تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

مقدمة الباب (٧)

(الباب الرابع والثلاثون في كبوات الجياد وهفوات الأمجاد) ويتصل به سرقات فحول الشعراء وسقطاتهم.

قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ

(آل عمران:). فهذه كانت هفوة من المسلمين وفيهم سادات الصّحابة وأعيان الشّجعان في يوم حنين غفرها الله وعفا عنها. وكان بعض القوم قال في ذلك اليوم: لن نؤتى اليوم من قلّة، وهم في اثني عشر ألفا، فأنزل الله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ

(التوبة:).

ويليق بهذا الباب قصص الأنبياء ﵈ التي نسب إليهم فيها الخطأ: كخطيئة أبينا آدم ﵇، وكقضيّة داود في الحكم، وقضيّة سليمان في قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ

(ص:) فغفرنا له ذلك؛ وقد نسبوا إلى الخليل ابراهيم ﵇ نحو ذلك، حيث رأى الكوكب ثم القمر ثم الشمس؛ وقصة يوسف ﵇ حيث همّت به وهمّ بها.

ولكني ألغيت شرح هذه الأخبار التي أوردها أصحاب السّير تنزيها لهم، وإكبارا عن تمثيلهم ممن أدركه الزلل فهفا، وعثر في سنن هديه فكبا؛ وعلى أن الناس مختلفون فيما يجوز عليهم من الخطأ، وفيهم من لم يجوز عليه وقوع الخطيئة، لا كبيرها ولا صغيرها، قبل النبوّة وبعدها. فأما الذين جوّزوا وقوع الخطأ منهم واختلفوا، فجوز أصحاب الحديث ومن تابعهم وقوع الكبائر منهم قبل النّبوّة؛ وأفرط قوم منهم فجوّزوها في حال النّبوّة، سوى الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة؛ ومنهم من جوّز ذلك في حال النّبوّة بشرط الإسرار دون الإعلان؛ وفيهم من جوّزه على الأحوال كلّها، ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفّة من الأنبياء ﵈ قبل النّبوّة وفي حالها، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا يستخفّ من الصغائر، ثم اختلفوا: فمنهم من جوّز على النبيّ الإقدام على المعصية الصغيرة لا على سبيل العمد، ومنهم من منع ذلك وقال: إنهم لا يقدمون على ما يعملونه معصية على سبيل التأويل.

وحكي عن النّظّام وجعفر بن مبشّر أنهما قالا مع جماعة اتبعتهما إنّ ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السّهو والغفلة، وأنّهم مؤاخذون بذلك وإن كان موضوعا عن أممهم لقوّة معرفتهم وعلوّ مرتبتهم، وحجج هذه المقالات وتسمية قائليها والذاهبين إليها، تحتاج إلى بيان وشرح لا يليق بهذا الكتاب.

وحصل من هذا إجماع أكثر الناس أن أحدا لا يخلو من هفوة وزلّة، والله بكرمه وليّ العفو عنها والمسامحة بها، فلا يعاب ذو فضيلة بوقوعها منه.

كان لرسول الله ﷺ ناقة تسبق ما يجاريها. فجاء أعرابيّ بناقة له فسبقها، فقال النبي ﷺ: حقيق على الله تعالى أن لا يرفع شيئا إلا وضعه.

- وقال الأحنف: الشريف من عدّت سقطاته. قال النابغة:

«أيّ الرّجال المهذّب». وقالوا: كلّ صارم ينبو، وكلّ جواد يكبو. ومنه قول الآخر:

«هو السيف إلا أنّ للسيف نبوة»

وكان الأحنف حليما سيّدا، يضرب به المثل، وقد عدّت له سقطات. فمن ذلك أنه نظر إلى خيل لبني مازن وقال: هذه خيل ما أدركت بالثار ولا نقضت الأوتار؛ فقال له سعيد بن العلقم المازني: أمّا يوم قتلت أباك فقد أدركت بثأرها. فقال الأحنف: لشيء ما قيل: دع الكلام حذر الجواب.

وكانت بنو مازن قتلت أبا الأحنف في الجاهلية.

- ومن سقطاته أنّ عمرو بن الأهتم دسّ إليه رجلا يسفّهه، فقال:

يا أبا بحر من كان أبوك في قومه؟ قال: كان من أوسطهم لم يسدهم ولم يتخلّف عنهم، فرجع إليه ثانية ففطن أنه من قبل عمرو، فقال: ما كان مال أبيك؟ قال:

كانت له صرمة يمنح منها ويقري ولم يكن أهتم سلّاحا.

- ولما خرج الأحنف مع مصعب أرسل إليه بمائة ألف درهم، ولم يرسل إلى زبراء جاريته بشيء، فجاءت حتى تقدّمت بين يدي الأحنف ثم أرسلت عينيها، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما لي لا أبكي عليك إذا لم تبك

على نفسك؟ أبعد نهاوند ومرو الرّوذ تجمع بين غارين من المسلمين؟ فقال:

نصحتني والله في ديني إذ لم أنتبه لذلك، ثم أمر بفساطيطه فقوّضت، فبلغ مصعبا ذلك فقال: ويحكم! من دهاني في الأحنف؟ فقالوا: زبراء، فبعث إليها بثلاثين ألف درهم، فجاءت حتى أرخت عينيها بين يديه فقال: ما لك يا زبراء؟ قالت: جئت بإخوانك من أهل البصرة تزفّهم كما تزفّ العروس حتى إذا صيّرتهم في نحور أعدائهم أردت أن تفتّ في أعضادهم، قال: صدقت والله، يا غلام دع الفساطيط، فاضطرب العسكر بمجيء زبراء مرّتين فذهبت مثلا.

وأنا أجتنب ذكر ما جاء في هفوات الصالحين والصّدر الأوّل إجلالا لهم عن سوء الظّنّ إلا أن يجيء ما ليس بخطأ على الحقيقة، وإنما اعترفوا به تواضعا، كما جاء عن عمر ﵁، قال: لا يبلغني أن أحدا تجاوز بصداقه صداق النبيّ ﷺ إلا ارتجعته منها. فقامت امرأة فقالت: ما جعل الله تعالى ذلك لك، يا ابن الخطاب، إنّ الله ﷿ يقول: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً

(النساء:)، فقال عمر: ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت؟ ناضلت إمامكم فنضلته، وعمر ﵁ إنما قال ذلك زجرا ليقتدوا بسنّة الرّسول ﷺ في صدقات النساء ولم يوجبه عليهم، والآية التي احتجت بها المرأة ليست في الصّداق.

- روى قتادة أنّ الحسن سئل عن قوله تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا

(مريم:)، فقال: إن كان لسريا وإن كان لكريما، فقال:

من هو؟ قال: المسيح، فقال له حميد بن عبد الرحمن: أعد نظرا إنما السّريّ الجدول فتمعّر لونه، وقال: يا حميد، غلبنا عليك الأمراء.

- وكان أبو حنيفة يلحن، فسمعه أبو عمرو بن العلاء يتكلّم في الفقه ويلحن، فاستحسن كلامه واستقبح لحنه، فقال: إنه لخطاب لو ساعده صواب، ثم قال لأبي حنيفة: إنك أحوج إلى إصلاح لسانك من جميع الناس.

- وسأله رجل يوما فقال: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله أتقيده به؟ فقال: لا ولو ضربه بأبا قبيس.

وقد احتجّ قوم لأبي حنيفة وزعموا أنه لم يلحن، وقالوا: اسم الجبل كذا وليس بكنية؛ وروي أنّ عطاء كذا كان يقول، وكذاك ابن عباس، ولا يشكّ في فصاحته، ويحتجون بلغة بلحارث بن كعب، وأنهم يسوّون في التثنية بين النصب والجرّ؛ وينشدون بيت المتلمس:

فأطرق إطراق الشجاع ولو رأىمساغا لناباه الشجاع لصمّما

ويقولون: رأيت أباه ومررت بأباه وينشدون:

إن أباها وأبا أباهاقد بلغا في المجد غايتاها
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «زوجة مجد الدين والداها»

والأحسن في هذا أن يكون قولهم: أبا قبيس اسما للجبل ليس بكنية، فلا يغيّر بتغيير العوامل فيه، ويصير كالاسم الواحد.

- وكان بشر المريسي يقول لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها، فسمع قاسم التمّار قوما يضحكون من ذلك فقال: هذا كما قال الشاعر:

إنّ سليمى والله يكلوّهاضنّت بشيء ما كان يرزؤها
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إن سليمى والله يكلؤها»

فكان احتجاجه لبشر أعجب من لحنه، وهما متقدمان في أصحاب الكلام.

قال سعيد بن المسيب: ما فاتني الأذان في مسجد رسول الله ﷺ منذ أربعين سنة، ثم قام يريد الصلاة فوجد الناس يخرجون من المسجد.

وقال قتادة: ما نسيت شيئا قطّ، ثم قال: يا غلام ناولني نعلي، قال: النعل في رجلك.

كان عامر بن عبد الله بن الزبير في غاية الفضل والدّين، وكان لا يعرف الشرّ، فأتي بعطائه إلى المسجد فأخذه، وقام إلى منزله ونسيه ثم ذكره في بيته، فقال لخادمه: ادخل المسجد فائتني بعطائي، قال: وأين تجده بعد؟ قال:

سبحان الله ويأخذ أحد ما ليس له؟! - قال الحسن بن زياد: مرّ ابن أبي ليلى بجبّانة الكوفة على امرأة مجنونة يقال لها أمّ عمران تعرّض لها رجل فشتمته، فأمر ابن أبي ليلى بإدخالها إلى المسجد وبأن تضرب الحدّ، فشتمت آخر بأقبح من شتيمة الأوّل، فأمر أن تضرب الحدّين. قال فبلغ أبا حنيفة ذلك، قال الحسن: وكنت حاضرا مجلس أبي حنيفة، فبعث بأربعة أنفس واحدا بعد واحد حتى تقصّوا الخبر وعادوا إليه، فوقف على صحته، فقال: إن للعلماء زلّات، ولكن يجب أن تخفى وأن يقال لهم في السّرّ: فإن كان الأمر كما قلتم فانظروا من يثق به من

أصدقائه يلقاه في سرّ، ويخبره أن الذي قد عمل قد وهم فيه. أما أولها فإن المجنون لا يجب عليه الحدّ، وأنه حكم بغير خصم حاضر ادّعى ذلك، وذلك أن الرجل الذي شتمته مضى ولم يقف؛ وأنه أقام حدا في المسجد، والحدود لا تقام في المساجد؛ وجمع عليها حدّين في مقام واحد، ولا يجوز أن يجمع على مسلم حدّان في موضع حتى يبرأ الأوّل ويقام عليه الثاني. وأما حدّه إياها وهي قائمة، فليس بين المسلمين خلاف أنّ المرأة لا تضرب قائمة، ولكن تضرب جالسة، والمرأة إذا احتاج الحاكم أن يحدّها، أحضر وليّها حتى يتولّى من سترها ما لعلّه أن ينكشف منها؛ وأما انكشاف شعرها حين ضربت فلم يأمر أحدا أن يغطّيه، وقد كان يجب أن يأمر امرأة تغطيه.

- قال الشعبي: أخطأت عند عبد الملك بن مروان في أربع، حدثني بحديث فقلت: أعده عليّ، فقال: أما علمت أنّ أمير المؤمنين لا يستعاد؛ وقلت حين أذن لي: أنا الشعبيّ يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما أدخلناك حتى عرفناك؛ وكنيت عنده رجلا فقال: أما علمت أنه لا يكنّى أحد عند أمير المؤمنين؛ وسألته أن يكتبني حديثا، فقال: إنّا نكتب ولا نكتب.

وليس ما ذكره الشعبيّ عن نفسه ونسبها فيه إلى الخطأ بخطأ، وإنما تخلّق عبد الملك بأخلاق الجبابرة، وخالف أخلاق الحنيفيّة السهلة، فكان غلط الشعبيّ مضافا إليها.

وأنا أكره ذكر ما أخذ على الفقهاء ونسبوا فيه إلى الغلط، بل لكل منهم فضيلة الاجتهاد، وزلّة الرأي- ما لم يتعمّد- مغفورة. وترك ما وهموا

فيه وتجنّبه، مع الاعتراف لهم، جامع للاحتياط وحسن الظنّ بهم.

قال المعتمر بن سليمان: إيّاك والاقتداء بزلّات أصحاب النبيّ ﷺ، فتقول: فلان شرب النبيذ، وفلان سمع الغناء، وفلان لعب بالشطرنج، فيجيء منك فاسق تام.

كان هشام بن عبد الملك من رجال بني أميّة ودهاتهم، وكان المنصور يعدّه أفضل من معاوية ومن عبد الملك أبيه، وعدّت له سقطات، منها أن الحادي حدا به فقال:

إن عليك أيها البختيّأكرم من يمشي به المطيّ

فقال هشام: صدق. والأخرى ذكر عنده سليمان فقال: والله لأشكونّه يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك. والأخرى أنه لما ولي الخلافة خطب فقال:

الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام.

- كان الحجاج فصيحا محبّا للبلاغة، متحفّظا في خطبه، حتى انه غيّر القرآن خوف اللّحن، حيث بدر لسانه إلى فتح الهمزة في إنّ، فقرأ أنّ ربّهم يومئذ، ثم علم أن اللام لا تكون إلا في جواب إنّ المكسورة فقال: خبير، ومع هذا قرأ: إنّا من المجرمون منتقمين.

- قدم العريان بن الهيثم على عبد الملك بن مروان فقيل له: تحفّظ من مسلمة فإنه يقول: لأن يلقمني رجل حجرا أحبّ إليّ من أن يسمعني لحنا، فأتاه العريان ذات يوم فسلّم عليه فقال: كم عطاءك؟ قال العريان: ألفين، فقال: كم عطاؤك؟ قال: ألفان، قال: ما الذي دعاك إلى اللّحن الأوّل؟ قال: لحن الأمير

فكرهت أن أعرب، وأعرب فأعربت. فاستحسن كلامه.

- وكان يزيد بن المهلب فصيحا لم تؤخذ عليه زلّة في لفظ، ثم أخذ عليه غلط، فإنه قال على المنبر- وذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب- فقال: وهذه الضبعة العرجاء، فاعتدّت عليه لحنا، لأن الأنثى إنما يقال لها الضّبع ويقال للذكر الضّبعان.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.