من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نماذج من التصحيف
- قال الزبير: عيب على ابن قيس الرقيّات قوله:
تقدّت بي الشهباء نحو ابن جعفرسواء عليها ليلها ونهارها
فناقض بين صدر البيت وعجزه لأنه قال في الأوّل: إنّه سار سيرا غير عجل، ثم قال في عجز البيت: «سواء عليها ليلها ونهارها»، وهذا غاية الدأب في السير.
- وقد أخطأ أيضا في قوله:
ما مرّ يوم إلّا وعندهمالحم رجال أو يالغان دما
هكذا الرواية، فغيّرته الرّواة إلى الصحيح وهو: أو يولغان دما.
- العنزي أحد رواة العرب المشهورين، قال: دخلت على زياد فقال: أنشدني، فقلت: من شعر من أيها الأمير؟ قال: من شعر الأعشى فأنشدته:
رحلت سميّة غدوة أجمالها
فما أتممت القصيدة حتى تبيّنت الغضب في وجهه، وقال الحاجب للناس:
ارتفعوا، فقاموا. قال: ثم لم أعد إليه والله بعدها.
واستمع حماد لرواية هذه الحكاية قال: فكنت بعد ذلك إذا استنشدني خليفة أو أمير تنبّهت قبل أن أنشده لئلا يكون في القصيدة ذكر امرأة له أو بنت أو أمّ.
- قال ابن دريد: وجدت للجاحظ في كتاب البيان تصحيفا شنيعا، فإنه قال: حدثني محمد بن سلام قال: سمعت يونس يقول: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن النبيّ ﷺ؛ وإنما هو عن أبي عثمان البتّيّ.
فأمّا النبي ﷺ فلا شك عند الملّي والذّمّي انه كان أفصح الخلق.
- وفي هذا الكتاب قال الجاحظ: يستحسن من النساء اللحن، وأنشد لمالك بن أسماء بن خارجة يحتجّ لقوله:
منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كان لحنا
قال عليّ بن المنجم: قلت له: مثلك في فضلك وعلمك يقول هذا؟ وإنّما أراد وصفها بالظرف والفطنة، وأنها تورّي عمّا قصدت له، وتتنكّب التصريح.
فاعترف بذلك وقال: إني تنبّهت له من بعد؛ قلت: فلم لا تغيّره من الكتاب؟
فقال: كيف بما سارت به الرّكبان؟
واللحن هنا: الكناية عن الشيء والتعريض بذكره، والعدول عن الإيضاح به على معنى قوله تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
(محمد:). وقد تبع عبد الله بن مسلم بن قتيبة الجاحظ، فذكر في كتابه المعروف بعيون الأخبار أبيات مالك هذه، واعتذر لها من لحن ان أصيب فيه. وقول رسول الله ﷺ: «لعلّ أحدكم ألحن بحجته»، أي أفطن وأغوص عليها.
- من هذا أيضا: أنشد أبو البيداء الرياحي أبا عمرو:
ولو أن حيا للمنايا مقاتلايكون لقاتلنا المنيّة عن معن
فتى لا يقول الموت من حرّ وقعهلك ابنك خذه ليس من شيمتي دعني
فقال له أبو عمرو: صحّفت، إنما هو «قتالا يقول الموت».
- أنشد العماني الراجز الرشيد شعرا يقول منه:
كأنّ أذنيه إذا تشوّفاقادمة أو قلما محرّفا
وعلم الجماعة أنّه لحن ولم يهتدوا إلى إصلاحه؛ فقال الرشيد: اجعله «تخال أذنيه».
كان اسحاق بن ابراهيم الموصلي من الأدب والفضل بالمكان المشهور، وكان الأصمعي يعارضه. فأنشده اسحاق بيتين كان يعجب بهما وهما:
هل إلى نظرة إليك سبيليرو منك الصدى ويشف الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عنديوكثير من المحبّ القليل
فقال له الأصمعي: قد لحنت في قولك «يرو»، وأخذت البيت الثاني من قول عمر بن أبي ربيعة:
وكثير منها القليل المهنّا
فلم يكن من اسحاق جواب- وقد احتجّ قوم لاسحاق بما أنشده أبو اسحاق الشيرازي:
كفّاك كفّ لا تليق درهماجودا وأخرى تعط بالسيف الدما
وقالوا: الأصل في الأفعال الجزم، وإنما دخل في المضارع لمضارعته الأسماء، واستعملوه كذا في ضرورة الشعر.
اسحاق مع كثرة فضائله، وتوفّر معانيه وخصائصه، ومنها دماثته وكمال عقله، يتحقق بالشجاعة والفروسية، ويحبّ أن ينسب إليها آفة من الآفات المعترضة على العقول، وغفلة لا يخلو منها ذوو الحلوم؛ وشهد بعض الحروب فأصابه سهم فنكص على عقبيه حتى قال أخوه طيّاب فيه:
وأنت تكلّف ما لا تطيقوقلت أنا الفارس الموصلي
فلما أصابتك نشّابةرجعت إلى بيتك الأوّل
- قال كيسان: سمعت أبا عبيدة ينشد:
ما زال يضربني حتى خزيت لهوحال من دون بعض البغية الشّفق
فقلت: خزيت خزيت؟ وضحكت فغضب وقال: كيف هو؟ قلت: إنما هو خذيت. فانخزل وما أحار جوابا.
- وروى أبو عبيدة أبيات لقيط في يوم جبلة:
يا قوم قد حرقتموني باللّومولم أقاتل عامرا قبل اليوم
سيّان هذا والعناق والنّوموالمشرب البارد في ظل الدّوم
وقالوا: يعني في ظلال نخل المقل.
قال الأصمعي: قد أحال ابن الحائك؛ إنما هو «في الظلّ الدّوم»، أي الدائم وجبلة بنجد.
- وروى الأصمعي بيت الحارث بن حلّزة:
عنتا باطلا وظلما كما تعنز عن حجرة الرّبيض الظّباء
وقال: العنزة الحربة ينخز بها. فردّ عليه أبو عمرو وقال: إنما هو «تعتر» من العتيرة وهي ذبيحة للصنم، وكانوا ينذرون للأصنام ذبيحة ثم تشحّ نفوسهم فيذبحون عنها الظّباء.
- وروى لذي الرّمّة:
«فيها الضفادع والحيتان تصطخب»
فقيل: هو «تصطحب»، ولا صوت لها.
- وروى لرؤبة:
«شمطاء تنوي الغيظ حين ترأم»
وإنما هو «تبوى»، أي تجعله بمنزلة البوّ.
- وروى المفضل:
«نمسّ بأعراف الجياد أكفّنا»
فقال له خلف: إنما هو «نمشّ» وهو مسح اليد؛ ومنه قيل للمنديل «مشوش».
وليس علينا أن يزلّ الوهم أو يجنح الخاطر، أو يشذّ عنه علم في
وقت ثم يثوب فيدركه. قال أبو موسى الحامض: قرئ على ثعلب كتاب بخطّ ابن الأعرابي [فيه] خطأ فردّه، فقيل إنّه بخطّه فقال: هو خطأ؛ قيل: فيغيّر؟
قال: دعوه ليكون عذرا لمن أخطأ.
- كان حماد الراوية لا يقرأ القرآن، فاستقرىء فقرأ في المصحف فصحّف في نيّف وعشرين موضعا. فمن جملتها: وأوحى ربّك إلى النّحل أن اتّخذي من الجبال بيوتا ومن الشّجر وممّا يغرسون؛ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلّا عن موعدة وعدها أباه؛ ليكون لهم عدوّا وحربا؛ وما يجحد بآياتنا إلا كلّ جبّار كفور؛ فعزّزوه ونصروه؛ وتعززوه وتوقّروه؛ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يعنيه؛ هم أحسن أثاثا وريّا؛ عذابي أصيب به من أساء؛ يوم يحمى غليها في نار جهنّم فبادوا ولات حين مناص؛ ونبلو خياركم؛ صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة؛ فاستعانه الذي من
شيعته؛ سلام عليكم لا نتبع الجاهلين؛ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العائذين.
- قال الحزنبل: كنّا عند ابن الأعرابي ومعنا أبو هفّان، فأنشد ابن الأعرابي عمّن أنشده، فقال ابن أبي سبّة العبليّ:
أفاض المدامع قتلى كذاوقتلى بكبوة لم ترمس
فغمز أبو هفان رجلا وقال: قل له ما معنى كذا؟ فقال: يريد كثرتهم. فلما قمنا قال لي أبو هفان: سمعت إلى هذا المعجب الرّقيع هو ابن أبي سنّة، وصحّف في بيت واحد موضعين، فقال: قتلى كذا وهو «كدا»، وقال: بكبوة وهو «بكثوة»؛ وأغلط من هذا على أنه يفسّر تصحيفه بوجه وقاح.
وابن أبي سنّة هو أبو سعيد مولى فايد من موالي بني أمية، وكان شاعرا مغنيا؛ وهذا البيت من شعره يرثي به مواليه ويذكر قتل بني هاشم ايّاهم.
- وذكر أبو تمام في كتاب الحماسة شعر ابن المقفّع يرثي يحيى بن زياد:
فإن تك قد فارقتنا وتركتناذوي خلة ما في سداد لها طمع
فقد جرّ نفعا فقدنا لك إنّناأمنّا على كلّ الرزايا من الجزع
فقال أبو رياش: هذا مأخوذ من قول النمري منصور:
لقد عزّى ربيعة أنّ يوماعليها مثل يومك لا يعود
وإنما يأخذ الأحدث من الأقدم، وابن المقفّع قتل في خلافة المنصور، والنمري إنما عرف شعره في خلافة الرشيد، فهو الأولى بأن ينسب إلى اقتفاء ابن المقفّع.
قصد محمد بن الفضل بن يعقوب ابن داود العتبي- وكان قد وقع بين محمد وبين أبيه الفضل وحشة- فقال له: كنت عند أبي فتهدّم عليّ تهدّم الحائط، فتركته حتى سكن غباره، ثم جعلت أتأتّى له، فادخل بيني وبينه حتى يرضى عني.
فقال العتبي: إني لأكره أن أدخل بين الرجل وبين أبيه. فقال له محمد: هذه سقطة قد كنت آمنها عليك، إنّك لتدخل بين الرجل وبين ربّه فتقول له: كل كذا، واصنع كذا، ودع كذا، فقال العتبي: يا غلام أسرج لي، فقال محمد: لا حاجة لي في ركوبك، من كان هذا إسقاطه عند الأبناء كيف يكون تهوّره عند الآباء؟
- قال أبو الحسن الطوسي: كنّا في مجلس عليّ اللحياني، وكان عازما على أن يملي نوادر ضعف ما كان أملى. فقال يوما: تقول العرب: مثقل استعان بذقنه، فقام إليه يعقوب بن السّكّيت، وهو يومئذ حدث، فقال له: يا أبا الحسن، العرب تقول: مثقل استعان بدفّيه، يريدون الجمل إذا نهض بحمله استعان بجنبيه. فقطع الإملاء. فلما كان المجلس الثاني أملى فقال: العرب تقول هو جاري مكاشري. فقام إليه يعقوب فقال: أعزّك الله، إنما هو مكاسري كسر بيتي إلى كسر بيته، فقطع الإملاء فما أملى شيئا بعد ذلك.
مرض أبو يوسف فعاده أبو حنيفة مرارا، ورآه في آخر مرّة ثقيلا، فاسترجع وقال: لقد كنت أؤمّلك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتنّ علم كثير معك، ثم رزق العافية وخرج من العلة؛ وأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه؛ فعقد لنفسه مجلسا،
وقصّر عن حضور مجلس أبي حنيفة. فسأل عنه فأخبر بحاله، فدعا بغلام كان له عنده قدر وقال له: صر إلى مجلس يعقوب وقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصّار ثوبا ليقصره بدرهم، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصّار: ما لك عندي شيء وأنكره؛ ثم إن ربّ الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مقصورا، أله أجرة؟ فإن قال: له أجرة فقل: أخطأت، وإن قال: لا أجرة له، فقل: أخطأت.
فصار إليه وسأله فقال: له أجرة، فقال: أخطأت، فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له، فقال: أخطأت. فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة فقال له: ما جاء بك إلا مسألة القصّار، قال: أجل؛ قال: سبحان الله، من عقد لنفسه مجلسا وقعد يفتي الناس، ويتكلّم في دين الله وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات.
فقال: يا أبا حنيفة علّمني. قال: إن كان قصره بعدما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصره لنفسه، وإن كان قصره قبل أن غصبه فله أجرة لأنه قصره لصاحبه. ثم قال: من ظنّ أنه يستغني عن العلم فليبك على نفسه.
- مات ولد طفل لسليمان بن عليّ، فأتاه الناس من أهل البصرة يعزّونه، وفيهم شبيب بن شيبة وبكر بن حبيب السهمي. فقال شبيب: أوليس يقال: إنّ الطفل لا يزال محبنظيا بباب الجنّة حتى يدخل أبواه- فجاء بظاء معجمة- فقال له بكر بن حبيب، محبنطئا- بطاء غير معجمة فقال شبيب: ألا إنّ من بين لابتيها يعلم أن القول كما أقول، فقال بكر: وخطأ ثان، ما للبصرة واللّوب؟ أذهبت إلى ما قيل بالمدينة: «ما بين لابتيها»، أي حرّتيها؟ واستشهد في المحبنطئ بقول القائل:
إنّي إذا سئلت لا أحبنطيولا أحبّ كثرة التمطّي
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع