم، قلت:

وصيّت من برّة قلبا حرّابالكلب خيرا والحماة شرّا
لا تسأمي نهكا لها وضرّاوالحيّ عمّيهم بشرّ طرّا
وإن كسوك ذهبا ودرّاحتى يروا حلو الحياة مرّا

قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا بني كولده. قال: فما حال الأخرى؟ قال قد درجت بين بيوت الحيّ ونفعتنا في الرسالة والحاجة. قال: فما قلت فيها؟ قال: قلت:

كأنّ ظلّامة أخت شيبانيتيمة ووالداها حيّان
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
الرأس قمل كلّه وصئبانوليس في الرجلين إلا خيطان

فهي التي يذعر منها الشيطان

قال: فقال هشام: يا غلام ما فعلت الدنانير المختومة التي أمرتك بقبضها؟

قال: هي عندي، وزنها خمسمائة. قال: فادفعها إلى أبي النجم ليجعلها في رجل ظلّامة مكان الخيطين. وزيد في رواية أخرى:

أوصيك يا بنتي فاني ذاهبأوصيك أن يحمدك الأقارب
والجار والضيف الكريم الساغبلا يرجع المسكين وهو خائب
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
ولا تني أظفارك السّلاهبلهنّ في وجه الحماة كاتب
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

والزوج إن الزوج بئس الصاحب

- قال لبطة بن الفرزدق: لما احتضر أبي قال: ابغني كتابا أكتب فيه وصيتي، فأتيته فكتب وصيته:

أروني من يقوم لكم مقاميإذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أروني من يقوم لكم مقامي»
إلى من ترجعون إذا حثوتمبأيديكم عليّ من التراب

فقالت مولاة قد كان اوصى لها بوصية: إلى الله ﷿. فقال: يا لبطة، امحها من الوصيّة.

- مرض أبو دهمان مرضا أشفى منه [على الموت] وأملى وصيّته على كاتبه، وأوصى فيها بعتق غلام كان واقفا. فلما فرغ غدا الغلام بالرقعة فأتربها، ونظر إليه أبو دهمان فقال: أتربها يا ابن الزانية حتى تكون أنجح للحاجة.

لا شفاني الله إن أنجحت. وأمر به فأخرج من وقته وبيع.

- أوصى بدويّ ابنه فقال: يا بني، كن سبعا خالسا، أو ذئبا خانسا، أو كلبا حارسا، ولا تكن إنسانا ناقصا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.