من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
فصل في سرقات فحول الشعراء وسقطاتهم
ليس منهم فحل مذكور ولا شاعر مشهور إلا وقد أسقط وجاء بالرّذل الذي لا يرضاه المضعوف البكيّ، وما فيهم إلا من وجد سارقا مغيرا على من تقدّمه، وقد تتبّعوا بأغلاط.
فأما فحول الجاهلية فخرّج العلماء لأغاليطهم وجها، واضطروا إلى ذلك لأن اللغة والإعراب عنهم أخذا، فلو جعلوا ما جاء عنهم غير جائز في لغتهم بطل الاستشهاد بأشعارهم؛ ثم إنهم لم يجيزوا ذلك لمن أخذ العربية نقلا وتلقينا.
وأنا ذاكر من ذلك ما يحضرني ويليق بهذا الكتاب مقتصرا ومستدلّا بالبعض على الكلّ، والله الموفّق للصواب.
وخرق الإجماع والخروج عنه منكر؛ وإلا فلو قال قائل: ما المانع من نسبة العربيّ الفصيح الجاهليّ إذا أتى بغير المعتاد من لغتهم إلى الغلط والخطأ، فلو نبّه عليه لعاد إلى الواجب إذ كان غير معصوم ولا محفوظ من وقوع الزّلل عليه، لم يكن عن ذلك جواب محقّق.
- وقد كان النابغة الذّبياني كثير الإقواء في شعره، فلما دخل الحجاز هابوه أن يواقفوه على هذه العادة المستهجنة، فأمروا قينة فغنّته في
قوله:
أمن آل ميّة رائح أو مغتديعجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح أنّ رحلتنا غداوبذاك خبّرنا الغراب الأسود
فاستبان فحش الإقواء وقال: ما هذا؟ فقالوا: كذا قلت. فجعله «وبذاك تنعاب الغراب الأسود»، وترك الإقواء.
- ولو أنصف متأوّل بيت امرىء القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقبإثما من الله ولا واغل
على أنه أراد «أشرب غير» ثم أسكن الباء وجعل «رب غ» مثل عضد، ولمّا جاز عندهم عضد وعضد قاس «رب غ» عليه، لعلم أنّ هذا الوجه إذا استعمل في الكلام لم يلحن أحد واستغني عن الإعراب.
- وكذلك قال امرؤ القيس في قصيدته التي أولها:
خليليّ مرّا بي على أمّ جندبنقضّ لبانات الفؤاد المعذّب
ثم قال فيها:
عقيلة أتراب لها لا ذميمةولا ذات خلق إن تأمّلت جأنب
ولو استعمل غيره السّناد في قصيدته على غير حرف السّناد لمنع منه.
- وكم له من غاية تلهي السامع ثم يدركه نقص البشر فيقول:
أمن ذكر ليلى أن نأتك تنوصفتقصر عنها خطوة وتبوص
تبوص وكم من دونها من مفازةومن أرض جدب دونها ولصوص
- وزهير، وهو أصفاهم ألفاظا وأدقّهم كلاما، يقول:
فأقسمت جهدا بالمنازل من منىوما سحقت فيه المقادم والقمل
فانظر كيف ختم البيت بلفظة «القمل» وهي أهجن لفظة وأبعدها من الاستعمال، والمقاطع أولى بالمراعاة، فإنها ملموحة مكشوفة، وعليها يقف الكلام.
- وقالوا: إنّ امرأ القيس أخذ قوله:
كأنّ مكاكيّ الجواء غديّةصبحن سلافا من رحيق مفلفل
من قول أبي دواد الإيادي:
تخال مكاكيّة بالضحىخلال الدقاريّ شربا ثمالا
الدقاريّ الرياض، واحدتها دقرى محرّكة.
- والأعشى أخذ قوله في صفة الطيف:
يلوينني ديني الغداة وأقتضيديني إذا وقذ النّعاس الرّقّدا
من قول عمرو بن قميئة:
نأتك أمامة إلا سؤالاوإلا خيالا يوافي خيالا
يوافي مع اللّيل ميعادهاويأبى مع الصّبح إلا زوالا
- وعبيد بن الأبرص أخذ قوله:
والناس يلحون الغويّ إذا همخطئوا الصواب ولا يلام المرشد
من قول المرقش الأصغر:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمرهومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما
- وأخذ جرير قوله:
وإني لعفّ الفقر مشترك الغنىسريع إذا لم أرض داري احتماليا
من قول المخبل السعدي:
إني لترزوني النوائب في الغنىوأعفّ عند مشحّة الإقتار
ولكن جريرا أكمل المعنى وجاء به في نصف بيت في أعذب لفظ وأسلمه.
- وأخذ عبدة بن الطبيب قوله:
فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
من قول امرىء القيس، ولكنه كشف المعنى وبيّنه:
فلو أنها نفس تموت سويّةولكنها نفس تساقط أنفسا
- وأخذ أبو حية النميري قوله:
فألقت قناعا دونه الشمس واتّقتبأحسن موصولين كفّ ومعصم
من قول النابغة الذبياني:
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطهفتناولته واتّقتنا باليد
فأحسن أبو حية كلّ الإحسان وزاد زيادات ليست في بيت النابغة.
- وكانت قصة الراعي النّميري ضد ذلك حيث أخذ قوله:
وأعلم أنّ الموت يا أمّ عامرقرين محيط حبله من ورائيا
من قول طرفة:
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتىلكالطّول المرخى وثنياه باليد
فإنه قصّر عن طرفة كلّ التقصير معنى ولفظا.
- والأعشى الكبير ميمون بن قيس، وهو أرقّهم طبعا، وأسلمهم لفظا، وأقلّهم إغلاقا، يقول وهو يتغزل ويصف ريّق شبابه ولهوه مع أترابه، وقبوله عند الكواعب، وما قضّاه في صباه من المآرب:
فرميت غفلة عينه من شاتهفأصبت حبّة قلبها وطحالها
ويقول في مقام الوصف ومنتهى التمثيل:
وهل تنكر الشمس شمس النهارولا القمر الباهر الأبرص
ويقول في مدح الملوك:
ويقسم أمر الناس يوما وليلةوهم ساكتون والمنيّة تنطق
فأحسن وأبلغ ثم قصّر وتأخّر وأفحش فقال بعده:
ويأمر لليحموم في كلّ ليلةبقتّ وتعليق فقد كاد يسنق
فانظر إلى هذا التباعد والفصال.
- ثم يقول في موضع الحكمة ومظنّة تهذيب اللفظ والمعنى، فيأتي بما لا معنى فيه ولا لفظ له:
إنّ محلّا وإن مرتحلاوإن للسّفر ما مضى مهلا
قال نقّاد الشّعر: الشّعر أربعة أضرب: ضرب حسن لفظه ومعناه، فإذا نثر لم يفقد حسنه، وذلك نحو:
في كفّه خيزران ريحه عبقمن كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلا حين يبتسم
وضرب حسن لفظه وخلا معناه نحو:
ولما قضينا من منى كلّ حاجةومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطيّ الأباطح
وضرب جاد معناه وقصّر لفظه نحو:
خطاطيف حجن في حبال متينةتمدّ بها أيد إليك نوازع
وضرب قصّر معناه ولفظه نحو:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلاوإن للسّفر ما مضى مهلا
المعنى إن لنا محلا، وإن لنا مرتحلا، وإن لنا مهلا بعد السفر الذي مضى.
وما أحسن ما قال الوائلي:
وحاطب ليل في القريض زجرتهوقلت له قول النّصيح المجامل
إذا أنت لم تقدر على درّ لجّهفدعه ولا تعرض لحصباء ساحل
- وقد أخذ الأعشى قوله من قول النابغة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةبردا أسفّ لثاته بالإثمد
وتبعه القتّال الكلابيّ فقال، ولم يمنعه اشتهار هذين البيتين من الإغارة وسلك في سرقة الشعر مسلكه في الغارة على المال، فإنه كان من مشهوري اللصوص وفتّاكهم وشعرائهم:
تجلو بقادمتي حمامة أيكةبرد أسفّ لثاته مثلوج
وفي إعرابه كلام وتأويل.
- ومن المصالتة والمجاهرة في السرقة قول قيس بن الخطيم، وهو شاعر الأوس وفتاها وشجاعها:
وما المال والأخلاق إلا معارةفما اسطعت من معروفها فتزوّد
وكيف يخفى مأخذه مع اشتهار قصيدة طرفة بن العبد، وهي معلّقة على
الكعبة، وهو يقول فيها:
لعمرك ما الأيّام إلا معارةفما اسطعت من معروفها فتزوّد
- قال أبو نواس: قد قال شاعران بيتين ووضعا التشبيه فيهما في غير موضعه، فلو أخذ البيت الثاني من شعر أحدهما فجعل مع البيت الآخر، وأخذ بيت ذاك فجعل مع هذا، كان لفقا له ومشبها، فقيل له: أيّ ذلك تعني؟
قال: قول جرير للفرزدق:
فإنك إذ تهجو تميما وترتشيتبابين قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّهسراب أثارته رياح السّمائم
وقول ابن هرمة:
وإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفيّ زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراءوملحفة بيض أخرى جناحا
فلو قال جرير: فإنك إذ تهجو تميما، وبعده كتاركة بيضها بالعراء، لكان أشبه ببيته، ولو قال ابن هرمة مع بيته: وإني وتركي ندى الأكرمين، وبعده كمهريق ماء بالفلاة، لكان أشبه به.
هكذا جاءت الرواية عن أبي نواس؛ وهو أيضا وهم فإن الشّعر للفرزدق من قصيدته التي أولها:
«تحنّ بزوراء المدينة ناقتي»
قالها لما قتل وكيع بن أبي سود قتيبة بن مسلم بخراسان. وجرير كان مولعا بمدح قيس، والفرزدق يهجوهم، وذلك محقّق لما ذكرته أيضا.
- قال سلمة بن عياش: دخلت على الفرزدق السّجن وهو محبوس، وقد قال قصيدته التي فيها:
إن الذي سمك السماء بنى لنابيتا دعائمه أعزّ وأطول
وقد أفحم وأجبل، فقلت له: ألا أرفدك؟ فقال: وهل ذاك عندك؟ فقلت:
نعم، ثم قلت:
بيت زرارة محتب بفنائهومجاشع وأبو الفوارس نهشل
فاستجاد البيت وغاظه قولي، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من قريش؛ قال:
فمن أيها أنت؟ قلت: من بني عامر بن لؤيّ فقال: لئام والله رضعة؛ جاورتهم بالمدينة فما أحمدتهم. فقلت: الألأم والله منهم وأرضع قومك، جاءك رسول مالك بن المنذر، وأنت سيّدهم وشاعرهم، فأخذ بأذنك يقودك حتى حبسك، فما اعترضه ولا نصرك أحد. فقال: قاتلك الله ما أنكرك؛ وأخذ البيت فأدخله في قصيدته.
- ولما قال ذو الرّمّة:
أحين أعاذت بي تميم نساءهاوجرّدت تجريد اليماني من الغمد
ومدّت بضبعيّ الرّباب ومالكوعمرو وسالت من ورائي بنو سعد
ومن آل يربوع زهاء كأنّهزها الليل محمود النكاية والرّفد
قال له الفرزدق لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك؛ قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلا لك، فهي في قصيدة الفرزدق التي يقول فيها:
وكنّا إذا القيسيّ نبّ عتودهضربناه فوق الأنثيين على الكرد
ويروى: وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه.
- ومرّ الفرزدق بالشّمردل يوما وهو ينشد:
وما بين من لم يعط سمعا وطاعةوبين تميم غير حزّ الغلاصم
فقال والله لتتركنّه أو لتتركنّ عرضك، فقال: هو لك. فانتحله الفرزدق في قصيدته التي أولها:
تحنّ بزوراء المدينة ناقتي
- أنشد الكميت بن زيد نصيبا فاستمع له فكان فيما أنشده:
وقد رأينا بها حورا منعّمةبيضا تكامل فيها الدلّ والشّنب
فثنى نصيب خنصره فقال له الكميت: ما تصنع؟ قال: أحصي خطأك تباعدت في قولك: «تكامل فيها الدلّ والشنب»، هلّا قلت كما قال ذو الرّمّة:
لمياء في شفتيها حوّة لعسوفي اللّثاث وفي أنيابها شنب
ثم أنشده في أخرى:
إذا ما الهجارس غنّينهاتجاوبن بالفلوات الوبارا
فقال له نصيب: الوبار جمع وبرة وهي دابّة معروفة لا تسكن الفلوات.
ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:
كأنّ الغطامط من جريهاأراجيز أسلم تهجو غفارا
فقال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا قطّ. فاستحيا الكميت فسكت.
والذي عابه نصيب من قبيح الكلام وفاحشه، فإن أحسن الكلام ما اتّسق وتشاكلت معانيه، وتقاربت ألفاظه، ولذلك قال ابن لجأ لابن عمّ له: أنا أشعر منك، قال: وكيف؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمّه.
- وأنشد الجاحظ:
وشعر كبعر الكبش فرّق بينهلسان دعيّ في القريض دخيل
قال ذلك لأنّ بعر الكبش يقع متفرقا. ولذلك عيب على أبي تمّام قوله:
لا والذي خلق الهوى إن النّوىصبر وإنّ أبا الحسين كريم
- ولما قال ذو الرّمّة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجلوبين النّقا آأنت أم أمّ سالم
وقف بالمربد ينشد والناس مجتمعون عليه، فإذا هو بخيّاط يطالعه ويقول يا غيلان:
أأنت الذي تستنطق الدار واقفامن الجهل هل كانت بكنّ حلول
فقام ذو الرّمّة وفكر زمانا ثم عاد فقعد بالمربد ينشد، فإذا الخياط قد وقف عليه وقال له:
أأنت الذي شبهت عنزا بقفرةلها ذنب فوق استها أمّ سالم
فقام ذو الرّمّة فذهب ولم ينشد في المربد بعدها حتى مات الخياط.
- وقال غيلان بن المعذّل: قدم علينا ذو الرّمّة الكوفة فأنشدنا بالكناسة وهو على راحلته قصيدته الحائية التي يقول فيها:
إذا غير النأي المحبّين لم يكدرسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
فقال له عبد الله بن شبرمة: قد برح يا ذا الرّمّة، ففكر ساعة ثم قال: لم أجد رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح. قال: فأخبرت أبي بما كان من قول ذي الرّمّة واعتراض ابن شبرمة عليه، فقال: أخطأ ذو الرّمّة في رجوعه عن قوله الأول، وأخطأ ابن شبرمة في اعتراضه عليه. هذا مثل قول الله ﷿: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
(النور:) هو لم يرها ولم يكد.
- قال أبو عبد الله الزبيري: اجتمع راوية جميل وراوية كثيّر وراوية جرير وراوية الأحوص وراوية نصيب، فافتخر كلّ واحد منهم بصاحبه، وقال صاحبي أشعر، فحكّموا سكينة بنت الحسين لما عرفوه من عقلها وبصرها بالشّعر، فخرجوا حتى استأذنوا عليها، وذكروا لها الذي كان من أمرهم، فقالت لراوية جرير: أليس صاحبك الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذاحين الزيارة فارجعي بسلام
وأيّ ساعة أحلى للزيارة من الطّروق؟ قبّح الله صاحبك وقبّح شعره، ألا قال:
ادخلي بسلام.
ثم قالت لراوية كثيّر: أليس صاحبك الذي يقول:
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينهاوأحسن شيء ما به العين قرّت
وليس شيء أقرّ بعينها من النكاح، أفيحب صاحبك أن ينكح؟ قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
وقالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول:
فلو تركت عقلي معي ما طلبتهاولكن طلابيها لما فات من عقلي
فما أرى بصاحبك هوى، إنما طلب عقله، قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
ثم قالت لراوية نصيب: أليس صاحبك الذي يقول:
أهيم بدعد ما حييت وإن أمتفوا حزنا من ذا يهيم بها بعدي
فما أرى له همّة إلا من يعشقها بعده؟ قبّحه الله وقبح شعره ألا قال:
أهيم بدعد ما حييت وإن أمتفلا صلحت دعد لذي خلّة بعدي
ثم قالت لراوية الأحوص: أليس صاحبك الذي يقول:
من عاشقين تواعدا وتراسلاليلا إذا نجم الثريّا حلّقا
باتا بأنعم ليلة وألذّهاحتى إذا وضح الصّباح تفرّقا
قال: نعم، قالت: قبّحه الله وقبّح شعره، هلّا قال: تعانقا. فلم تثن على أحد منهم ولم تقدّمه.
وليس كلّ ما ذكرته ساقطا، ولكلّ منه وجه ولصاحبه فيه قصد، وإنما حسن الخبر إذ كان من امرأة قد تتبعت فحول الشعراء وظرفت في ما تتبعتهم به، وقصّر رواتهم عن جوابها.
- وشبيه به الخبر الذي رواه الزبير بن بكّار قال: خرج عمر بن أبي ربيعة إلى مكة فخرج معه الأحوص واعتمرا. قال السائب راوية كثيّر: فلما مرّا بالروحاء استتلياني فخرجت أتلوهما حتى لحقتهما بالعرج رواحهما؛ فخرجنا جميعا حتى وردنا ودّان؛ فحبسهما نصيب وذبح لهما وأكرمهما؛ وخرجنا وخرج معنا نصيب. فلما جئنا كليّة عدلنا جميعا إلى منزل كثيّر، فقيل لنا: هبط قديدا، فأتينا قديدا فذكر لنا أنّه في خيمة من خيامها، فقال لي ابن أبي ربيعة: اذهب فادعه لي؛ فقال نصيب: هو أحمق وأشدّ كبرا من أن يأتيك؛ فقال لي عمر: اذهب كما أقول لك فادعه لي. فجئته فهشّ لي وقال: اذكر غائبا تره، لقد جئت وأنا أذكرك. فأبلغته رسالة عمر فحدّد نظره إليّ وقال: أما كان عندك من المعرفة ما يردعك عن إتياني بمثل هذا وتردعه عن مثل هذه الرسالة؟ قلت: بلى والله، ولكني سترت عليك وأبى الله إلا أن يهتك سترك. فقال لي: إليك يا ابن ذكوان، ما أنت من شكلي، فقل لابن أبي ربيعة: إن كنت قرشيا فأنا قرشيّ، فقلت: ألا تترك هذا التّلصّق وأنت تقرف عنهم كما تقرف الصمغة؟ فقال: والله لأنا أثبت فيهم منك في سدوس. ثم قال: وقل له إن كنت شاعرا فأنا أشعر منك، فقلت له: هذا إذا كان الحكم إليك. فقال: وإلى من هو؟ ومن أولى بالحكم مني؟ وبعد هذا يا ابن ذكوان فاحمد الله على لؤمك فقد منعك مني اليوم. فرجعت إلى عمر فقال: ما وراءك؟ فقلت: ما قال لك نصيب، فقال: وإن؟ فأخبرته فضحك وضحك صاحباه ظهرا لبطن. ثم نهضوا معي إليه فدخلنا عليه في خيمته فوجدناه جالسا على جلد كبش، فو الله ما أوسع للقرشيّ.
فلما تحدثوا مليا وأفاضوا في ذكر الشعر أقبل على عمر فقال له: أنت تنعت المرأة وتنسب بها ثم تدعها وتنسب بنفسك، أخبرني عن قولك:
قالت تصدّي له ليعرفناثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبىثم اسبطرّت تشتدّ في أثري
وقولها والدموع تسبقهالنفسدنّ الطواف في عمر
أتراك لو وصفت بهذا هرّة أهلك، ألم تكن قد قبّحت وأسأت وقلت الهجر؟
إنما توصف الحرّة بالإباء والحياء والالتواء والبخل والامتناع كما قال هذا، وأشار إلى الأحوص:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفربأبياتكم ما درت حيث أدور
وما كنت زوّارا ولكنّ ذا الهوىإذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
قال: فدخلت الأحوص أبّهة وعرفت الخيلاء فيه. فلما استبان ذلك كثيّر منه قال: أبطل آخرك أوّلك، أخبرني عن قولك:
فإن تصلي أصلك وإن تبينيبصرمك بعد وصلك لا أبالي
ولا ألفى كمن إن سيم صرماتعرّض كي يردّ إلى الوصال
أما والله لو كنت فحلا لباليت ولو كسرت أنفك، [هلا قلت] كما قال هذا الأسود، وأشار إلى نصيب:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الرّكبوقل إن تملّينا فما ملّك القلب
قال: فانكسر الأحوص ودخلت نصيبا الأبّهة. فلما نظر إلى الكبرياء قد دخلته، قال له: وأنت يا ابن السوداء فأخبرني عن قولك:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمتفواكبدا من ذا يهيم بها بعدي
أهمّك من ينيكها بعدك؟ فقال نصيب: استوت القرفة، وهي لعبة لهم مثل المنقلة، قال سائب: فلما أمسك كثيّر أقبل عليه عمر فقال له: قد أنصتنا لك فاسمع يا مذبذب إليّ. أخبرني عن تخيّرك لنفسك وتخيّرك لمن تحبّ حيث
تقول:
ألا ليتنا يا عزّ كنّا لذي غنىبعيرين نرعى في الخلاء ونعزب
كلانا به عزّ فمن يرنا يقلعلى حسنها جرباء تعدي وأجرب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهلهعلينا فما ننفكّ نرمى ونضرب
وددت وبيت الله أنّك بكرةهجان وأني مصعب ثم نهرب
نكون بعيري ذي غنى فيضيعنافلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
ويلك! أتمنيت لها ولنفسك الرّقّ والجرب والرّمي والطّرد والمسخ؟ فأي مكروه لم تتمنّ لها ولنفسك؟ لقد أصابها منك مثل قول الأول: معاداة عاقل خير من مودّة أحمق. قال: فجعل يختلج جسده كلّه، ثم أقبل عليه الأحوص فقال له: إليّ يا ابن استها، أخبرني بخبرك وتعرّضك للشرّ وعجزك عنه وإهدافك لمن رماك، أخبرني عن قولك:
وقلن- وقد يكذبن- فيك تعيّفوشؤم إذا ما لم تطع صاح ناعقه
وأعييتنا لا راضيا بكرامةولا تاركا شكوى الذي أنت صادقه
وأدركت صفو الودّ منّا فلمتناوليس لنا ذنب فنحن مواذقه
وألفيتنا سلما فصدّعت بينناكما صدّعت بين الأديم خوالقه
والله لو احتفل عليك هاجيك لما زاد على ما بؤت به على نفسك. قال: فخفق كما يخفق الطائر. ثم أقبل عليه نصيب فقال: أقبل عليّ يا زبّ الذباب، فقد تمنّيت معرفة غائب عندي علمه فيك حيث تقول:
وددت وما تغني الودادة أنّنيبما في ضمير الحاجبيّة عالم
فإن كان خيرا سرّني وتركتهوإن كان شرّا لم تلمني اللّوائم
انظر في مرآتك، واطّلع في جيبك، واعرف صورة وجهك، تعرف ما عندها لك. فاضطرب اضطراب العصفور، وقام القوم يضحكون، وجلست عنده.
فلما هدأ شأوه قال لي: أرضيتك فيهم؟ فقلت له: أما في نفسك فنعم، لقد نحس يومك معهم، وقد بقيت أنا عليك فما عذرك- ولا عذر لك- في قولك:
سقى دمنتين لم تجد لهما أهلابحقل لكم يا عزّ قد رابني حقلا
نجاء الثريّا كلّ آخر ليلةيجودهما جودا ويتبعه وبلا
ثم قلت في آخرها:
وما حسبت ضمريّة جدريّةسوى التّيس ذي القرنين أنّ لها بعلا
أهكذا يقول الناس: «سوى التيس ذي القرنين» ؟ ويحك! ثم تظنّ ذلك قد خفي ولم يعلم به أحد، فتسبّ الرجال وتعيبهم؟ فقال: ما أنت وهذا؟ وما علمك بمعنى ما أردت؟ فقلت: هذا أعجب من ذاك، أتذكر امرأة تنسب بها في شعرك وتستغزر لها الغيث في أوّل شعرك، ثم تحمل عليها التيس في آخره؟ قال: فأطرق وذلّ وسكن. فعدت إلى أصحابي وأعلمتهم ما كان من خبره، فقالوا: ما أنت أهون حجارته التي رمي بها اليوم منّا، قال، فقلت لهم: لم يترني فأطلبه بذحل، ولكني نصحته لئلا يخلّ هذا الإخلال الشديد، ويركب هذه العروض التي ركب في الطعن على الأحرار والعيب لهم.
- ومن السرقة الفاحشة قول كثيّر في عبد الملك بن مروان:
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّهحصان عليها عقد درّ يزينها
أخذه من قول الحطيئة مصالتة فلم يغيّر سوى الرويّ:
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّهحصان عليها لؤلؤ وشنوف
ومثل ذلك فعل الفرزدق في قوله:
فما الناس بالناس الذين عهدتهمولا الدار بالدار التي كنت تعرف
نقله من قول العباس بن عبد المطلب ﵁:
إذا مجلس الأنصار خفّ بأهلهوحلّت بواديهم غفار وأسلم
فما الناس بالناس الذين عهدتهمولا الدار بالدار التي كنت تعلم
- وجرير على سعة بحره وقدرته على غرر الشعر وأبكار الكلام نقل قوله:
فلو كان الخلود لفضل قومعلى قوم لكان لنا الخلود
من قول زهير، وهو شعر مشهور يحفظه الصبيان وترويه النساء:
فلو كان حمد يخلد المرء لم يمتولكنّ حمد المرء غير مخلّد
- وقد قال جرير:
فأنت أبي ما لم تكن لي حاجةفإن عرضت أيقنت أن لا أبا ليا
فأخذه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فقال:
أأنت أخي ما لم تكن لي حاجةفإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا
وهو من قصيدة له مشهورة أجاد فيها وأحسن كلّ الإحسان، ولم تمنعه قدرته على ذلك الإحسان من الشّره إلى ما ليس له.
- وقد قال الشماخ:
وأمر ترجّي النفس ليس بنافعوآخر يخشى ضيرة لا يضيرها
فأغار عليه شبيب بن البرصاء فقال:
ترجّي النفوس الشيء لا تستطيعهوتخشى من الأشياء ما لا يضيرها
- وكان أبو العتاهية مع تقدّمه في الشعر كثير السقط، فروي أنه لقي محمد بن مناذر بمكة، فمازحه وضاحكه، ثم دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين هذا شاعر البصرة يقول قصيدة في كلّ سنة، وأنا أقول في السنة مئين قصائد. فأدخله الرشيد إليه فقال ما يقول أبو العتاهية. فقال: يا أمير المؤمنين لو كنت أقول كما يقول لقلت مثله كثيرا:
ألا يا عتبة الساعةأموت الساعة الساعة
لقلت مثله كثيرا، ولكنني أقول:
إنّ عبد المجيد يوم تولّىهدّ ركنا ما كان بالمهدود
ما درى نفسه ولا حاملوهما على النّعش من عفاف وجود
فقال الرشيد: أنشدنيها، فأنشده إيّاها، فقال: ما لها عيب إلا أنها في سوقة، وما كان ينبغي إلا أن تكون في خليفة أو وليّ عهد، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم؛ فكاد أبو العتاهية يموت غمّا وأسفا.
- ذكر أبو الشّيص يوما في مجلس الرياشي فقال: أخطأ أبو الشّيص في بيت واحد في أربعة أماكن، وهو قوله:
أشاقك واللّيل ملقى الجرانغراب ينوح على غصن بان
فالكلام شاقك لا غير، فجعل أفعل مكان فعل؛ وذكر أن الذي شاقه بالليل غراب، والغراب لا يصيح بالليل؛ وقال: غراب ينوح، وصياح الغراب لا يقال له نوح إنما يقال: نعب الغراب ونعق وشحج؛ وقال: غراب ينوح على غصن بان، وغصن البان أضعف من أن يحمل غرابا.
- استحسن من أبي نواس قوله:
إليك رمت بالقوم هوج كأنماجماجمها تحت الرحال قبور
وهو مأخوذ من قول الوليد بن عديّ بن حجر الكندي:
كأنّ هامتها قبر على شرفتمدّ للسير أوصالا وأصلابا
وطرق الراعي المعنى فقال:
فهنّ سوابغ الأبدان غلبكأن رءوسهنّ قبور عاد
وتبعهما كثير فقال:
كالقبر هامة رأسها وكأنمامنها أمام الحاجبين قدوم
وأبو حية النميري فقال:
وكأنّ هامته إذا استعرضتهقبر برابية عليه الجندل
- قال الحسن بن رشيق الأزدي الكاتب المغربي في ما جمعه من شعر المغاربة: اجتمعت وأنا حدث بيعلى بن إبراهيم الأربسي، وكانت له مكانة من الخطّ والترسّل وعلم الطبّ والهيئة مع تقدّمه في الشعر، فأخذ في ذكر الشعراء وغضّ من عبد الكريم النهشلي- وهو من أعيان وقته- فأغلظت له في الجواب. فالتفت إليّ منكرا عليّ وقال: وما أنت وما دخولك بين الشيوخ يا بني؟! فقلت له: ومن يكون الشيخ أيّده الله؟ فعرّفني نفسه ثم أخرج رقعة من خطّه فيها شعره:
إياة شمس حواها جسم لؤلؤةيغيب من لطف فيها ولم تغب
صفراء مثل النّضار السّكب لابسةدرعا مكلّلة درّا من الحبب
لم يترك الدهر منها غير رائحةتضوّعت وسنا ينساح كاللهب
إذا النديم تلقّاها ليشربهاصاغت له الراح أطرافا من الذهب
فقال: كيف رأيت؟ فقلت- وأردت الاشتطاط عليه: أما البيت الأوّل فناقص الصنعة، مسروق المعنى، فيه تنافر، قال: وكيف ذلك؟ قلت: لو كان ذكر الياقوتة مع اللؤلؤة كما قال أبو تمام:
أو درّة بيضاء بكر اطبقتحبلا على ياقوتة حمراء
لكان أتمّ تصنيعا [وأحسن ترصيعا] ولو ذكرت روح الخمر مع ذكرك جسم اللؤلؤة- يعني الكأس- لكان أوفى للمعنى، ولو قلت مع قولك «إياة»:
«شمس حواها نهار» وعنيت به الكأس كما قال ابن المعتز، ويروى للقاضي التنوخي:
وراح من الشمس مخلوقةبدت لك في قدح من نهار
لكنت قد ذهبت إلى شيء عجيب غريب؛ أما قولك: «يغيب من لطف فيها ولم يغب»، فمن قول البحتري:
يخفي الزجاجة لونها فكأنّهافي الكفّ قائمة بغير إناء
وأما البيت الثاني فأكثر من أن ينبّه عليك فيه، وأما الثالث فمن قول ابن المعتز:
أبقى الجديدان من موجودها عدمالونا ورائحة في غير تجسيم
وأما البيت الأخير، فمن قول مسلم بن الوليد:
أغارت على كفّ المدير بلونهافصاغت له منها أنامل من ذبل
وقوله أيضا:
إذا مسّها الساقي أعارت بنانهجلابيب كالجاديّ من لونها صفرا
وفيه عيب يقال له التوكّؤ، وهو تكريرك ذكر الراح، وأنت مستغن عنه، قال:
فماذا كنت أنت تسدّ مكان الراح، قلت:
كنت أقول: «صاغت ليمناه أطرافا من الذهب».
وأنشدته لنفسي دون أن أعلمه:
معتقة يعلو الحباب جنوبهافتحسبه فيها نثير جمان
رأت من لجين راحة لمديرهافجادت له من عسجد ببنان
ثم أنشد يصف بستانا:
تفيض بالماء منه كلّ فوّهةفكلّ فوارة بالماء تنذرف
كأنّها بين أشجار منوّرةظلّت بمستحسن اللبلاب تستجف
مجامر تحت أثواب مجلّلةعلى مشاجبها دخانها يهف
فقال: هل تعلم في هذا المعنى شيئا؟ فلم أرد مكاشفته، فأضربت عن أبيات عليّ ابن العباس الرومي في تشبيه المجمرة بالفوّارة، وإنما عكسه يعلى، وقلت: بل قريبا منه، وأنشدته لنفسي شعرا؛ فقال: لمن أنشدتني بدءا وعودة؟ قلت:
للذي أنكرت عليه أن يدخل بين الشيوخ؛ فعرف، وعرّف بي فاستصحبني منذ ذلك اليوم.
- لما ورد الخالديان العراق قال فيهما السريّ الرفاء يخاطب أبا الخطّاب الصابي:
بكرت عليك مغيرة الأعرابفاحفظ ثيابك يا أبا الخطاب
ورد العراق ربيعة بن مكدّموعتيبة بن الحارث بن شهاب
وهي قصيدة مشهورة من عيون شعره. فاستحسن هذا المعنى واستجيد، وإنما أخذه من قول أبي تمّام، وقد سرق شعره محمد بن يزيد الأموي فمدح به:
من بنو عامر من ابن الحبابمن بنو تغلب غداة الكلاب
من طفيل بن عامر ومن الحارث أم من عتيبة بن شهاب
- وبشّار يسمونه أبا المحدثين لتقدّمه وتسليمهم إليه الفضيلة والسبق، وبعض أهل اللغة يستشهدون بشعره لزوال الطعن عليه فيها فمما أسقط فقال:
إنما عظم سليمى حبّتيقصب السّكّر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها بصلاغلب المسك على ريح البصل
يقول هذا مع قوله في معنى مثله:
إذا قامت لمشيتها تثنّتكأنّ عظامها من خيزران
ومع قوله في الفخر:
كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
ومع قوله:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذىظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
وقال له خلاد: إنّك لتجيء بالشيء المهجّن المتفاوت، قال: وما ذاك؟
قال: بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع القلوب مثل قولك:
إذا ما غضبنا غضبة مضريّةهتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيّدنا من قبيلةذرى منبر صلى علينا وسلّما
على أن بيتي بشّار منقولان، فالأول أنشده أبو هلال العسكري للقحيف وأوّله:
إذا ما فتكنا فتكة مضريةهتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
والثاني هو بيت جرير بعينه:
منابر ملك كلّها مضريةيصلّي علينا من أعرناه منبرا
إلى أن تقول:
ربابة ربّة البيتتصبّ الخلّ في الزيت
لها عشر دجاجاتوديك حسن الصوت
فقال: لكلّ شيء وجه وموضع؛ فالقول الأوّل جدّ، وهذا قلته في ربابة جاريتي، وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة هذه لها عشر دجاجات
وديك، فهي تجمع البيض لي وتحفظه عندها؛ فهذا قولي عندها أحسن من «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» عندك.
وهذا عذر غير واضح، وهو باستئناف ذنب أولى. وقد كان يسعه أن يقول ما تفهمه الأمة ولا يسقط هذا السقوط. وما الذي أحوجه إلى أن يدوّنه ويروى عنه؟ وأيّ حجّة له في البيتين الأوّلين لولا الزّلل والنقص المستوليان على البشر.
- وأبو تمام، مع باهر فضله وبديع نظمه ونطقه بالشعر الذي لو سمي سحرا لكان أليق، يقول:
خشنت عليه أخت بني خشين
ويظن ذلك من البديع الذي اخترعه وسلك مذهبه. ويقول يمدح رجلا ويصفه بالتنين:
ولّى ولم يظلم وهل ظلم امرؤحثّ النجاء وخلفه التّنين
وقال أيضا وهجن:
كانوا رداء زمانهم فتصدّعوافكأنّما لبس الزمان الصّوفا
وأغار على زهير حيث يقول:
«لمن طلل برامة لا يريم»
فقال:
أرامة كنت مألف كلّ ريم
وقد قال، وبعد عن الفصاحة وهو إمامها:
والمجد لا يرضى بأن ترضى بأنيرضى امرؤ يرجوك إلا بالرضا
- وكذلك الرضيّ أبو الحسن الموسوي ممن شهد بفضله الأعداء، وترجم شعره أكابر العلماء، وقد كان علمه أكثر من شعره، وله تصنيف في علم القرآن برّز فيه على القدماء، ثم لم يمنعه اقتداره على درر الكلام وجواهر المعاني من التعرّض لما ليس له، والغارة الشعواء على متقدّمي الشعراء. وقد كان غنيّا ببنات صدره عن الاستلحاق، ومكفيّا بمصون خاطره عن الاستطراق. وقد عثرت له على زلل يرتفع قدره عنه، وسهو لو تنبّه له غيّره. ولعلّ غليان الخاطر وازدحام البيان، شغله عن تفقّد ما جرى به اللسان. وسأقتصر على البعض إذ كان القصد بكشف غلط مثله من صدور العلم إقامة عذر من لم يبلغ شأوه.
فممّا سها في إعرابه وغفل عن تصحيحه قوله:
ترجو وبعض رجاء الناس متعبةقد ضاع دمعك يا باك على الطلل
فرفع المنادى المشبّه بالمضاف وحقّه النصب.
ومثله قوله أيضا:
ولم أنسه غاد وقد أحدقت بهأدان تروّي نعشه وأقارب
ومن ذلك قوله:
وأين المطايا تذرع البيد والدجىإلى أقرب من نيل عزّ وأبعد
ولم تستعمل العرب أفعل التفضيل إلا جاءت «بمن»، كقولهم: أقرب من
كذا، أو يأتي بالألف واللام فيخرج عن معنى التفضيل كقولهم الأقرب والأبعد.
.- ومنه قوله:
ألا إنّ أصناف السيوف كثيرةوأقطعها هنديّها ويمانها
وإنما هو سيف يمان إذا خفّف الياء، فأما نقله إلى ما يجري الاعراب عليه في حالة الرفع فما تكلّمت به العرب.
ومما أهمل قوافيه وأجرى منصوبه مجرى مرفوعه، ولم يرخّص أحد في مثله، قوله:
إذا سكر العسّال من قطراتهاسقيت حميّاها أغرّ يماني
وقوله:
كم من طويل العمر بعد وفاتهبالذكر يصحب حاضرا أو بادي
على أن المعنى واللفظ لغيره وهو:
كم من طويل العمر بعد مماتهويموت آخر وهو في الأحياء
وقول المتنبي:
ذكر الفتى عمره الثاني
والأصل قول الأول:
«إنّ الثناء هو الخلود»
ومما استعار فيه كلام المتقدمين ولم يراقب تصفّح المتأمّلين قوله:
هل تعلمون على نأي الديار بكمأنّ الضمير إليكم شيّق ولع
وهو قول أبي زبيد الطائي بعينه:
من مبلغ قومي النائين إن شحطواأن الفؤاد إليهم شيّق ولع
.- وقوله:
مرمّون من قبل اللقاء مهابةإذا رقموا باب الطّراف الممدّد
من قول جرير:
مرمّون من ليث عليه مهابةتفادى الأسود الغلب منه تفاديا
وقوله:
أروني من يقوم لكم مقاميأروني من يقول لكم مقالي
فقوله: أروني من يقوم لكم مقامي، هو صدر بيت لجرير:
أروني من يقوم لكم مقاميإذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
وقوله:
لا تبعدنّ وأين قربك بعدهاإن المنايا غاية الإبعاد
من قول مالك بن الريب:
يقولون لا تبعد وهم يدفنوننيوأين مكان البعد إلا مكانيا
.- وقوله:
قرف على قرح تقادم عهدهإنّ القروف على القروح لأوجع
من بيت الحماسة المشهور:
فلم تنسني أوفى المصيبات بعدهولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
وقوله:
فكاذب النفس يمتدّ الرجاء لهاإنّ الرجاء بصدق النّفس ينقطع
من قول لبيد:
واكذب النّفس إذا حدّثتهاإنّ صدق النّفس يزري بالأمل
وقوله:
وندامى تفرّقوا بعد إلفشغلوا الدمع بعدهم أن يعارا
وهو قول الشمردل اليربوعي بعينه:
وكنت أعير الدمع قبلك من بكىفأنت على من مات بعدك شاغله
وقوله في صفة الخيل:
خوارج من ذيل الغبار كأنّهاأنامل مقرور دنا النار صاليا
هو بيت الأسعر بن [أبي] حمران الجعفي في مثله:
يخرجن من خلل الغبار عوابساكأنامل المقرور أقعى فاصطلى
.- وقوله:
مستلأمين بها كأنّرؤوسهم بيض النعام
وهو قول النابغة:
فصبّحهم ململمة رداحاكأنّ رؤوسهم بيض النعام
وقوله:
وما كنت إلّا كالثريّا تحلّقايدفّ على آثارها دبرانها
من قول ذي الرمة:
يدفّ على آثارها دبرانهافلا هو مسبوق ولا هو يلحق
وقوله:
هنّ القسيّ من النحول فإن سماطلب فهنّ من النجاء الأسهم
أخذه من قول البحتري وإن كان زاد في المعنى ونقص:
كالقسيّ المعطفات بلالأسهم مبرية على الأوتار
وفي هذه القصيدة يقول يصف الدرع:
من كل ضاحكة القتير كأنّهابرد أعاركها الشجاع الأرقم
نقله من محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي في قوله يصفها:
وعليّ سابغة الدروع كأنهاسلخ كسانيه الشجاع الأرقم
.- ومن ذلك قوله:
إصلاحك المال ابن عمّ الغنىوالبخل خير من سؤال البخيل
وهو مسلوخ من قول ابن المعتز:
فاشدد عرى مالك واستبقهفالبخل خير من سؤال البخيل
وقوله:
فما آب حتى استفزع المجد كلّهشروب على غيظ الرجال أكول
منقول من قول الأقرع بن معاذ:
متين حبال الودّ مطّلع العدىأكول على غيظ الرجال شروب
ومن ذلك قوله:
يا حسنكم في الدهر أذنابا وأقبحكم رؤوسا
من قول الأوّل:
فيا قبحهم في الذي خوّلواويا حسنهم في زوال النّعم
وأبو الطيب المتنبي، مع فضله المشهور، وبحره الغزير، وأخذه برقاب الكلام، ووقوفه على دقائق المعاني، واتيانه بها في أبهج رونق وأصفى سبك وأرقّ لفظ، وعلى ما في شعره من الحكم والأمثال السائرة، يغلط ويحيل ويجيء بالمعنى الشنيع واللفظ الرّذل، ثم لا يتصفّحه فيسقطه أو ينبّه عليه من بعد فيضعه.
فمن غلطه قوله:
ملك زهت بمكانه أيامهحتى افتخرن به على الأيّام
وإنما هو زهيت، يقال: زهيت علينا يا رجل، وزها النبت إذا اصفرّ وظهر زهوه أي صفرته، وزها البسر وأزهى إذا احمرّ وإذا اصفرّ. وفي الخبر أن النبي ﵌ نهى عن بيع التمر حتى يزهو، ويروى حتى يزهي، والزّهو البسر والزّهو أيضا الكذب.
-. وقوله:
وصلت إليك يد سواء عندها البازيّ الاشهب والغراب الأبقع
وهو البازي غير مشدّد، وقد وصل ألف القطع في قوله «الاشهب» وإنما احتذى في البازيّ قول البحتري:
وبياض البازيّ أحسن لوناإن تأمّلت من سواد الغراب
وحكمها في هذا الإخلال عند من أخذه عليهما واحد.
وأخذ على المتنبي قوله:
وقتلن دفرا والدّهيم فما ترىأمّ الدّهيم وأمّ دفر هابل
والدّهيم اسم الداهية، وأصل ذلك ناقة اسمها الدهيم حملت رؤوس قتلى
جماعة إلى أبيهم؛ والعرب تسمي الدنيا أمّ دفر لما فيها من المزابل والدّفر النتن، فجعل المتنبي الدفر الداهية ووهم في ذلك.
.- وقوله:
لأمة فاضة أضاة دلاصأحكمت نسجها يدا داود
والمسموع مفاضة ولم تقل العرب فاضة.
وقوله:
فأرحام شعر يتّصلن لدنّهوأرحام مال ما تني تتقطّع
فقالوا: لم تقل العرب لدنّ بالتشديد.
وعيب في القوافي بقوله:
أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبهتأتي الندى ويذاع عنك فتكره
وإذا رأيتك دون عرض عارضاأيقنت أنّ الله يبغي نصره
فإنه إن جعل الهاء حرف الرّويّ لم يجز لأن هاء الضمير لا تكون رويّا إلّا إذا سكّن ما قبلها، وإن جعل الراء الرويّ- وهو أولى- جاءه الخلل في التصريع بأشبه في البيت الأول.
وأحال في قوله:
وضاقت الأرض حتى صار هاربهمإذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
وغير شيء معناه المعدوم، والمعدوم لا يرى.
.- وأحال في قوله:
يفضح الشمس كلّما ذرّتالشمس بشمس منيرة سوداء
وفي قوله أيضا:
وإن نلت ما أمّلت منك فربّماشربت بماء يعجز الطير ورده
فجعله في عسر المنال كالماء الذي يعجز الطير أن يرده فأحال المدح هجوا.
وسقط في مواضع كثيرة، فمن ذلك قوله في سيف الدولة:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقعفإن لحت حاضت في الخدور العواتق
أراد أن يمدحه فنسب به.
وقوله فيه:
فإن كان بعض الناس سيفا لدولةففي الناس بوقات لها وطبول
وقوله:
إنّي على شغفي بما في خمرهالأعفّ عما في سراويلاتها
فافتضح مع قول الرضيّ ﵁ من بعده:
يحنّ إلى ما تضمر الخمر والحلىويصدف عما في ضمان المآزر
. وقوله:
العارض الهتن بن العارض الهتنبن العارض الهتن بن العارض الهتن
وقوله:
فكأنّه حسب الأسنّة حلوةأو ظنّها البرنيّ والآزاذا
وقوله:
«قلق المليحة وهي مسك هتكها»
وقوله:
ماذا يقول الذي يغنّييا خير من تحت ذي السماء
وقوله:
أنّى يكون أبا البريّة آدموأبوك والثقلان أنت محمّد
تقدير الكلام: كيف يكون آدم أبا البريّة وأبوك محمد وأنت الثقلان، يعني الإنس والجنّ، وآدم واحد من الإنس، وقد فصل بين المبتدأ الذي هو «أبوك» وبين الخبر الذي هو «محمد» بالجملة التي هي «والثقلان أنت»، وهذا تعسف قبيح.
ويناسبه قوله:
حملت إليه من ثنائي حديقةسقاها الحجى سقي الرياض السحائب
أراد سقي السحائب الرياض. وليس كلّ ما استعملته العرب يحسن استعماله بالمحدثين.
.- ومثله من شعره:
فتبيت تسئد مسئدا في نيّهاإسآدها في المهمه الإنضاء
تقديره: مسئدا في نيّها الإنضاء إسآدها في المهمه. وقد كان يكفيه في هذا البيت التكرير الذي لا فائدة فيه حتى أضاف إليه هذا التعقيد في التقديم والتأخير.
ومن الساقط المستهجن قوله:
جواب مسائلي أله نظيرولا لك في سؤالك لا ألا لا
فأما ما اقتبس معناه واحتذى فيه على مثال من تقدّمه فكثير، ولا يعدّ عيبا، إنما اعتدّه عليه ضدّ أو شانىء. والمعاني ليست مملوكة، وأولى الناس بها من كساها لفظا رائقا وكملها وأحسن مجتلاها.
وقد تتوارد الخواطر في المعاني فلا ينسب الثاني إلى السرقة ما كانت مصالتة لفظا ومعنى، أو بيتا كاملا، كما أخذ الفرزدق، وكما قيل في بيت أبي تمام:
وأحسن من نور تفتّحه الصّبابياض العطايا في سواد المطالب
إنه مأخوذ من قول الأخطل:
رأين بياضا في سواد كأنهبياض العطايا في سواد المطالب
ويقول من يتعصب لأبي تمام: إن هذا البيت مصنوع ولم يصحّ عن الأخطل، وهذا الأصح، فإنّ ديوانه لم يتضمّنه ولا وجد في نسخة من النسخ.
لكن قد قال العمّي في ذكر الشيب:
رأين بياضا في سواد كأنّهبياض العطايا في سواد المطالب
.- ومن سقطات المتنبي:
ولا واحدا في ذا الورى بل جماعةولا البعض من كلّ ولكنك الضعف
ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفهولا ضعف ضعف الضّعف بل مثله ألف
أقاضينا هذا الذي أنت أهلهغلطت ولا الثلثان هذا ولا النصف
ومن معانيه المسروقة المنقولة في أفحش لفظ وأهجنه قوله:
ونهب نفوس أهل النّهب أولىبأهل المجد من نهب القماش
وأصله قول عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالنّهاب وبالسباياوأبنا بالملوك مصفّدينا
وأخذ المعنى أبو تمّام، لكنه زاد وبيّن وهذّب اللفظ فقال:
إن الأسود أسود الغاب همّتهايوم الكريهة في المسلوب لا السّلب
.- وممّا استهجن لفظه وبعد عن الاستعمال ومجّته الأسماع قوله:
ولديه ملعقيان والأدب المفاد وملحياة وملممات مناهل
وقوله:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهمشيم على الحسب الأغرّ دلائل
وقوله:
أروض الناس من ترب وخوفوأرض أبي شجاع من أمان
وقوله:
كل آخائه كرام بنيالدنيا ولكنه كريم الكرام
وقوله:
لو لم تكن من ذا الورى اللّذ منك هوعقمت بمولد نسلها حوّاء
ويجري مجراه في ركاكة لفظه والتكرير الذي لا معنى تحته إلا العيّ قوله:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهلهويجهل علمي أنّه بي جاهل
وقوله:
فقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشاقلاقل عيش كلّهنّ قلاقل
.- وقوله:
وأفقد من فقدنا من وجدناقبيل الفقد مفقود المثال
وقوله:
«وطعن كأنّ الطعن لا طعن عنده»
وقد خرّج متتبّعوه معاني من شعره مترذلة، اقتصرت منها على قوله مضافا إلى ما سبق في أول هذا الفصل:
لو استطعت ركبت الناس كلّهمإلى سعيد بن عبد الله بعرانا
وله وقد جمع قبح اللفظ وبرد المعنى:
إن كان مثلك كان أو هو كائنفبرئت حينئذ من الإسلام
وقوله:
خلت البلاد من الغزالة ليلهافأعاضهاك الله كي لا تحزنا
وعيب عليه قوله في صفة فرس:
«وزاد في الأذن على الخرانق»
، وهو الأرنب، فدلّ على جهله بالخيل والمستحسن من صفاتها والمستقبح. وإنما توصف بصغر الأذن ودقتها، وهي
ضدّ صفة الأرنب.
.- وأخذ عليه في العروض استعماله فاعلاتن في عروض الرّمل في أبيات كثيرة غير مصرّعة من قصيدة أولها:
إنّما بدر بن عمّار سحابهطل فيه ثواب وعقاب
فجاء به على تمام الدائرة، ولم تستعمله العرب، وإنما جاء في شعرها على فاعلن.
ومنه قوله:
تفكّره علم ومنطقه حكموباطنه دين وظاهره ظرف
فجاء في عروض الطويل مفاعيلن ولم يرد في أشعار العرب إلا مفاعلن إلا في التصريع.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع