من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
مقامة الوصية للهمذاني
- من كلام أبي الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف بالبديع في ما أنشأه من المقامات: يا بنيّ، انا وإن وثقت بمتانة عقلك، وطهارة أصلك، فاني شفيق، والشفيق يسيء الظنّ. ولست آمن عليك النفس وسلطانها، والشهوة وشيطانها، فاستعن عليها نهارك بالصوم، وليلك بترك النوم، إنه لبوس ظهارته الجوع وبطانته الهجوع، ما لبسها أسد إلا لانت سورته، أفهمتها يا ابن الخبيثة؟ وكما أخشى عليك ذاك فما آمن عليك لصّين: أحدهما القرم والآخر الكرم. فاياك وإياهما. إن الكرم أسرع في المال من السوس، وان القرم أشأم من البسوس. ودعني من قولهم إن الله كريم. إنها خدعة الصبيّ عن اللبن.
بلى إن الله لكريم، ولكن كرم الله تعالى يزيدنا ولا ينقصه، وينفعنا ولا يضره، ومن كانت هذه حاله فلتكرم خصاله. فأمّا كرم لا يزيدك حتى ينقصني، ولا يريشك حتى يبريني، فخذلان، ولا أقول عبقريّ، ولكن أقول بقريّ. أفهمتها يا ابن المشومة؟ إنما يخرج للتجارة، لينبط الماء من الحجارة، وبين الأكلة
والأكلة ريح البحر بيد أن لا خطر، والصين، غير أن لا سفر. أفتتركه وهو معرض، ثم تتركه وهو معوز؟ أفهمتها لا أمّ لك!! إنه المال عافاك الله، فلا تنفقنّ إلا من الربح، وعليك بالخبز والملح، ولك في البصل والخلّ رخصة، ما لم تدمنهما ولم تجمع بينهما؛ واللحم لحمك وما أراك تأكله، والحلواء طعام من لا يبالي على أيّ جنبيه وقع، والوجبات عيش الصالحين. والأكل على الجوع واقية الفوت، وعلى الشّبع داعية الموت. ثم كن مع الناس كلاعب الشطرنج، خذ كلّ ما معهم واحفظ كل ما معك. يا بني قد أسمعت وأبلغت، فان قبلت فالله حسبك، وإن أبيت فالله خصمك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع