من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
عهد لطفيلي
- كتب علي بن نصر الكاتب على بعض الطفيليين عهدا يوصي فيه بالنّهم والأكل: هذا كتاب من فلان في صحّة من فهمه، وسقم من جسمه، وضعف من عزمه، وأسف على هضمه، واستكلاب من شهوته، وانتكاس من علّته، عند آخر ساعة من ساعات دنياه، وأول وقت من أوقات أخراه، ومن النصيحة والصدق، والفيئة من الباطل إلى الحقّ- إلى جماعة الأكلة المتصوّفين، وذوي النّهم المتطفّلين، وأولي الطواحين الدائرة، والشّهوات الثائرة، والأشداق الفسيحة، والمبالع الصحيحة: سلام عليكم، فاني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، خالق الأنياب الحداد، والأضراس الشّداد، واللهى الواسعة، والحلاقم
البالعة، وأسأله الصلاة على رسوله المبعوث بالاسلام، والآمر بافشاء السلام، وصلات الأرحام، وبذل الطعام، صلّى الله عليه وعلى آله وشرّف وكرّم.
أما بعد: فاني رأيت أهل هذه الصناعة قد قلّوا، ومحّصوا حتى ذلّوا، فلم يبق لهم ذكر إلا خمل، ولا نجم إلّا أفل، ولا علم إلا فقد، ولا نهم إلا أتخم واستشهد، فصار لا يوجد منهم في البلد العظيم، والإقليم بعد الاقليم، أحد مقيم بحقوقها، ومستقلّ بأعباء علومها، ويعرف ما يعترضها من العلل، ويخبر ما فيها من المكر والحيل، وكيف التوصّل إلى الولائم المشهودة، والهجوم على الموائد المنصوبة. وإنما قصار الواحد منهم أن يأنس ببعض كرماء دهرنا بواسطة الاتّفاق، وحسبك ضيق المذاق والأخلاق، فيحضر طبقه إما مستأذنا في الوصول، أو متسببا في الحصول. فاذا جلس شمّر عن ساعده تنظّفا، ورفع أذيال ثوبه تظرّفا، وأظهر أن الطعام بأنملته، لا يلتصق بحافّة من حافات شفته، مقتصرا من آلة حرفته وأداة صناعته على تجريد اللحم، وتجويد اللّقم، حتى إذا أكل المختار الطيّب، وتناول المقدار المستقرب، زعم الانتهاء، وادّعى الشّبع والاكتفاء، وجعل ما يستمدّه من بعد على وجه التملّح والتعجيب، وطريق التنادر والتقريب. وعساه لا يبلغ في الاستزادة والاكثار، أقصى مدى تلك السادة الأبرار. وهذا أيدكم الله الذي أبطل صناعتكم وعفّى آثارها، وأفسد نظامها وأطفأ أنوارها. فصار الناشىء فيها غير عارف بقوانينها، ولا واجد بصيرا بأفانينها، فهو يخبط العشواء منقبضا تارة ومنبسطا، ويخلط ما جاء صوابا مرّة وغلطا، لا يعرف فضل المستكره على المختار، ولا ميزة الهاجم على
المستزار، ولا يعلم أنّ المغافصة والمغالبة، والمجاحشة والمواثبة، مذاهب الأشياخ القدماء، وعادات أهل الصنعة الألبّاء، إلى غير ذلك من شرائط هذا العمل الجليل، وسنن كلّ وقاح أكيل.
ونحن ننطق في كتابنا هذا إليكم بلسان الشّره المليم، ونستمدّ لكم التوفيق من شيطان المعدة الرجيم. فأول ما أفهمكم إياه، وأنفعكم معناه، معاشر الإخوان، ورفقاء المائدة والخوان، أن تعلموا أن من صفق وجهه رقّ عيشه، ومن سعت قدمه طاب مطعمه، ومن أساء أدبه بلغ أربه، ومن قلّ حياؤه ساعدته أهواؤه.
وهذه وصيّة نبذت إليكم حكمها، وفرضت عليكم تعلّمها.
وأن تديموا دخول الحمّام، في صبيحة كلّ يوم من الأيام، فتمرّخوا المعدة، وتطلبوا التقلّب والتمدّد، ففي ذلك راحة من كد السّهر، وحدر لبقايا الطعام المعتكر. وتعقّبوه بتناول الجوارشنات، والسفوفات الفاتقة للشهوات، ثم تطرحوا أفكاركم يمنة ويسرة، وعيونكم خفية وجهرة، فتوكدوا الوصاة عليهم، وتوثّقوا في العهود إليهم: لا تتركوا بابا لمنقية ولا دربا لمنقين، ولا سفينة ولا موضعا موسوما بكراء الحمير، ولا صقعا معروفا بالخانات والمواخير، إلا اخترقتموه مساء وصباحا، وطرحتموه غدوة ورواحا. وتتبعوا ولائم الإعذار، ودور الورّاث والقمار، وحمالي الفرض، وشواني الربض، وحلق الممخرقين، ومقامات المثاقفين، ومظانّ مناطح الكباش، ومواطن التنازق والهراش، وتسترشدوا قوّام المشاهد، وصالحي المساجد، وعجائز العكاكيز، وروائح الدهاليز. ولا يجوز أن يخفى عليكم حينئذ خافية، ولا تستر دونكم عورة دانية ولا قاصية، فاذا عادوا بالنبأ الواضح، وفازوا بالخبر الصالح،
استخرتم الله ﷿ مفكّرين في بعد الطريق أو قربها، فانها إن دنت أدنت البغية، وإن نأت هيّجت الشهوة، وأن لا تخفّفوا الأكل مما حضر، طمعا في ما يأتي وينتظر، وإن كنتم له محققّين، ومن وروده على يقين، فللطعام اغتنامات، وللتأخير آفات، وربما أفسد الطبّاخ ما تراعون، وطرقت صاحب المنزل نائبة في عرض ما تأكلون، وأخطأتم في الحساب، وحصلتم على تجويع الارتقاب.
وهذا سفه في العقل، وركوب غرر في فوت الأكل.
وأن تتخيّروا من المواضع أفسحها، ومن المجالس أفيحها، لتكون معدكم مطمئنة هادية، وأيديكم ذاهبة جائية، فلا يتعذّر عليكم، تناول ما قرب من الأطعمة إليكم. وإن كان لأحدكم قريب، وولد أو نسيب، قرب منه أو بعد، فلا يتنغّص له، ويتمنّى أن يشاركه في ما أكله، فان ذلك مشغلة عن الاستكثار، ومقطعة عن الاحتكار، ودلالة على وهي العزم وضعفه، وإظهار لقلة الرأي وسخفه، بل يستجدّ لذكراه أكلة مفردة، ويستأنف من جرّاه شهوة مجددة، فإنّ ذلك أدخل في باب التطفيل، وأولى بذوي الرأي الأصيل.
وان تجعلوا السكباج مفتاح الفم، وتعظموها تعظيم الأب والأمّ، فإنها القدر المحبوبة، والشهوة المطلوبة، والعلق الصّبور، واللون الذي لا يبور.
وأن تبالغوا في الإمعان، عند حضور الفرصة والإمكان، في أفخاذ الفراريج ولصيقها، وصدور الدراريج بعد تعليقها، فانها المنظر الأنيق لذي عين، واللذة القصوى لصاحب ماضغين. وأن تعتمدوا أكل الهرائس، عاريات من الملابس، خاليات من الجزمازج والجرادق، منقولات بالأصابع والملاعق، فإن فيها معنى الخبز، من لباب البرّ والأرزّ، ولا فائدة في هذا التكرار، العائد بالتملّي والاستضرار.
واستوصوا بالصاعديّات خيرا، وبغلائلها المصبوغة حمرا، فأكبّوا على فرّوجها وعصفورها، واستكثروا من كبابها ومضفورها، وواظبوا على قرنائها وأخواتها، وبنات عمها وعمّاتها، من الاسفيذباجات والنرجسيات والمحرّقات.
فكلوا أكل الأيامى فقدوا الصاحب، واليتامى عدموا الكاسب، وواصلوا المضاير إذا بدت إلية الحمل، واستدارت هامة البصل، فانها طعام السّلف الماضين، وأهل السنّة المتزهدين، وبها باع الناس قديما صلاتهم وصيامهم، ولها فارقوا خليفتهم وإمامهم، ومن أجلها دفعوا عن المحال وذبّوا، وأجابوا داعي الضلال ولبّوا.
وكونوا لذوات المرق إخوانا، فإن لها أنواعا من الطعوم وألوانا، وفضلا على غيرها ورجحانا، فثردها قوام الظّرف وكماله، وسنام العرف وجماله، وهي عزاء الصدور، ودواء المخمور. ولا تهملوا الحرص على لحمها المجزّع، من البشمازج والأضلع. ولفّوا لقلاياها لفّا، واستفّوا لحمها سفّا، استراحة من ناشفها إلى ممرّقها، ومراوحة من محمّصها إلى محرّقها، فانها قراضة الإبريز، وطراز المأكل الوجيز. ولا تحقروا الانتفاع بالأصباغ فنعم ظهير الأكل ومعينه، ونصيح المستكثر وأمينه. وبادروا الحلواء ساعة طلوعها في جاماتها، كالبدور في هالاتها، غير محفلين بما يقطر من أدهانها على العنافق، ويجري من مرقها على المرافق. فكلّ ذلك هيّن في جنب الظّفر بمنية النفس، وبلوغ شهوة الضّرس، ولا تستكثروا من الأنبذة فانها تضعف الشّهوة، ولذلك سمّيت الخمرة قهوة، ومن أصغر تأثيرها التملّي المانع، والخمار القاطع. وعليكم منها بما يعين المعدة على غذائها، ويكون سببا لسرعة نقائها. ولا تصغوا إلى عاذل مقبّح، ولائم متنصّح، فما ذاك إلا حسد على ما أنالكم الله من فضله: القدرة على كشف
أغراضكم، ولا تستقلّوا في نيل إرادتكم بكل كلح الحجاب، أو ردّة البواب، ولا تستبعدوا فتح الباب وإن أبهمت أعلاقه، وتسلّق بنيان وإن أحكم وثاقه، فطال ما خاصمت وخوصمت، وزاحمت وزوحمت، وصادمت وصودمت، ولا كمت ولو كمت، فما ترى بي أثرا، إلا أنبأتك عنه خبرا، حتى صلع رأسي فما ينبت شعرة، وعمشت عيني فما تدرك نظرة، وكسر فكّي فما آكل إلا استراطا، واسترخى جانبي فما أتمالك ضراطا، وكل هذا قد يستسهل، في بلوغ لذة المأكل. وبه أوصيكم جماعة الأودّاء والاخوان، وبحفظ ما رويته لكم عن المشاهدة والعيان، والله خليفتي على فكوككم القوية، ومعدكم النارية.
وكتب يوم عيد النحر ساعة توزيع لحم الأضحيات، ووقت إدراك الهرائس والوديات، وهو حسبي ونعم الوكيل.
- مساور الوراق يقول لابنه يوصيه:
شمّر قميصك واستعد لقائلواحكك جبينك للشهود بثوم
واجعل صحابك كلّ حبر ناسكحسن التعهّد للصلاة صؤوم
وعليك بالغنويّ فاجلس عندهحتى تصيب وديعة ليتيم
- إسحاق الخاركي:
ولا تبق في وقت السّلامة ساعةتفوتك لم تسعد بها وتمتّع
فانّك لاق كلّما شئت ليلةويوما يغصّان العيون بأدمع
تم باب الوصايا والعهود بحمد الله وعونه وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع