تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

خبر ابن الهبولة

- هو زياد بن الهبولة بن عمرو بن عوف بن ضجعم بن حماطة واسمه: سعد ابن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وكانت الضجاعمة ملوك الشام قبل غسان. وكان سبب قتله أنه أغار على حجر بن عمرو بن معاوية بن ثور بن مريع الكندي، وكان يسكن عاقلا، فأخذ ما وجد في عسكره وأخذ امرأته هندا وعمرو غاز، ثم إنّ زيادا انكفأ راجعا، وقد كان استاق إبلا لعمرو بن أبي ربيعة بن شيبان بن ثعلبة، فأتاه عمرو وهو بالبردان فقال له: يا خير الفتيان أردد عليّ فحل إبلي، فقال: هو لك. فامتنع الفحل على عمرو فأخذ ذنبه ثم أقعده حتى سقط على جنبه؛ فحسده ابن الهبولة على ما رأى من شدته، فقال: يا معشر بني شيبان لو كنتم تقتعدون الرجال كاقتعادكم الإبل كنتم أنتم أنتم. فقال له عمرو: لقد وهبت قليلا، وشتمت مجيلا، وجنيت على نفسك شرّا طويلا، ولئن قدرت عليك لأضربنّك. ثم ركض فرسه وارتحل الضجعمي من موضعه ذلك، فعسكر بموضع آخر يقال له حفير، وعمّى على حجر موضع عسكره. واستغاث حجر ببكر بن وائل، فأتاه أشرافهم، فقال لضليع بن عبد غنم بن ذهل بن شيبان وسدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة: اعلما لي علم معسكره وعدة من معه. فذهبا متنكّرين حتى انتهيا إلى موضع معسكره في ليلة قرّة. وكان ابن الهبولة قد نادى من أتى بشيء من حطب فله من التمر مثله، ولم يكن أحد يدخل عسكره إلا بحطب. فاحتطبا ثم دخلا العسكر، فوضعا الحطب بين يديه،

وكان جالسا أمام قبّة له، فأعطاهما من التمر الذي كان أخذه من معسكر حجر. فقال ضليع: هذه أمارة، هذا التمر من تمر حجر فترجع به. وأما سدوس فقال: لست براجع إلا بعين جليّة. فانصرف ضليع وأقام سدوس، وأوقد السلمي نارا ودخل قبّته وقال لأصحابه: تحارسوا، ولينظر كلّ امرىء منكم من جليسه. فضرب سدوس بيده إلى جليسه، فقال: من أنت؟ مخافة أن يسبق إليها، فقال: أنا فلان، فقال: معروف. ونوموا. ودنا سدوس من القبّة، فداعب ابن الهبولة هندا امرأة حجر ساعة ثم قال لها: ما ظنّك بحجر لو علم مكاني منك؟ قالت: والله لو علم لأتاك سريع الطلب، شديد الكلب، فاغرا فاه كأنه جمل آكل مرار، وكأني بفتيان بكر بن وائل معه يذمرهم ويذمرونه. فرفع يده فلطمها ثم قال: والله ما قلت هذا إلا من حبه، قالت: والله ما قلت هذا إلا من بغضه، ووالله ما أبغضت بغضه أحدا، وسأخبرك من بغضي إياه بشيء لتعلم أني صادقة، قال: ما هو؟ قالت: كان ينام فيستيقن نوما ويبقى عضو من جسده لا ينام، وما رأيت أحدا أحزم منه قطّ نائما ويقظان. فبينا هو نائم ذات يوم قد مدّ إحدى يديه وبسط الأخرى، ومدّ إحدى رجليه وبسط الأخرى، إذ أقبل ثعبان أسود فأهوى إلى رجله الممدودة فقبضها، ثم أهوى الى يده المبسوطة فقبضها، ثم أهوى الى عسّ فيه لبن، فشرب ثم مجّه فيه، فقلت في نفسي: يشربه فيهلك فأستريح منه. فما كان بأسرع من أن استوى جالسا فقال: لقد ألّم بنا ملمّ، لقد دخل علينا عدوّ. قالت: قلت ومن يدخل عليك وأنت ملك؟ فأهوى إلى العسّ فأخذه فسقط من يده، والكلام بأذن سدوس. فلما أصبح عدا إلى حجر وهو يقول:

أتاك المرجفون برجم غيبعلى دهش وجئتك باليقين
فمن يأتي بأمر فيه لبسفقد آتي بأمر مستبين

فقصّ عليه القصّة، وخبّره بموضع معسكره. فنادى حجر في أصحابه، فأغار عليه، وشدّ سدوس على ابن الهبولة فقتله وأخذ رأسه، وأخذ هندا وأتى بها حجر فقال: يا سدوس قصّ عليها القصة فقصّ، فدعا بفرسين: صادر ووارد، فربطها فيهما ثم ضربا فقطّعاها. فقال حجر في ذلك:

إنّ من غرّه النساء بشيءبعد هند لجاهل مغرور
حلوة الدلّ واللسان ومرّكلّ شيء أجنّ منها الضمير
كلّ أنثى وإن بدا لك منهاآية الحبّ حبّها خيتعور

الخيتعور: الدنيا، وكل شيء لا يدوم فهو خيتعور.

- قال أبو عبيدة: غزا صخر بن عمرو أخو الخنساء بني أسد بن خزيمة، فاكتسح إبلهم، فأتى الصريخ بني أسد، فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ابن ثور الأسدي صخرا في جنبه وفات القوم فلم يقعص مكانه، وجوي منها فكان يمرّض قريبا من حول حتى ملّه أهله، فسمع امرأة تسأل سلمى امرأته: كيف بعلك؟ فقالت: لا حيّ فيرجى ولا ميّت فينعى، لقينا منه الأمرّين.

وقال عبد القاهر بن السري: طعنه ربيعة الأسدي، فأدخل حلقات من حلق الدّرع في جوفه، فضمن منها زمانا ثم كان ينفث الدم وينفث تلك الحلق معها، فملّته امرأته، وكان يكرمها ويعينها على أهله، فمرّ بها رجل وهي قائمة، وكانت

ذات خلق وأوراك، فقال: أيباع الكفل؟ قالت: عمّا قليل. وكل ذلك يسمعه صخر، فقال: لئن استطعت لأقدّمنّك أمامي، وقال لها: ناوليني السّيف أنظر هل تقلّه يدي فإذا هو لا يقلّه. فقال صخر:

أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتيوملّت سليمى مضجعي ومكاني
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
فأيّ امرىء ساوى بأمّ حليلةفلا عاش إلا في أذى وهوان
لعمري لقد نبّهت من كان نائماوأسمعت من كانت له أذنان
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنّزوان
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
وما كنت أخشى أن أكون جنازةعليك ومن يغترّ بالحدثان
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
فللموت خير من حياة كأنّهامعرّس يعسوب برأس سنان

وقال أبو عبيدة: فلما طال به البلاء وقد نتأت قطعة من جنبه مثل اليد في موضع الطعنة، قالوا له: لو قطعتها رجونا أن تبرأ، فقال: شأنكم. وأشفق عليه بعضهم فنهاه فأبى، فأخذوا شفرة فقطعوا ذلك المكان فيئس من نفسه، وقال:

كأني وقد أدنوا لحزّ شفارهممن الصبر دامي الصفحتين نكيب

فمات فدفنوه إلى جنب عسيب، وهو جبل إلى جنب المدينة. ورثته أخته خنساء بنت عمرو، وفيه كان جلّ مراثيها دون أخيها معاوية. وكانت قد آلت ألا تنزع المسوح عنها أبدا بعد صخر. ورجت أن يأمرها عمر ﵁ بنزعها، فقال لها: في بما جعلت على نفسك.

وقال المتلمّس الضبعي:

ألم تر أنّ المرء رهن منيّةصريع لعافي الطّير أو سوف يرمس
فلا تقبلن ضيما مخافة ميتةوموتن بها حرا وجلدك أملس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»
فمن حذر الأوتار ما حزّ أنفهقصير وخاض الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرّع القوم رهطهتبيّن في أثوابه كيف يلبس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

أما قصير وخبره مع الزبّاء، وجدعه أنفه حتى احتال عليها، وأنست إليه، وجعلته وكيلها يحمل إليها الأمتعة والتجارة من البلاد، فلما اطمأنّت إليه وسكنت كلّ السكون، جعل الرجال في الغرائر ومعهم السلاح، فيهم عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة مولى قصير حتى قتلها، وفيه خبر مشهور وقد أخلق بكثرة التداول فيه، وفيه طول على أنه يتضمّن حكما وأمثالا وحيلا، وليس هذا موضعه.

وأما بيهس المعروف بنعامة، فذكر أبو يوسف أنه كان رجلا من بني غراب ابن ظالم بن فزارة بن ذبيان بن بغيض، وكان سابع سبعة أخوة. فأغار عليهم ناس من أشجع بن ريث بن غطفان، وكانت بينهم حرب، وهم في إبلهم، فقتلوا منهم ستة وبقي بيهس، وكان يحمّق وهو أصغرهم، فأرادوا قتله، فقالوا: ما تريدون من قتل هذا؟ يحسب عليكم برجل ولا خير فيه. فقال: دعوني أتوصّل معكم إلى الحيّ، فإنكم إن تركتموني وحدي أكلتني السّباع أو قتلني العطش، ففعلوا. فأقبل معهم فنزلوا منزلا فنحروا جزورا في يوم شديد الحرّ، فقال بعضهم: أظلوا لحمكم لا يفسد، فقال بيهس: لكن بالأثلات لحما لا يظلّل.

فقالوا إنه منكر، وهموا بقتله، ثم إنهم تركوه، ففارقهم حين انشعب به الطريق إلى أهله، فأتى أمّه فأخبرها الخبر، فقالت: ما جاء بك من بين إخوتك؟ فقال:

لو خيّرك القوم لاخترت، فذهبت مثلا. ثم إنّ أمّه عطفت عليه ورقّت له

وأعطته ميراثه من إخوته. فقال: يا حبّذا التراث لولا الذّلة، فذهبت مثلا. فقال الناس: أحبت أمّ بيهس بيهسا، فقال بيهس: ثكل أرأمها ولدا، فذهبت مثلا، فأتى على ذلك ما شاء الله. ثم إنه مرّ على نسوة في قومه وهنّ يصلحن امرأة منهنّ يردن أن يهدينها إلى زوجها، وهو من بعض من قتل إخوته. فكشف ثوبه عن استه وغطّى رأسه، فقلن: ويلك! أيّ شيء تصنع؟ فقال: البس لكلّ حالة لبوسها، إما نعيمها وإما بوسها. فأتى على ذلك ما شاء الله لكنه جعل يتتبّع قتلة إخوته ويتقاصّهم حتى قتل منهم ناسا وقال في ذلك:

يا لها نفسا أنّى لهاالمطعم والسلامه
قد قتل القوم إخوتهافبكلّ واد زقاء هامه
فلأطرقنّ قوما وهم نيامفلأبركنّ بركة النّعامه
للشاعر بيهس الفزاري، من قصيدة «يا لها نفساً يا لها»
قابض رجل وباسط أخرىوالسيف أقدمه أمامه
للشاعر بيهس الفزاري، من قصيدة «يا لها نفساً يا لها»

وهذا الشعر مزحوف في أصل النسخة، قال: فسمّي بيهس نعامة بقوله:

فلأبركنّ بركة النعامة. قال: ثم إنه أخبر أنّ أناسا من أشجع يشربون في غار.

فانطلق بخال له يقال له أبو حشر وقال له: هل لك في غار فيه ظباء؟ قال: نعم، فانطلق حتى قام على فم الغار، ثم دفع أبا حشر فيه، وقال ضربا أبا حشر. فقال بعض القوم: إنّ أبا حشر لبطل، فقال أبو حشر: مكره أخوك لا بطل، فأرسلها مثلا. وقتل القوم.

قوله: البس لكلّ حالة لبوسها، إما نعيمها وإما بوسها: يقول: أنتم مسرورون بعرسكم وأنا مهتوك السّتر موتور، فأبدي عن دبري حتى أدرك بثأري.

وفعل أبو جندب أخو أبي خراش الهذليّ مثل ذلك. قتل جيران له كانوا في جواره، فأتى مكة فجعل يطوف بالبيت مكشوف الدّبر، فقيل له: ما هذا؟ قال: إني موتور ولا ينبغي لمثلي أن يطوف البيت إلا هكذا حتى يدرك بثأره.

فأتى بالخلعاء فأغار بهم على الذين فعلوا بجيرانه ما فعلوا حتى انتقم منهم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.