من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
منافرة عامر وعلقمة
. من أخبار العرب المشهورة المنافرة بين عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وعلقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب. وقد أكثرت الرواة فيها وأطالت، فأتيت منها بأخصر ما يكون ويمكن، وحذفت الفضول.
كان عامر بن الطفيل من أشهر فرسان العرب بأسا ونجدة حتى كان قيصر إذا قدم عليه قادم من العرب قال له: ما بينك وبين عامر بن الطفيل؟ فإن ذكر نسبا عظم عنده به حتى وفد عليه علقمة بن علاثة فانتسب له، فقال له: أنت ابن عمّ عامر، فغضب علقمة وقال: أراني لا أعرف إلا بعامر، وكان ذلك مما أوغر صدره ودعاه إلى المنافرة. وغزا عامر بن مالك ملاعب الأسنّة اليمن بقبائل من بني عامر، فرجع وقد ظفر وملأ يده، فلما صاروا إلى مأمنهم وأرادوا أن يتفرّقوا إلى محالهم خطبهم عامر فقال: إنّ الله قد أثرى عددكم وكثّر أموالكم وقد ظفرتم، ومن الناس البغي
والحسد، ولم يكثر قوم قط إلا تباغوا ولست آمنها عليكم وبينكم حسائف وأضغان، وتواعدوا ماء النطيم يوم كذا، فأعطى بعضكم من بعض واستلّ ضغن بعضكم من بعض؛ فقالوا: ما تعقبنا قط من أمرك إلا يمنا وحزما، ونحن موافوك بالنطيم في اليوم الذي أمرت بموافاتك فيه. فاجتمعت بنو عامر ولم يفقد منهم أحد غير عامر بن الطفيل فانتظروه، فقام علقمة بن علاثة مغضبا، وكان له جد في ناديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: ننتظر أبا علي، فقال: وما تنتظرون منه؟ فو الله إنه لأعور البصر، عاهر الذكر، قليل الذكر والنفر. فقال له عامر بن مالك: اجلس ولا تقل لابن عمك إلا خيرا، فلو شهد وغبت لم يقل فيك مقالتك فيه. وأقبل عامر على ناقة له، فتلقّاه بعض من غضب له من فتيان بني مالك بن جعفر وأخبره بمقالة علقمة، قال: فهل قال غير هذا؟ قالوا: لا، قال: قد والله صدق ما لي ولد وإني لعاهر الذكر وإني لأعور البصر؛ ثم قال للذي أخبره: فهل ردّ عليه أحد؟ قال: لا، قال:
أحسنوا. وجاء حتى وقف راحلته على ناديهم فحياهم وقال لهم: لم تقرون بشتمي؟
فو الله ما أنا عن عدوكم بجبان، ولا إلى أعراضكم بسريع، وما حبسني عنكم إلا خمر قدم بها إليّ فسبأتها وجمعت عليها شباب الحيّ، فكرهت أن أدعهم يتفرّقون حتى أنفدتها؛ وقد علمت لأيّ شيء جمعكم أبو براء، فأصلح الله شأنكم ولمّ شعثكم وكثّر أموالكم. ثم قال: كل قرامة أو خداش أو حق أو ظفر يطلبه بنو عامر فهو في أموال بني مالك، مالي أول ذلك. قال أعمامه: وكل شيء لنا فيكم فهو لكم، قال أعمامه: قد رضينا بما فعل وحملنا ما يحمل، فتصدّع الناس على ذلك. وكان ذلك مما زاد صدر علقمة عليه وغرا حتى دعاه إلى المنافرة. وقال عامر في مراجعته لعلقمة:
والله لأنا أركب منك في الحماة، وأقتل منك للكماة، وخير منك للمولى والمولاة.
فقال علقمة: والله إني لبرّ وإنك لفاجر، وإني لوفيّ وإنك لغادر، ففيم تفاخرني يا عامر؟ فقال: والله لأنا أنزل منك للفقرة، وأنحر منك للبكرة، وأضرب منك للهدي، وأطعن منك للنثرة. فقال علقمة: والله إنك لكليل البصر، نكد الذكر، وثاب على جاراتك في السحر. فقال: بنو خالد بن جعفر، وكانوا يدا مع بني الأحوص
على بني مالك بن جعفر: إنك لن تطيق عامرا، ولكن قل له أنا أنافرك بخيرنا وأقربنا للخيرات، وخذ عليه بالكبر. فقال له علقمة هذا القول، فقال له عامر: وعنز وتيس، وتيس وعنز، فأرسلها مثلا، نعم، على مائة من الإبل إلى مائة يعطاها الحكم أينا نفّر عليه صاحبه أخرجها، ففعلوا ووضعوا بها رهنا من أبنائهم على يدي رجل من بني الوحيد. وخرج علقمة في من معه من بني خالد، وخرج عامر في من معه من بني مالك، وقد أتى عمه عامر بن مالك فقال: يا عماه أعنّي، قال: يا ابن أخي سبّني؛ فقال: لا أسبّك وأنت عمي؛ قال: فسبّ الأحوص، فقال عامر: لا أسبّ والله الأحوص وهو عمي، قال: فكيف أعينك إذن؟ ولكن دونك نعليّ فإني ربعت فيهما أربعين مرباعا فاستعن بهما في نفارك، وكره ما كان بينهما. وجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب فلم يقل بينهما شيئا وكره ذلك لحالهما وحال عشيرتهما وقال: أنتما كركبتي البعير الأدرم؛ فأتيا اليمنى، قال: كلا كما يمنى، وأبى أن يقضي بينهما. فانطلقا إلى أبي جهل ابن هشام بن المغيرة لعنه الله فأبى أن يحكم بينهما.
وكانت العرب تحاكم إلى قريش فأبت أن تحكم بينهما. فأتيا عيينة بن حصن فأبى أن يحكم ويقول بينهما شيئا. فأتيا غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي فردّهما إلى حرملة بن الأشعر المرّي، فردّهما إلى هرم بن سنان بن قطبة بن سيار بن عمرو الفزاري. فانطلقا حتى نزلا به. وقيل إنهما ساقا الإبل حتى أثنت وأربعت، فجعلا لا يأتيان أحدا إلا هاب أن يقضي بينهما. فقال هرم: لعمري لأحكمنّ بينكما ولأفضّلن، ولست أثق بواحد منكما، فأعطياني موثقا أطمئن به أن ترضيا بما أقول وتسلّما لما قضيت بينكما، وأمرهما بالانصراف، ووعدهما ذلك اليوم من قابل، فانصرفا. حتى إذا بلغ الأجل خرجا إليه، فخرج علقمة والأحوص ولم يتخلّف منهم أحد، معهم القباب والجزر والقدور، ينحرون في كلّ منزل ومعهم الحطيئة. وجمع عامر ببني مالك فقال: إنما تخاطرون عن أحسابكم فأجابوه وساروا معه، ولم ينهض أبو براء عامر بن مالك معه وقال لعامر: والله لا تطلع ثنية إلا وجدت الأحوص منيخا بها، وخرج معهم لبيد بن ربيعة والأعشى. وقال رجل من غني: يا عامر ما صنعت؟
أخرجت بني مالك تنافر بني الأحوص ومعهم القباب والجزر وليس معك شيء تطعمه الناس، ما أسوأ ما صنعت! فقال عامر لرجلين من بني عمه: أحصيا كلّ شيء مع علقمة، ففعلا. وقال: يا بني مالك إنها المقارعة عن أحسابكم فأشخصوا، بمثل ما شخصوا، ففعلوا. وقال لبيد:
إني امرؤ من مالك بن جعفرعلقم قد نافرت غير منفّر
نافرت سقبا من سقاب العرعر
فقال قحافة بن عوف بن الأحوص:
نهنه إليك الشعر يا لبيدواصدد فقد ينفعك الصدود
ساد أبونا قبل أن تسودواسؤددكم مطرّف زهيد
وقال الأعشى:
علقم ما أنت إلى عامرالناقض الأوتار والواتر
سدت بني الأحوص لم تعدهموعامر ساد بني عامر
وكره كل واحد من البطنين هذه المنافرة، فقال عامر بن مالك:
أؤمر أن أسبّ أبا شريحولا والله أفعل ما حييت
ولا أهدي إلى هرم لقاحافيحيي بعد ذلك أو يميت
أكلّف سعي لقمان بن عادفيا لأبي شريح ما لقيت
أبو شريح: هو الأحوص.
وقال عبد عمرو بن شريح بن الأحوص:
لحى الله وفدينا وما ارتحلا بهمن السوأة الباقي عليهم وبالها
ألا إنما يردى صفاة متينةأبى الضيم أعلاها وأثبت حالها
والأشعار في هذه القصة كثيرة وليست كلها مختارة. قال: فأقام القوم عند هرم أياما، فأرسل إلى عامر فأتاه سرّا لا يعلم به علقمة، قال: يا عامر، قد كنت أظنّ أنّ لك رأيا وأنّ فيك خيرا، وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك، أتنافر رجلا لا تفخر أنت ولا قومك إلا بآبائه، فما الذي أنت به خير منه؟ فقال عامر: أنشدك الله والرحم أن لا تفضل عليّ علقمة فوالله لئن فعلت ذاك لا أفلح بعدها، هذه ناصيتي بيدك فاجززها واحتكم في مالي، وإن كنت لا بدّ فاعلا فسوّ بيني وبينه. قال له هرم: انصرف فسوف أرى رأيي. فخرج عامر وهو لا يشكّ أنه منفّر عليه. ثم أرسل إلى علقمة سرا لا يعلم به عامر، فأتاه فقال: يا علقمة، والله إني كنت أحسب أنّ فيك خيرا.
وعاش هرم حتى أدرك خلافة عمر بن الخطاب ﵁، فسأله عمر فقال: يا هرم أي الرجلين كنت مفضّلا لو فضّلت؟ فقال: لو قلت ذلك اليوم يا أمير المؤمنين لعادت جذعة ولبلغت شعفات هجر، فقال عمر: نعم مستودع السرّ ومسند الأمر إليه يا هرم أنت، مثل هذا فليستودع وليسد العشيرة. وقال:
إلى مثلك فليستبضع القوم أحكامهم.
قال الهيثم بن عدي: قالت الأعاجم لكسرى بن هرمز: إنّ العرب لا عقول لهم ولا أحلام ولا كتاب لهم يدرسونه ولا إله يعبدونه، إنما يعبدون الحجر، فإذا أرادوا أحسن منه طرحوا الذي يعبدونه وأخذوا الذي هو أحسن منه فعبدوه،
وإنّ بعضهم يقتل بعضا. فعجب كسرى من ذلك وقال: بلغت حيلة قوم أن يكونوا على ما تصفون؟ قالوا: نعم. وكتب إلى النعمان بن المنذر يخبره بما قالت الأعاجم وأنه أنكر ذلك، وأمره أن يكتب إليه بشيء من كتبهم ليعتبر به عقولهم. فكتب النعمان إلى أكثم بن صيفي أن اكتب إلينا أمرا نبلغه عنك الملك، وأخبره بما رفع إلى الملك من قلة عقول العرب، فكتب إليه أكثم:
لن يهلك امرؤ حتى يستصغر أفعال الناس عند فعله، ويستبدّ على قومه برأيه في أموره، ويعجب بما يظهر من مروءته، ويعبر بالضعف عن قوته، والعجز عن الأمر يتأتّى له، وإنه ليس للمختال في حسن الثناء نصيب، ولا للوالي المعجب في بقاء سلطانه ظفر به، وإنه لا تمام لشيء مع العجب، ومن أتى المكروه إلى أحد فبنفسه بدأ، لقاء الأحبة مسلاة، اللهم ومن أسر ما يشتبه إعلانه فلم يعالن الأعداء بسريرته سلم الناس عليه وعظم عندهم شأنه. والغيّ أن تتكلم فوق ما يشبه حاجتك، وينبغي لمن له عقل أن لا يثق بإخاء من لم تضطرّه إليه حاجة، وأقلّ الناس راحة الحسود، من أتى بيده ما يقصده بقلبه فأعفه من اللائمة، ولا تحل رحمتك دون عقوبتك، فإن الأدب رفق، والرفق يمن؛ إنّ كثير النصح يهجم على كثير الظّنّة؛ إن أردت النصيحة فبعد إسرافك على الفضيحة؛ وانّ أكيس الكيس التّقى وأحمق الحمق الفجور.
فبعث النعمان بهذا الكتاب إلى كسرى فقرىء عليه وفسّر له، فقال لأصحابه: أهؤلاء الذين زعمتم أنهم لا عقول لهم، ما على الأرض قوم أعقل من هؤلاء وليكوننّ لهم نبأ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع