من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
مقدمة الباب (٨)
(الباب الخامس والثلاثون في أخبار العرب الجاهلية وأوابدهم، وغرائب من عوائدهم، وجمل من بلاغتهم، وعجائب من أكاذيبهم، وفنون من سيرهم ووقائعهم) للعرب أوابد وعوائد كانوا يرونها دينا، وضلالا يعتقدونه هدى، وقد دلّ على بعضها القرآن، وأكذب الله ﷿ دعاويهم فيها.
- فمن ذلك قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
(المائدة:).
قال أهل اللغة: البحيرة ناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي شقّوها، وامتنعوا من ذكاتها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع من مرعى. وكان الرجل إذا أعتق عبدا وقال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وأما الوصيلة ففي الغنم، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا يجعلونه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذّكر لآلهتهم. وأما الحامي فالذكر من الإبل، كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا حمى ظهره، فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى.
- قوله ﷿: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
(المائدة:). فالخمر ما خامر العقل، ومنه سمّيت الخمر، والميسر القمار كلّه. وأصله أنه كان قمارا في الجزور سأشرحه بعد تمام التفسير. والأنصاب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان، الواحد نصاب، وجمعه نصب، والأنصاب جمع نصب. والأزلام واحدها زلم وزلم، وهي سهام كانت لهم مكتوب على بعضها: «أمرني ربّي»، وعلى بعضها «نهاني ربّي». وروي أنّهم كان لهم آخر مكتوب عليه «متربّص»، فإذا أراد الرجل سفرا أو أمرا هو مهتمّ به ضرب بتلك القداح، فإذا خرج سهم الأمر مضى لحاجته، وإذا خرج الناهي لم يمض في أمره.
القداح عشرة؛ ذوات الحظّ منها سبعة وهي: الفذّ، والتّوأم، والرّقيب ويسمّى الضريب، والحلس، والنّافس، والمسبل، ويسمّى المصفح، والمعلّى؛ وثلاثة أغفال لا حظوظ لها وهي: السّفيح والمنيح والوغد. والمنيح له مواضع يمدح فيها ويذمّ. فالمذموم الذي لا حظّ له، والممدوح قدح يمنح أي يستعار فيدخل في القداح ثقة بفوزه أيّ قدح كان من السبعة، ويسمّى المستعار أيضا، والشجير والغريب، ومنه قول المنخّل اليشكريّ:
بمري قدحي أو شجيري
وللفذّ نصيب واحد، ولكلّ واحد واحد يلي الآخر زيادة عليه بنصيب، حتى تكون للسابع سبعة أنصبة على كلّ قدح فرض بعدد أنصبائه.
والفرض: الحزّ وربما كانت العلامات بالنار، فتلك يقال لها القرم، الواحدة قرمة، وهي السمة؛ واللواتي بلا حظوظ لا علامة عليها، ولذلك تدعى الأغفال، وإنما تجعل الأغفال بين ذوات الحظوظ لتجول فيها فيؤمن من معرفة الضارب بها. والقداح متشابهة المقادير كالنّبل، والسهم إذا لم يكن له نصل ولا ريش فهو قدح، فإذا كان ذا نصل وريش فهو سهم.
والأيسار سبعة على عدد القداح، وربما كانوا أقلّ من سبعة لأنّ الرجل يأخذ قدحين أو ثلاثة، فيكون عليه غرم الخائب يحتمله لجوده ويساره، وله حظّ الفائز منها؛ وإنما يأخذون القداح على أحوالهم ويسارهم، فالقدح لا يكثر غنمه ولا غرمه، لأنه يأخذ حظّا واحدا ويغرم واحدا. وكانوا إذا أرادوا أن ييسروا ابتاعوا ناقة بثمن مسمّى وضمنوه لصاحبها، ولم يدفعوا إليه شيئا حتى يضربوا فيعلموا على من يجب الثمن فينحرون قبل أن ييسروا وتقسم عشرة أقسام: فأحد الوركين جزء، والآخر جزء، والمنهل جزء، والكاهل جزء، والزور جزء، والملحاء جزء، والكتفان جزء وهما العضدان، والذراع جزءان، وأحد الفخذين جزء والآخر جزء؛ ثم يعمدون إلى الطفاطف، وفقر الرقبة فتفرّق على تلك الأجزاء بالسواء، فإن بقي عظم أو بضعة بعد القسم، فذلك الرّيم وهو للجازر، وسمّي بذلك لأنه فصله، والرّيم العلاوة توضع فوق الجمل، وقال الشاعر:
وكنت كعظم الرّيم لم يدر جازرعلى أيّ بدأي مقسم اللحم يجعل
فالبدء النصيب، ويستثني بائع الناقة لنفسه، وأكثر ما يستثنى الرأس والأطراف والفرث.
وربما ضربوا القداح على الإبل، وجعلوا مكان كلّ جزء من أعشار البعير جزورا أو ما شاءوا من مضاعفة العدد. وإذا أرادوا أن يفيضوا بالقداح أحضروا رجلا يسمّونه الحرضة، لأنه نذل من الرجال لا يأكل لحما بثمن، إنما يستطعمه، فشدّوا عينيه ثم ألقوا على يديه مجولا، وهو ثوب أبيض، لئلا يفهم مجسّة القداح ويعصب على يديه الرّبابة، وهي سلفة فيها القداح كالخريطة الواسعة تستدير فيها القداح وتستعرض وتجلجل، ومخرجها يضيق عن أن يخرج منه قدحان، ويؤتى برجل فيقعد أمينا عليها يقال له الرقيب.
قال أبو ذؤيب يذكر حميرا:
فوردن والعيّوق مقعد رابىء الضضرباء خلف النّجم لا يتتلّع
النجم ها هنا الثريّا، شبّه العيوق وراءها برابىء الضّرباء وهو الرقيب، لأنه يربأ أي يشرف، فإذا قعد قعد الرّقيب وراءه بعد شدّ عينيه وشدّ الرّبابة على يديه.
وقيل جلجل، فيجلجلها مرتين أو ثلاثا، ثم يفيضها؛ والإفاضة أن يدفعها دفعة واحدة إلى قدّام ليخرج منها قدح، وكذلك الإفاضة من الحجّ، إنما هي من عرفات للدفع إلى جمع. فإذا برز منها قدح قام الرّقيب فأخذه ونظر إليه، فإن كان غفلا ردّه في الرّبابة وقال للحرضة: جلجل، وكان الخارج لغوا لا غنم فيه ولا غرم، وإن كان من السبعة دفعه إلى صاحبه فأخذ نصيبه، ثم تعاد الجلجلة والإفاضة، فإذا خرج من القداح ما يستوعب جميع الأعشار قطع الإفاضة، وكان ثمن الجزور على الذين لم تخرج قداحهم موزّعا في قدر سهامهم إن استوت حظوظ السّهام والأعشار، فإن زادت الحظوظ الخارجة عن عشرة كان غرم الزيادة لأرباب القداح الفائزة على من لم تخرج قداحه مع ثمن الجزور على قدر سهامهم أيضا، وربما حضر بعد فوز الواحد والاثنين من يسألهم أن
يدخل قدحه في قداحهم فيفعلون، وهذا يعدّونه من شريف فعالهم لأنه من كرم النفس وسعة الخلق.
قال المرقش:
جديرون أن لا يحبسوا مجتديهمللحم وأن لا يدرءوا قدح رادف
الرادف الذي يجيء بعد إغلاق الخطر.
- وأد البنات: ومن أوابدهم وأد البنات، نهاهم الله ﷿ عنه في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
(الإسراء:). وكانوا يقتلونهنّ كما ذكر تعالى خشية إملاق، وقد ذكر أنّهم كانوا يقتلونهنّ خوف العار وأن يسبين وليس يمتنع وقوع السبّبين، وقد جاءت أخبارهم دالّة عليهما.
وكان قيس بن عاصم المنقريّ يئد بناته، وكان من وجوه قومه له من المال ما شاء.
فمن قتلهم إيّاهنّ خشية الإملاق ما روي عن صعصعة بن ناجية المجاشعيّ جدّ الفرزدق أنه لما أتى النبيّ ﷺ قال: يا رسول الله إني كنت أعمل عملا في الجاهلية، فينفعني ذلك اليوم؟ قال: وما عملك؟ قال: أضللت ناقتين عشراوين، فركبت جملا ومضيت في بغائهما فرفع لي بيت جريد فقصدته، فإذا رجل جالس بفناء الدار، فسألته عن الناقتين فقال: ما تارهما؟ قلت: ميسم بني دارم، قال: هما عندي، وقد أحيا الله بهما قوما من أهلك من مضر. فجلست معه فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت فقال لها: ما وضعت فإن كان سقبا
شاركنا في أموالنا، وإن كانت حائلا وأدناها، فقالت العجوز: وضعت أنثى، قلت: أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها؟ قال، قلت: وإنما أشتري حياتها ولا أشتري رقّها، قال: فبكم؟ قلت: احتكم، قال: بالناقتين والجمل، قلت: ذلك لك على أن يبلغني الجمل وإيّاها، قال: ففعل. فآمنت بك يا رسول الله وقد صارت لي سنّة على أن أشتري كلّ موؤدة بناقتين عشراوين وجمل، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موؤدة قد أنقذتها. فقال رسول الله ﷺ: لا ينفعك ذلك لأنك لم تبتغ به وجه الله ﷿، وإن تعمل في إسلامك عملا صالحا تثب عليه، فذلك قول الفرزدق يفتخر به:
وجدّي الذي منع الوائدينوأحيا الوئيد فلم توءد
وفاخر الفرزدق رجلا عند بعض خلفاء بني أميّة فقال: أنا ابن محيي الموتى، فأنكر ذلك من قوله، فقال: إنّ الله ﷿ يقول: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
(المائدة:) وجدّي منع من وأد البنات واشتراهنّ بماله، فذلك الإحياء، فقال الخليفة: إنك مع شعرك لفقيه.
قوله: عشراوان، العشراء الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر، وحمل الناقة سنة، وقد تسمّى النّوق بعدما تضع عشارا، والجريد المنفرد، يقال انجرد الجمل إذا انتحى عن الإناث فلم يترك معها. وقوله: وإن كان سقبا وإن كانت حائلا، قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة فولدها سليل قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى، فإذا علم فإن كان ذكرا فهو سقب وأمّه مسقب، وإن كانت أنثى فهي حائل وأمّها أمّ حائل، قال الهذليّ:
فتلك التي لا يبرح القلب حبّهاولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل
وهي مؤنث، وقد آنثت أي جاءت بأنثى، وقد أذكرت فهي مذكر إذا
جاءت بذكر، وإن كان من عادتها أن تضع الإناث فهي مئناث، وإن كان من عادتها أن تضع الذكور فهي مذكار، وإذا قوي ومشى مع أمّه فهو راشح، والأم مرشح، وإذا حمل في سنامه شحما فهو محدود معكر، ثم هو ربع، وسئل العجاج عن الرّبع، فقال: الرّبع ما نتج في أوّل الربيع والهبع ما نتج في آخره، فإذا مشى الهبع مع الرّبع أبطره ذرعا فهبع بعنقه أي استعان به. ثم هو حوار، فإذا فصل عن أمّه- والفصال الفطام- فهو فصيل والجمع فصلان، ومنه الحديث: «لا رضاع بعد فصال». فإذا أتى عليه حول فهو ابن مخاض، وإنما سمّي ابن مخاض لأنّ أمّه لحقت بالمخاض وهي الحوامل، وإن لم تكن حاملا، فإذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة فهو ابن لبون، والأنثى بنت لبون، وإنما سمّي ابن لبون لأنّ أمّه كانت من المخاض في السنة الثانية، فإذا وضعت في الثالثة، فصار لها ابن فهي لبون، وهو ابن لبون، فلا يزال كذلك حتى يستكمل الثالثة، فإذا دخل الرابعة فهو حينئذ حقّ، والأنثى حقّة لأنها قد استحقّت أن يحمل عليها وتركب، فإذا استكمل الرابعة ودخل في الخامسة فهو جذع، والأنثى جذعة، فإذا دخل في السادسة فهو ثنيّ والأنثى ثنيّة، فإذا دخل في السابعة فهو رباع والأنثى رباعيّة، فإذا دخل في الثامنة فهو سديس وسدس، والأنثى سديسة. فإذا دخل في التاسعة وبزل نابه يبزل فهو بازل، يقال بزل نابه يبزل بزولا وشقأ يشقأ شقوءا، أو شقأ وشقىء أيضا، وشقّ يشقّ شقوقا، وفطر يفطر فطورا، وبزغ وصبأ وعرد عرودا، فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف، ثم ليس له اسم بعد الإخلاف، ولكن يقال بازل عام وبازل عامين ومخلف عام ومخلف عامين.
ب- وممّن ذكر أنّ الوأد كان خوف العار أبو عبيدة معمر بن المثنّى قال: منعت تميم النعمان بن المنذر الإتاوة وهي الأربان، فوجّه إليهم أخاه الريّان بن
المنذر، وكانت للنعمان خمس كتائب: إحداهنّ الوضائع، وهم قوم من الفرس، كان كسرى بعثهم عنده عدّة ومددا، فيقيمون سنة عند الملك من ملوك لخم، فإذا كان رأس الحول ردّهم إلى أهليهم وبعث بمثلهم؛ وكتيبة يقال لها الشهباء وهي أهل بيت الملك، وكانوا بيض الوجوه يسمّون الأشاهب؛ وكتيبة ماكثة يقال لها الصنائع، وهم صنائع الملك، أكثرهم من بكر بن وائل؛ وكتيبة رابعة يقال لها الرهائن، وهم قوم كان يأخذهم من كلّ قبيلة فيكونون رهنا عنده، ثم يوضع مكانهم مثلهم؛ والخامسة دوسر، وهي كتيبة ثقيلة تجمع فرسانا وشجعانا من كلّ قبيلة. فأغزاهم أخاه وكلّ من معه من بكر بن وائل، فاستقاق النّعم وسبى الذراري، فوفدت إليه بنو تميم، فلما رآها أحبّ البقيا فقال النعمان:
ما كان ضرّ تميما لو تعمّدهامن فضلنا ما عليه قيس عيلان
فأثاب القوم وسألوه النساء، فقال النعمان: كلّ امرأة اختارت أباها تركت عليه، فكلّهن اخترن آباءهنّ إلّا ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمرو ابن المشمرج، فنذر قيس ألّا يولد له ابنة إلا قتلها، واعتلّ بهذا من وأد وزعم أنّه أنفة وحميّة.
وبمكّة جبل يقال له أبو دلامة كانت قريش تئد فيه البنات، وخبر قيس مع النبي ﷺ في ذلك قد ذكر في موضع آخر.
- قوله ﷿: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
(التوبة:
)، النسيء تأخير الشيء، وكانوا يحرّمون القتال في المحرّم، ثم إذا عزموا أن يقاتلوا فيه جعلوا صفرا كالمحرّم وقاتلوا في المحرّم وأبدلوا صفرا منه. فأعلم الله ﷿ أنّ ذلك زيادة في كفرهم ليواطئوا عدّة ما حرّم الله، فيجعلوا صفرا
كالمحرّم في العدد، ويقولون: إنّ هذه أربعة أشهر بمنزلة أربعة، والمواطأة المماثلة والموافقة. والأشهر الحرم: المحرّم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
- الرّتم شجر معروف. كانت العرب إذا خرج أحدهم إلى سفر عمد إلى هذا الشجر فعقد غصنا منه بغصن، فإذا عاد من سفره إن وجده قد انحلّ قال: قد خانتني امرأتي، وإن وجده على حاله قال: لم تخنّي. وذلك قول الشاعر:
هل ينفعنك اليوم إن همّت بهمّكثرة ما توصي وتعقاد الرّتم
- البليّة: ناقة. كانت العرب إذا مات أحدهم عقلوا ناقة عند قبره وشدّوا عينيها حتى تموت، يزعمون أنه إذا بعث من قبره ركبها، وذلك قول الحارث بن حلّزة اليشكريّ:
أتلهي بها الهواجر إذ كلل ابن همّ بليّة عمياء
- اغلاق الظهر: كان الرجل منهم إذا بلغت إبله مائة عمد إلى البعير الذي أمأت به فأغلق ظهره لئلا يركب ويعلم أنّ صاحبه تمأى، وإغلاق ظهره أن ينزع سناسن فقره ويعقر سنامه.
- التعمية والتفقئة: كان الرجل إذا بلغت إبله ألفا فقأ عين الفحل، يقول إنّ ذلك يدفع عنها العين والغارة. قال الشاعر:
وهبتها وأنت ذو امتنانتفقأ فيها أعين البعران
فإذا زادت الإبل على الألف فقأ العين الأخرى فهو التعمية.
- العتيرة: كان الرجل منهم يأخذ الشاة فيذبحها ويصبّ دمها على رأس صنم، وتسمّى الشاة العتيرة والمعتورة، وذلك يكون في رجب، وفيهم من يضنّ بالشاة فيذبح عنها الظّباء، وذلك قول الحارث بن حلّزة:
عنتا باطلا وزورا كما تعتر عن حجرة الرّبيض الظّباء
- العرّ: داء يأخذ الإبل شبيه بالجرب، كانوا يكوون السليم ويزعمون أنّ ذلك يبرىء ذا العرّ، وذلك قول النابغة:
حملت عليّ ذنبه وتركتهكذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
- ضرب الثور عن البقر: كانوا إذا امتنعت البقر من شرب ضربوا الثور، ويزعمون أنّ الجنّ تركب الثيران فتصدّ البقر عن الشرب، وذلك قول الشاعر:
كالثور يضرب لما عافت البقر
- عقد السّلع والعشر: كانوا إذا استمطروا في الجدب يعمدون إلى البقر فيعقدون في أذنابها السّلع والعشر، ثم يضرمون فيها النار ويصعدونها في الجبل، ويزعمون أنهم يمطرون في الوقت.
- دائرة المهقوع: وهو الفرس الذي به الدابرة التي تسمّى الهقعة، يزعمون أنه إذا عرق تحت صاحبه اغتلمت حليلته وطلبت الرجال، قال الشاعر:
إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظتحليلته وازداد حرّا عجانها
- وطء المقاليت: المقلات التي لا يعيش لها ولد، يزعمون أنّ المرأة المقلات إذا وطئت قتيلا شريفا عاش أولادها. قال بشر بن أبي خازم:
تظلّ مقاليت النّساء يطأنهيقلن ألا يلقى على المرء مئزر
- الهامة: زعموا أنّ الإنسان إذا قتل ولم يطلب بثأره خرج من رأسه طائر يسمّى الهامة، وصاح على قبره: أسقوني! إلى أن يدرك ثأره، وذلك قول ذي الإصبع:
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتيأضربك حيث تقول الهامة اسقوني
- الصّفر: زعموا أنّ الإنسان إذا جاع عضّ على شرسوفه الصّفر، وهي حية تكون في البطن، وذلك قول أعشى باهلة، ويروى لأخت المنتشر الباهلي:
لا يتأرّى لما في القدر يرقبهولا يعضّ على شرسوفه الصّفر
- تثنية الضربة: زعموا أنّ الحية تموت من أوّل ضربة فإذا ثنّيت عاشت، قال تأبّط شرّا:
فقالت عد رويدك قلت إنيعلى أمثالها ثبت الجنان
- حيض الضبع: يقولون إنّ الضبع تحيض وإنها تنتاب جيف القتلى فتركب كمرها، وحملوا قول الشاعر على هذا:
تضحك الضّبع لقتلى هذيلوترى الذئب لها يستهلّ
وللعرب أقوال وأفعال تناسب هذه الأوابد وهي دونها في الاشتهار والالتزام.
- كانوا يقولون: من علّق عليه كعب الأرنب لم تصبه عين ولا سحر، وذلك أنّ الجنّ تهرب من الأرنب لأنها تحيض وليست من مطايا الجنّ.
وقيل لبعضهم: أحقّ ما يقولون: إنّ من علّق على نفسه كعب أرنب لم يقربه جنّان الحيّ وعمّار الدار؟ قال: إي والله! وشيطان الحماطة وجانّ العشيرة وغول القفر وكلّ الخوافي، إي والله! ويطفىء عنه نيران السعالي.
- وزعموا أنّ الإنسان إذا غشي ثم قلي له سنام وكبد فأكله، فكلما أكل لقمة مسح جفنه الأعلى بسبّابته وقال: يا سنام وكبد، ليذهب الهدبد ليس شفاء هدبد إلا سنام وكبد، عوفي. والهدبد العشاء.
- ويزعمون أنّ المرأة إذا أحبت رجلا وأحبها ثم لم تشقّ عليه رداءه ويشقّ عليها برقعها فسد حبّهما، فإذا فعلا ذلك دام حبّهما.
- ويزعمون أنّ الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحبّ الناس إليه ذهب الخدر عنه. قالت امرأة من كلاب:
إذا خدرت رجلي ذكرت ابن مصعبفإن قلت عبد الله أجلى فتورها
- ويزعمون أنّ الرجل إذا دخل قرية فخاف وباءها فوقف على بابها قبل أن يدخلها فعشر كما ينهق الحمار لم يصبه وباؤها. قال عروة بن الورد:
لعمري لئن عشّرت من خشية الرّدىنهاق الحمير إنني لجزوع
- ويزعمون أنّ الحرقوص، وهو دويبة أكبر من البرغوث، يدخل أحراح الأبكار فيفتضّهنّ. وأنشدوا:
ما لقي البيض من الحرقوصمن مارد لصّ من اللصوص
يدخل بين الغلق المرصوصبمهر لا غال ولا رخيص
- لوجدان الضالة: يزعمون أنّ الرجل إذا ضلّ قلب ثيابه فاهتدى.
- ويزعمون أنّ الذئاب إذا ظهر بأحدها دم أحال عليه صاحبه فقتله.
- وكانوا يكرهون نوء السّماك ويقولون فيه داء الإبل.
- ويزعمون أنّ الكلاب تنبح السماء في الخصب، وكلما ألحّت عليها السماء بالمطر نبحت. قال الشاعر:
وما لي لا أغزو وللدهر كرّةوقد نبحت نحو السماء كلابها
وكانوا إذا نفرت الناقة ذكروا اسم أمّها وزعموا أنها تسكن حينئذ.
ويقولون سبب بكاء الحمام أنه أضلّ فرخا على عهد نوح ﵇، فهو يبكيه، وهو الهديل.
- خرزة السلوان: ولهم خرزة يزعمون أنّ العاشق إذا حكّها وشرب ما يخرج منها صبر ويسمّى السلوان، قال رؤبة:
لو أشرب السلوان ما شفيتما بي غنى عنك وإن غنيت
- نكاح المقت: ونكاح المقت من سننهم، وهو أنّ الرجل إذا مات قام أكبر ولده فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها، فإن لم يكن له فيها حاجة تزوّجها بعض إخوته بمهر جديد، فكانوا يرثون نكاح النساء كما يرثون المال.
ويقولون: إنّ الدّبران خطب الثريّا، وأراد القمر أن يزوّجه فأبت عليه وولّت عنه، وقالت: ما أصنع بهذا السّبروت الذي لا مال له؟
فجمع الدّبران قلاصه يتموّل بها، وهو يتبعها حيث توجّهت يسوق صداقها قدّامه، يعنون القلاص.
ويزعمون أنّ الجدي قتل نعشا فبناته تدور تريده كما قيل: ابن من غير الجنّ والإنس، فإنه إذا جمع قيل: بنات، كما يقال: بنات الماء لضرب من الطير، الواحد ابن ماء.
قال ذو الرمّة:
على قمة الرأس ابن ماء محلّق
وقال الآخر وجمع:
صياح بنات الماء أصبحن وقّعا
وكذاك بنات آوى وبنات عرس وبنات أوبر وبنات النقا، كلّ واحد من هذه البنات ابن، ولم يأت في ذلك مذكر إلا في بيتين شاذّين عن الباب؛ قال الأعشى:
حتى يقيدك من بنيه رهينةنعش ويرهنك السّماك الفرقد
وقال نابغة بني جعدة:
تمزّزتها والديك يدعو صباحهإذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
وزعموا أنّ سهيلا خطب الجوزاء فركضته برجلها فطرحته حيث هو، وضربها هو بالسيف فقطع وسطها.
- يقولون: كان سهيل والشعريان مجتمعة وانحدر سهيل فصار يمانيا، وتبعته العبور فعبرت إليه المجرّة، وأقامت الغميصاء فبكت حتى غمصت.
- ويقولون: إنّ الله تعالى لم يدع ماكسا إلا أنزل به بليّة، وإنه مسخ منهم اثنين ذئبا وضبعا؛ وإنّ الضبّ وسهيلا كانا ماكسين فمسخ الله أحدهما في الأرض والآخر في السماء، وفي ذلك يقول الحكم بن عمرو البهرانيّ:
مسخ الماكسين ضبعا وذئبافلهذا تناجلا أم عمرو
مسخ الضبّ في الجدالة قدماوسهيل السماء عمدا بصغر
الجدالة: الأرض.
- ومن أكاذيبهم ما حكاه أبو عمرو الجرمي، قال: سألت أبا
عبيدة عن قول الراجز:
أهدّموا بيتك لا أبا لكاوزعموا أنك لا أخا لكا
وأنا أمشي الدّألى حوالكا
فقلت: لمن هذا الشّعر؟ قال: يقول العرب هذا يقوله الضبّ للحسل أيام كانت الأشياء تتكلّم. الدّألى: مشي كمشي الذئب، يقال هو يدأل في مشيته إذا مشى كمشية الذئب، ومنه قول امرىء القيس:
«أقبّ حثيث الرّكض والدّألان»
ومن روى بيت ابن عنمة الضبيّ:
«تعارضه مربّبة دؤول»
بالدال غير معجمة أراد هذا، ومن قال «ذؤول» بالذال معجمة أراد السرعة، يقال: مرّ يذأل أي يسرع.
وزعموا أنّ الضبّ قاضي الطير والبهائم، وأنها اجتمعت إليه أوّل ما خلق الإنسان فوصفوه له فقال: تصفون خلقا ينزل الطير من السماء ويخرج الحوت من الماء، فمن كان ذا جناح فليطر، ومن كان ذا مخلب فليحتفر.
ومن دعاويهم أنّ أبا عروة كان يزجر الذئاب ونحوها مما يغير على الغنم، فيفتق مرارة السّبع في جوفه، فذلك قول النابغة الجعدي:
زجر أبي عروة السباع إذاأشفق أن يختلطن بالغنم
وقال من يطعن في هذا، السبع أشدّ أبدا من الغنم، فإذا فعل ذلك بالسبع
هلكت الغنم قبله، وقال من يحتجّ له: إنّ الغنم كانت قد أنست بهذا منه.
- ويزعمون أنّ عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب قال لابني الجون الكنديين يوم جبلة: إنّ لي عليكما حقا لرحلتي ووفادتي، فدعوني أنذر قومي من موضعي هذا، فقالوا: شأنك. فصرخ بقومه فأسمعهم على مسيرة ليلة.
وذكروا أنّ أبا عطية عفيفا في الحرب التي كانت بين ثقيف وبني نصر نادى: يا سوء صباحاه، أتيتم يا بني نصر، فأسقطت الحبالى بصيحته فقيل فيه:
وأسقط أحبال النساء بصوتهعفيف وقد نادى بنصر فثوّبا
- قال التوّزي: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار فقال: إنّ العجم تكذب فتقول: كان رجل ثلثه من نحاس وثلثه من نار وثلثه من ثلج، فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه.
- قال أبو العميثل: تكاذب أعرابيّان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس لي، فإذا أنا بظلمة شديدة فيمّمتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل عليها بفرسي حتى أبهتّها فانجابت. فقال الآخر: لقد رميت ظبيا مرة بسهم فعدل الظبي يمنة فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، ثم انحدر فانحدر حتى أخذه.
- وكان عمرو بن معدي كرب الزبيدي معروفا بالكذب على رئاسته في قومه وتقدّمه وبسالته، وكان أشراف الكوفة يظهرون بالكناسة على
دوابّهم فيتحدّثون إلى أن تطردهم الشمس. فوقف عمرو بن معدي كرب وخالد ابن الصقعب النّهديّ، فأقبل عمرو يحدّثه فقال: أغرنا مرة على بني نهد فخرجوا مسترعفين بخالد بن الصقعب، فحملت عليه فطعنته فأرديته ثم ملت عليه بالصمصامة فأخذت رأسه. فقال له خالد: حلّا أبا ثور، إنّ قتيلك هو المحدّث، فقال له: يا هذا إذا حدّثت بحديث فاستمع، فإنما نتحدّث بمثل ما تسمع لنرهب به هذه المعيدية.
قوله مسترعفين أي متقدمين، يقال: جاء فلان يرعف الجيش، ويؤمّ الجيش إذا جاء متقدّما لهم، وقوله: حلّا أي استثن، يقال: حلف ولم يحلّل.
- وقد زعموا أنّ رجلا نظر إلى ظبية فقال له أعرابيّ: أتحبّ أن تكون لك؟ قال: نعم، قال: فأعطني أربعة دراهم حتى أردّها إليك، ففعل؛ فخرج يمحص في أثرها، وجدّ حتى أخذ بقرنيها فجاء بها وهو يقول:
وهي على البعد تلوّي خدّهاتريغ شدّي وأريغ شدّها
كيف ترى عدو غلام ردها
- ويحكون في خبر لقمان بن عاد أنّ جارية له سئلت عما بقي من بصره، فقالت: والله لقد ضعف، ولقد بقيت منه بقيّة، وأنه ليفصل بين أثر الأنثى والذكر من الذر إذا دبّ على الصّفا.
- قال حماد الراوية: قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها:
أرأيت قول أبيك:
بني عامر هل تعرفون إذا غداأبو مكنف قد شدّ عقد الدوابر
بجيش تضلّ البلق في حجراتهترى الأكم منه سجّدا للحوافر
يقول: لكثرة الجيش يطحن الأكم حتى يلصقها بالأرض.
وجمع كمثل اللّيل مرتجس الوغىكثير تواليه سريع البوادر
أبت عادة للورد أن يكره الوغىوعادة رمحي في نمير وعامر
هل حضرت مع أبيك هذه الوقعة؟ قال: نعم، قلت: فكم كانت خيلكم؟
قال: ثلاثة أفراس أحدها فرسه. فذكرت هذا لابن أبي بكير الهذليّ، فحدّثني عن أبيه وقال: حضرت يوم جبلة- وقد بلغ مائة سنة وأدرك أيام الحجاج- قال: فكانت الخيل في الفريقين مع ما كان لابني الجون ثلاثين فرسا. قال فحدّثت بهذا الحديث الخثعميّ، وكان راوية أهل الكوفة، فحدّثني أنّ خثعم قتلت رجلا من بني سليم بن منصور فقالت أخته ترثيه:
لعمري وما عمري عليّ بهيّنلنعم الفتى غادرتم آل خثعما
وكان إذا ما أورد الخيل بيشةإلى جنب أشراج أناخ فحمحما
فأرسلها زهوا رعالا كأنهاجراد زهته ريح نجد فأتهما
فقيل لها: كم كانت خيل أخيك؟ قالت: اللهم إني لا أعرف إلا فرسه.
- وسأل الحجاج محمد بن عبد الله بن نمير الثقفيّ عن قوله في أخته زينب بنت يوسف حيث شبّب بها:
ولما رأت ركب النّميريّ أعرضتوكنّ من ان يلقينه حذرات
كم كان ركبك يا نميري؟ قال: والله إن كنت إلا على حمار هزيل ومعي رفيق لي على أتان مثله. ويقال بل قال كان معي ثلاثة أحمرة أجلب عليها القطران.
- وعلى هذا قول مهلهل:
فلولا الريح أسمع من بحجرصليل البيض تقرع بالذكور
وإنما كانت الوقعة بعنيزة، وهي من حدود الشام فكم بينها وبين حجر اليمامة؟
- وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى عمّن حدّثه أنّ بكر بن وائل أرادت الغارة على قبائل تميم فقالوا إن علم بنا السّليك أنذرهم، فبعثوا فارسين على جوادين يريغان السّليك، فبصرا به فقصداه، وخرج يحضر كأنه ظبي، وطارداه سحابة يومهما، فقالا: هذا النهار ولو جنّ عليه الليل لقد فتر. فجدّا في طلبه، فإذا بأثره قد بال فرغا في الأرض وقد خدّها، فقالا: قاتله الله ما أشدّ متنه، ولعلّ هذا كان من أوّل الليل. فلما اشتدّ به العدو فتر، فاتّبعاه، فإذا به قد عثر بأصل شجرة فندر منها كمكان تلك، وانكسرت قوسه فارتزّت قصدة منها في الأرض فنشبت. فقالا: قاتله الله، والله لا نتبعه بعد هذا، فرجعا عنه. فأتمّ إلى قومه فأنذرهم فلم يصدّقوه لبعد الغاية عنه. ففي ذلك يقول:
يكذّبني العمران: عمرو بن جندبوعمرو بن عمرو والمكذب أكذب
ثكلتهما إن لم أكن قد رأيتهاكراديس يهديها إلى الحيّ موكب
كراديس فيها الحوفزان وحولهفوارس همّام متى يدع يركبوا
فصدقه قوم فنجوا، وكذّبه الباقون فورد عليهم الجيش فاكتسحهم.
وكان تأبّط شرا عجبا، وهو من العدائين الفتّاك الشجعان،
وكان يسبق الخيل عدوا على رجليه هو والشّنفرى الأزديّ وعمرو بن برّاق، وله أخبار تبعد عن الصحّة. وهو ثابت بن جابر بن سفيان بن عديّ بن كعب بن حرب بن شيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن غيلان. فمن أخباره أنه كان يأتي امرأة يقال لها الزرقاء، وكان لها ابن من هذيل معها في أهلها، فقال لها ابنها وهو غلام قد قارب الحلم: ما هذا الرجل عليك؟ قالت: عمك، إنه كان صاحبا لأبيك. فقال لها: إني والله ما أدري ما شأنه، ولا رأيته عندك! والله لئن رأيته عندك لأقتلنّه قبلك. فلما رجع إليها تأبّط شرا أخبرته الخبر فقالت: إنه شيطان من الشياطين! والله ما رأيته مستثقلا نوما قط، ولا ممتلئا ضحكا قط، ولا همّ بشيء قط مذ كان صغيرا إلا فعله؛ ولقد حملته فما رأيت عليه دما حتى وضعته، وحملته وإني لمتوسّدة سرجا في ليلة هرب، وإنّ نطاقي لمشدود وإنّ على أبيه لدرع حديد، فاقتله، فأنت والله أحبّ إليّ منه. قال: أفعل. فمرّ به وهو يلعب مع الغلمان فقال: انطلق معي أهبك نبلا. فمشى معه شيئا ثم وقف:
وقال: لا أرب لي في نبلك. ثم رجع فلقي أمّه فقال: والله ما أقدر عليه. وحال بينهما الغلام سنوات، ثم قال لها: إني قاتله، أغزو به فأقتله، فقالت: افعل.
فقال تأبّط شرا للغلام: هل لك في الغزو؟ قال: نعم. فخرج معه غازيا لا يرى له غرّة حتى مرّ بنار ليلا، وهي نار بني أم قترة الفزاريين، وكانوا في نجعة. فلما رأى تأبّط شرا النار وقد عرفها وعرف أهلها وأنهما لا يلقيان شيئا إلا أهلكاه، أكبّ على رجله وقال: بهشت بهشت! النار النار! فخرج الغلام يهوي قبل النار حتى صادف عليها رجلين فواثباه فقتلهما جميعا، ثم أخذ جذوة من النار وأقبل يهوي إليه، فلما رأى النار تهوي قبله قال في نفسه: قتل والله واتبعوا أثره.
قال تأبّط فخرجت أسعى حتى إذا بلغت النار حيث كنت استدرت طوفا أو طوفين ثم اتّبعت أثره. فما نشب أن أدركني ومعه جذوة من نار ويطرد إبل القوم، فقال: ما لك ويلك! أتعبتني منذ الليلة، قال: قلت إني والله ظننت أنك قتلت، قال: لا والله، بل قتلت الرجلين، عاديت بينهما.
قال أبو عمرو وقد سمعت ابن أنس السلمي يقول: ليسا من بني فزارة إنما هما ابنا قترة من الأزد، ولقد لقيت أهل ذلك البيت وحدثتهم.
فقال تأبّط شرا لصاحبه: الهرب الهرب الآن! فالطلب والله في أثرك. ثم أخذ به غير الطريق، فما سار إلا ساعة أو قليلا حتى قال له الغلام: أنت مخطىء، الطريق ما تستقيم الريح فيه. قال: قلت فأين؟ قال هذا المكان، فو الله ما جرم أن استقبل الطريق، وما كان سلكها قط. فأصبحنا فما برحت أطرد به حتى رأيت عينيه كأنهما خيط، فقلت: انزل فقد أمنت، فقال: هل تخاف شيئا؟ قلت له: لا، قال: فنزلنا وأنخنا الإبل، ثم انتبذنا فنام في طرفها ونمت في الطرف الآخر ورمقته حتى أوى إلى نفسه وخط طرفاه نوما. فقمت رويدا فإذا هو قد استوى قائما فقال: ما شأنك؟ فقلت: سمعت حسّا في الإبل، فطاف معي بينها حتى استثرناها، فقال: والله ما أرى شيئا، أتخاف أن تكون نمت وأنت تخاف شيئا؟ فقلت: لا والله لقد أمنت، فقال: فنم. فنمت ونام، فقلت: عجلت أن يكون استثقل نوما فأمهلته حتى أوى إلى نفسه وتملا، فقمت رويدا فإذا هو قد استوى قائما فقال: ما شأنك؟ قلت: سمعت حسّا في الإبل، قال: أتخاف شيئا؟ قلت: لا والله، قال: فنم ولا تعد فإني قد ارتبت منك.
قال: فأمهلته حتى أدى نفسه واستثقل نفسه نوما فقذفت بحصاة إلى رأسه فو الله ما عدا أن وقعت فوثب وتناومت، فأقبل فركضني برجله فقال: أنائم أنت؟
قلت: نعم، قال: أسمعت ما سمعت؟ قلت: لا، قال: والله لقد سمعت مثل بركة الجزور عند رأسي، قال: وطفت معه في البرك، فلم ير شيئا فرجع إلى مكانه ورجعت، فلما استثقل نوما، قذفت بحصاة إلى رأسه. فو الله ما عدا أن وقعت فوثب وتناومت فجاء فركضني برجله وقال: أسمعت ما سمعت؟ قلت له: لا، قال: والله لقد سمعت عند رأسي مثل بركة الجزور. فطاف فلم ير شيئا، ثم أقبل عليّ مغضبا توقّد عيناه، فقال: أتخاف شيئا؟ قلت: لا، قال والله لئن أيقظتني ليموتنّ أحدنا: أنا أو أنت. ثم أتى مضجعه، قال: فو الله لقد بتّ
أكلؤه أن يوقظه شيء. وتأملته مضطجعا فإذا هو على حرف لا يمسّ الأرض منه إلا منكبه وحرف ساق، وإنّ سائر ذلك لناشز منه. فلما فرغ من نومه قال: ألا تنحر جزورا فنأكل منها؟ قال: قلت بلى، فنحرنا جزورا فاشتوينا منها واحتلب ناقة فشرب ثم خرج يريد المذهب، وراث عليّ جدا. فلما ارتبت اتّبعت أثره، فأجده مضطجعا على مذهبه، وإذا يده داخلة في جحر وإذا رجله منتفخة مثل الوتر، وإذا هو قد مات. فانتزعت يده من الجحر، وإذا به قابض على رأس أسود، وإذا بهما ميتان.
فقال تأبّط شرا في ذلك:
ولقد سريت على الظلام بمغشمجلد من الفتيان غير مثقّل
وهي أبيات الحماسة المشهورة.
- ومن أخباره التي تشبه أكاذيب العرب ودعاويهم: أنه قتل الغول وقال في ذلك:
ألا من مبلغ فتيان فهمبما لاقيت عند رحى بطان
وإني قد لقيت الغول تهويبسهب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها كلانا نضو أرضأخو سفر فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي فأهوىلها كفّي بمصقول يمان
فأضربها بلا دهش فخرّتصريعا لليدين وللجران
الجران: جلد الحلق، وسمّي جران العود بسوط كان في يده من جران عوده.
فقالت عد فقلت لها رويدامكانك إنني ثبت الجنان
فلم أنفكّ متّكئا لديهالأنظر مصبحا ماذا دهاني
إذا عينان في رأس قبيحكرأس الهرّ مسترق اللسان
وساقا مخدج وسراة كلبوثوب من عباء أو شنان
- كان من خبر سجاح وادّعائها النبوّة وتزويج مسيلمة إياها أنّ سجاح التميمية ادّعت النبوّة بعد وفاة رسول الله ﷺ، فاجتمعت عليها بنو تميم وكان فيما ادّعت أنه أنزل عليها:
«يا أيها المتقون، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكنّ قريشا قوم يبغون».
واجتمعت بنو تميم كلّها لنصرها، وكان فيهم الأحنف بن قيس وحارثة بن بدر ووجوه بني تميم كلّها. وكان مؤذّنها شبث بن ربعي الرياحي، فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذّاب وهو باليمامة، فقالت: يا معشر تميم، اقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كل هامة، وأضرموا فيها نارا ملهامة، حتى تتركوها سوداء كالحمامة.
وقالت لبني تميم: إنّ الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة، وإنما جعله في مضر، فاقصدوا هذا الجمع، فإذا فضضتموه كررتم على قريش. فسارت في قومها وهم الدّهم الداهم. وبلغ مسيلمة خبرها، فضاق به ذرعا وتحصّن في حجر حصن اليمامة. وجاءت في جيوشها فأحاطت به. فأرسل إلى وجوه قومه وقال: ما ترون؟
قالوا: نرى أن تسلّم الأمر إليها وتدعنا، فإن لم تفعل فهو البوار.
وكان مسيلمة داهية، فقال: سأنظر في هذا. ثم بعث إليها أنّ الله ﵎ أنزل عليك وحيا وأنزل عليّ وحيا، فهلمّي نجتمع ونتدارس ما أنزل علينا، فمن عرف الحقّ نفعه، واجتمعنا فأكلنا العرب أكلا بقومي وقومك.
فبعثت إليه: أفعل. فأمر بقبّة أدم فضربت، وأمر بالعود المندل فسجر فيها، وقال: أكثروا من الطّيب والمجمر، فإنّ المرأة إذا شمّت رائحة الطّيب ذكرت الباءة. ففعلوا ذلك. وجاءها رسوله يخبرها بأمر القبّة المضروبة للاجتماع، فأتته فقالت: هات ما أنزل الله عليك، فقال:
«ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، ما بين صفاق وحشا، من بين ذكر وأنثى، وأموات وأحيا، ثم إلى ربّهم يكون المنتهى».
قالت: وماذا؟ قال: «ألم تر أنّ الله خلقنا أفواجا، وجعل النّساء لنا أزواجا، فنولج فيهنّ قعسا إيلاجا، ونخرجها منهنّ إذا شئنا إخراجا».
قالت: فأيّ شيء أمرك؟ قال:
ألا قومي إلى النّيكفقد هيّي لك المضجع
فإن شئت ففي البيتوإن شئت ففي المخدع
وإن شئت سلقناكوإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيهوإن شئت به أجمع
فقالت: لا، إلا به أجمع، فقال: كذلك أوحي إليّ. فواقعها. فلما قام عنها قالت: «إنّ مثلي لا يجري أمرها كذا فيكون وصمة على قومي وعليّ، ولكن أنا مسلّمة إليك النبوّة فاخطبني إلى أوليائي يزوّجوك، ثم أقود تميما معك».
فخرج وخرجت معه، فاجتمع الحيّان من حنيفة وتميم، فقالت سجاح: إنه قرأ عليّ ما أنزل عليه، فوجدته حقا فاتبعته. ثم خطبها فزوّجوه إياها، ثم سألوه عن المهر، فقال: قد وضعت عنكم صلاة العصر. فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلّونها، ويقولون: هذا حقّ لنا ومهر كريمتنا لا نردّه.
وقال شاعر بني تميم يذكر أمر سجاح:
أضحت نبيّتنا أنثى يطاف بهاوأصبحت أنبياء الله ذكرانا
قال: وسمع الزّبرقان بن بدر الأحنف يومئذ، وقد ذكر مسيلمة وما تلاه عليهم، فقال الأحنف: تالله ما رأيت أحمق من هذه الأنبياء قطّ، فقال الزبرقان:
والله لأخبرنّ بذلك مسيلمة، فقال: إذن والله أحلف أنك كذبت فيصدّقني ويكذّبك، قال: فأمسك الزبرقان وعلم أنه قد صدق.
قال: وحدّث الحسن البصري بهذا فقال: أمن والله أبو بحر من نزول الوحي. وأسلمت سجاح بعد ذلك وبعد قتل مسيلمة، وحسن إسلامها.
وقال الأغلب العجليّ في تزويج مسيلمة الكذّاب بسجاح:
قد لقّيت سجاح من بعد العمىملوّحا في العين مجلوز القرا
مثل الفنيق في شباب قد أتىاللّجيميّين أصحاب القرى
ليس بذي واهنة ولا نسانشا بلحم وبخبز ما اشتهى
حتى شتا تنتح ذفراه الندىخاظي البضيع لحمه خظا بظا
كأنّما جمّع من لحم الخصىإذا تمطّى بين برديه صأى
كأنّ عرق أيره إذا ودىحبل عجوز ضفّرت سبع قوى
يمشي على خمس قوائم زكايرفع وسطاهنّ من برد الندى
قالت متى كنت أبا الخير متىقال حديث لم يغيّرني البلى
ولم أفارق خلّة لي عن قلىفانتشغت فيشته نصف الشّوى
كأنّ في أجيادها سبع كلىما زال عنها بالحديث والمنى
والحلف السّفساف يردي في الرّدىقالت ألا ترينه قالت أرى
قال ألا أدخله قالت بلىفشام فيها مثل محراث الغضا
يقول لما غاب فيها واستوىلمثلها كنت أحسّيك الحسى
وأما خبر مسيلمة في قتله فهو مع المغازي، وقتله جيش أبي بكر ﵁ باليمامة بعد حرب عظيمة. وكان معظم الصحابة ﵃ في الجيش، وقتل منهم عدد كثير. وكانت لخالد بن الوليد فيها نكاية شديدة.
- وتنّبأ قبل وفاة النبيّ ﷺ الأسود العنسيّ باليمن، واشتدت شوكته واستطار أمره كالحريق فقتله الأبناء باتفاق من زوجته بصنعاء.
- وتنّبأ طلحة الأسديّ في بني أسد بعد وفاة النبي ﵌، ثم عاد إلى الإسلام وشهد وقائع الفرس، وكان له فيهم نكاية. وهو معدود من الفرسان. وكان يتكهّن.
- قال الجاحظ: كان مسيلمة قبل التنبّؤ يدور في الأسواق التي بين دور العجم والعرب كسوق الأبلّة وسوق الأنبار وسوق بقّة وسوق الحيرة، يلتمس تعلّم الحيل والنيرنجات واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم، وقد كان أحكم حيل الحزاة وأصحاب الزجر والخطّ. فمن ذلك أنه صبّ على بيضة من خلّ حاذق قاطع فلانت حتى إذا مدّدها استطالت واستدقّت كالعلك، ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس وتركها حتى انضمّت واستدارت وعادت كهيئتها الأولى، فأخرجها إلى قومه وادّعى النبوّة فآمن به جماعة منهم وقيل فيه:
ببيضة قارور وراية شادنوتوصيل مقصوص من الطير جادف
يريد براية الشادن الراية التي يعملها الصبيّ من القرطاس الرقيق، ويجعل لها ذنبا وجناحا، ويرسلها يوم الريح بالخيوط الطّوال. وكان يعمل رايات من هذا الجنس ويعلّق فيها الجلاجل ويرسلها في ليلة الريح ويقول: الملائكة تنزل عليّ وهذه خشخشة الملائكة وزجلها. وكان يصل جناح الطائر المقصوص بريش معه فيطير.
- قوله ﷾: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ
(البقرة:).
كان النبيّ ﷺ سئل عن الهلال في بدئه دقيقا، وعن عظمه بعد، وعن رجوعه دقيقا كالعرجون القديم. فأعلم الله ﷿ أنه جعل ذلك ليعلّم الناس أوقاتهم فيما فرض عليهم من حجّهم وعدّة نسائهم وجميع ما يريدون علمه مشاهرة، لأنّ هذا أسهل على الناس من حفظ عدد الأيام، يستوي فيه الحاسب وغيره.
واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبيّ إذا بكى حين يولد، وأهلّ القوم بحجّ وعمرة أي رفعوا أصواتهم بالتّلبية. وكذلك الهلال حين يرى يهلّ الناس بذكره، ويقال: أهلّ الهلال واستهلّ، ولا يقال اهتلّ. ويقال: أهللنا الهلال وأهللنا شهر كذا وكذا، أي دخلنا فيه. وسمّي الشهر شهرا لشهرته وبيانه.
واختلف الناس في الهلال إلى متى يسمّى هلالا، وإلى متى يسمّى قمرا. فقال بعضهم: يسمّى هلالا لليلتين من الشهر، ثم لا يسمّى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني. وقال بعضهم: يسمّى هلالا حتى يحجّر، أي يستدير بخطة دقيقة، وهو قول الأصمعي. وقال بعضهم: يسمّى هلالا إلى أن يبهر بضوئه سواد الليل، فإذا كان كذلك قيل له قمر، وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة.
قال أبو إسحاق الزجّاج: والذي عندي وما عليه الأكثر أن يسمّى هلالا ابن ليلتين، فإنه في الثالثة يبين ضوؤه.
واسم القمر الزّبرقان، واسم دارته الهالة، واسم ضوئه الفخت، وقال بعض أهل اللغة: لا أدري الفخت اسم ضوئه أو ظلمته على الحقيقة، واسم ظلّه السّمر، ومن هذا قيل للمتحدّثين ليلا سمّار. ويقال: ضاء القمر وأضاء، ويقال طلع القمر، ولا يقال: طلعت القمراء، ويقال أضاءت القمراء وضاءت.
ب- قال أبو زيد وابن الأعرابي:
يقال للقمر ابن ليلة عتمة سخيلة، حلّ أهلها برميلة، وقال غيرهما: رضاع سخيلة.
وابن ليلتين، حديث أمتين، كذب ومين. وقال ابن الأعرابي: بكذب ومين.
وابن ثلاث، حديث فتيات، غير مؤتلفات. وقيل: ابن ثلاث قليل اللّباث.
ابن أربع: عتمة ربع، لا جائع ولا يرضع. وعن ابن الأعرابي: عتمة ابن الربع.
وابن خمس: حديث وأنس، وقال أبو زيد: عشاء خلفات قعس.
وابن ست سر وبت.
وابن سبع دلجة الضّبع.
وابن ثمان: قمراء إضحيان. وقيل: قمر اضحيان وبالتنوين فيهما.
وابن تسع، عن أبي يزيد: انقطع الشسع. وعن غيره يلتقط فيه الجزع.
وابن عشر: ثلث الشهر. عن أبي زيد وعن غيره: فخنق الفجر، وفي رواية:
أودتك إلى الفجر. ولم تقل العرب في صفة ليلة بعد العشر كما قالت في هذه العشر، كذا قال الزجّاج.
وجاء عن الأصمعيّ وغيره وصفها إلى آخر الشهر:
قالوا: ابن إحدى عشرة، أطلع عشاء وأرى بكرة، وقيل: وأغيب بسحرة.
قيل: ما أنت ابن اثنتي عشر؟ قال فويق البشر في البدو والحضر.
قيل: ما أنت ابن ثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر يعشى له الناظر.
قيل: ما أنت ابن أربع عشرة؟ قال: مقتبل الشباب، أضيء دجنّات السحاب.
قيل: ما أنت ابن خمس عشرة؟ قال: ثمّ الشباب، وانتصف الحساب.
قيل: ما أنت ابن ستّ عشرة؟ قال: نقص الحلق في الغرب والشرق.
قيل: ما أنت ابن سبع عشرة؟ قال: أمكنت المقتفر القفرة.
قيل: ما أنت ابن ثماني عشرة؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء.
قيل: ما أنت ابن تسع عشرة؟ قال: بطيء الطلوع، بيّن الخشوع.
قيل: ما أنت ابن عشرين؟ قال: أطلع سحرة وأضيء بالبهرة.
قيل: ما أنت ابن إحدى وعشرين؟ قال: أطلع كالقبس، يرى بالغلس.
قيل: ما أنت ابن اثنتين وعشرين؟ قال: لا أطلع إلا ريثما أرى.
قيل: ما أنت ابن ثلاث وعشرين؟ قال: أطلع في قتمة ولا أجلو الظّلمة.
قيل: ما أنت ابن أربع وعشرين؟ قال: لا قمر ولا هلال.
قيل: ما أنت ابن خمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل.
قيل: ما أنت ابن ستّ وعشرين؟ قال: دنا ما دنا فما يرى مني الأشقا.
قيل: ما أنت ابن سبع وعشرين؟ قال: أطلع بكرا ولا أرى ظهرا.
قيل: ما أنت ابن ثمان وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس.
قيل: ما أنت ابن تسع وعشرين؟ قال: ضئيل صغير ولا يراني إلا البصير.
قيل: ما أنت ابن ثلاثين. قال: هلال مستبين.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع