من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
مقدمة الباب (٦) (٣)
فأجابه خالد بن زهير:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتهافأوّل راض سنّة من يسيرها
أي جعلتها سائرة. ويروى «من سنة» وعلى هذه الرواية يروى «من يسيرها» بضم أوله، وفي ذلك يقول أبو ذؤيب:
تريدين كيما تجمعيني وخالداوهل يجمع السّيفان ويحك في غمد
- شبّب الأحوص بن محمد الأنصاري بأمّ جعفر، وهي امرأة من الأنصار، وشاع شعره فيها، فأوعده أخوها أيمن وتهدّده فلم ينته، فاستعدى عليه عمر بن عبد العزيز، فربطهما في حبل ودفع إليهما سوطين وقال لهما:
تجالدا، فغلب أخوها وسلح الأحوص في ثيابه وهرب، وتبعه أيمن حتى فاته الأحوص هربا.
وإنما فعل ذلك عمر اقتداء بعثمان بن عفان، فإنّه لما تهاجى سالم بن دارة ومرّة بن رافع الغطفاني لزمهما عثمان بحبل وأعطاهما سوطين فتجالدا بهما.
وكان الأحوص قال في أمّ جعفر من أبيات:
لقد منعت معروفها أمّ جعفروإنّي إلى معروفها لفقير
فقال السائب [أحد بني] عمرو بن عوف يعيّره فراره ويعارضه في هذه الأبيات:
لقد منع المعروف من أمّ جعفرأخو ثقة عند الجلاد صبور
علاك بمتن السوط حتى اتّقيتهبأصفر من ماء الصّفاق يفور
فقال الأحوص:
إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبهفمن ذا الذي يغفر له ذنبه بعدي
أريد انتقام الذّنب ثم تردّهيد لأدانيه مباركة عندي
- هجا الأخطل سويد بن منجوف فقال:
وما جذع سوء خرّق السّوس متنهلما حمّلته وائل بمطيق
فقال سويد: والله يا أبا مالك ما تحسن أن تهجو ولا تمدح. أردت هجائي فمدحتني، جعلت وائلا تحمّلني أمورها وما طمعت في بني ثعلبة فضلا عن بكر.
- طعن عامر بن الطفيل ضبيعة بن الحارث فقال ضبيعة:
لولا اعتراض في الأغرّ وجرأةلفعلت فاقرة بجيش سعيد
فقال عامر: يعجز عن فرسه ويتوعّدني.
- أنشد جرير قول الأخطل:
وإنّي لقوام مقاوم لم يكنجرير ولا مولى جرير يقومها
فقال: صدق، أنا لا أقوم عند است قسّ لآخذ القربان ولا بين يدي سلطان لأداء الجزية.
- أنشد رجل يحيى بن خالد:
إني امرؤ في أعالي بيت مكرمةإذا تمزّق ثوبي أرتدي حسبي
فقال يحيى: ما أقلّ غناء هذا الرّداء في كانونين.
- قصد شاعر أبا دلف فقال له: ممن أنت؟ قال: من بني تميم، فقال أبو دلف: من الذين يقول فيهم الشاعر:
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا
قال: نعم، بتلك الهداية جئتك؛ فخجل أبو دلف واستكتمه وأحسن جائزته.
- لما قتل مسلمة بن عبد الملك يزيد بن المهلب قال ثابت قطنة يرثيه:
يا ليت إخوتك الذين تغيّبواكانوا ليومك بالعراق شهودا
فقال مسلمة: وأنا والله وددت حتى أسقيهم بكأسه.
- لما أسلمت بنت شيبة بن ربيعة قالت هند بنت عتبة لها:
تدين مع الأولى قتلوا أباهاأقتل أبيك جاءك باليقين
فقالت: نعم قتله جاءني باليقين.
- عرض بلال بن أبي بردة الجند، فمرّ به رجل من بني نمير ومعه رمح قصير، فقال له بلال: يا أخا بني نمير ما أنت كما قال الشاعر:
لعمرك ما رماح بني نميربطائشة الصّدور ولا قصار
فقال: أصلح الله الأمير ما هو لي إنما استعرته من رجل من الأشعريين.
- بصر الفرزدق بجرير محرما فقال: والله لأفسدنّ على ابن المراغة حجّه، ثم جاءه مستقبلا وقال:
فإنك لاق بالمشاعر من منىفخارا فخبّرني بمن أنت فاخر
فقال جرير: لبّيك اللهمّ لبّيك.
- قال الحسن بن قحطبة: دخلت على المهديّ بعيساباذ فدخل شريك القاضي فسلّم، فقال المهدي: لا سلّم الله عليك يا فاسق، فقال شريك: إن للفاسق علامات تعرف: شرب الخمور واتّخاذ القينات والمعارف. قال: قتلني الله إن لم أقتلك. قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال:
رأيت في المنام كأني مقبل عليك أكلّمك وأنت تكلّمني من قفاك. فقال لي
المعبّر: هذا رجل يطأ بساطك وهو مخالف لك. فقال شريك: إن رؤياك ليست كرؤيا يوسف بن يعقوب، وإن دماء المسلمين لا تستحلّ بالأحلام.
فنكس المهديّ رأسه ثم أشار إليه أن اخرج، فخرج وخرجت خلفه. فقال لي: ما رأيت ما أراد صاحبك أن يفعل؟ فقلت: اسكت فلله أبوك!.
- جاء رجل إلى شريح فكلّمه بشيء وأخفاه، فلما قام قال له رجل:
يا أبا أمية، ما قال لك؟ قال: يا ابن أخي أما رأيته أسرّه منك؟
- وقيل للشعبي- وقد بنى بأهله-: كيف وجدت أهلك؟ قال:
ولم أرخيت الستور إذن.
- دعا الرشيد أبا يوسف ليلا فسأله عن مسألة فأفتاه، فأمر له بمائة ألف درهم، فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بتعجيلها قبل الصبح، فقال:
عجّلوها له، فقيل إنّ الخازن في بيته والأبواب مغلقة، فقال أبو يوسف: وقد كنت في بيتي والدروب مغلقة، فحين دعاني فتحت.
- قال عبيد الله بن زياد لبعض بني بكر بن وائل: ما تقول فينا وفي الحسين وفي قتلنا إيّاه؟ فقال: ما أقول، يجيء جدّه يوم القيامة فيشفع له ويجيء جدّك فيشفع لك.
- كان أبو الأسود يتشيّع، وكان ينزل في بني قشير وهم عثمانية، فكانوا يرمونه بالليل، فإذا أصبح شكا ذلك. فشكاهم مرّة فقالوا له: ما نحن نرميك ولكنّ الله يرميك، فقال: كذبتم لو كان الله يرميني لما أخطأني.
- كان بعض أهل البصرة يتشيّع، وكان له صديق يفد إليه ويوافقه على مذهبه، فأودعه مالا فجحده، فاضطر إلى أن قال لمحمد بن سليمان، وسأله أن يحضره ويحلّفه بحقّ عليّ ففعل ذلك. فقال الرجل: أعزّ الله الأمير، هذا الرجل صديقي وهو أعزّ عليّ وأجلّ من أن أحلف له بالبراءة من مختلف في ولايته وإيمانه، ولكنّي أحلف له بالبراءة من المتّفق على إيمانهما وولايتهما أبي بكر وعمر. فضحك محمد بن سليمان، والتزم المال، وخلّى الرجل.
- دخل أبو الطّفيل عامر بن واثلة الكناني على معاوية فقال له: أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا ولكني ممن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار؛ قال معاوية: لقد كان حقّه واجبا وكان يجب عليهم أن ينصروه، قال: فما منعك يا أمير المؤمنين من نصرته ومعك أهل الشام؟ قال: أو ما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك عامر وقال: أنت والله وعثمان كقوله:
لا أعرفنّك بعد الموت تندبنيوفي حياتي ما زوّدتني زادي
فقال له معاوية: دع عنك هذا وقل لي ما بقّى الدهر من ثكلك عليّ بن ابي طالب؟ قال: ثكل العجوز المقلات والشيخ الرقوب، قال: كيف حبّك له؟
قال: حبّ أمّ موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير.
- أتي الحجّاج بامرأة من الخوارج فقال لمن حضره: ما ترون فيها؟
قالوا اقتلها. فقالت: جلساء أخيك خير منك ومن جلسائك قال: ومن أخي؟
قالت: فرعون، لما شاور جلساءه في موسى قالوا: أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ
(الأعراف:).
- أتي عتّاب بن ورقاء بامرأة من الخوارج، فقال لها: يا عدوّة الله ما دعاك إلى الخروج؟ أما سمعت الله ﵎ يقول:
كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جرّ الذّيول
قالت: يا عدوّ الله، أخرجني قلّة معرفتك بكتاب الله تعالى.
- قال المنصور لبعض الخوارج وقد ظفر به: عرّفني من أشدّ أصحابي إقداما كان في مبارزتك؟ قال: ما أعرفهم بوجوههم ولكني أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا حتى أصفهم؛ فاغتاظ وأمر بقتله.
- قال الحجّاج لرجل من الخوارج: والله إني لأبغضكم، فقال الخارجي: أدخل الله أشدّنا بغضا لصاحبه الجنّة.
- خفّف أشعب الصلاة مرّة، فقال له بعض أهل المسجد: خففت الصلاة جدا، قال: لأنه لم يخالطها رياء.
- عاد المعتصم أبا الفتح ابن خاقان، والفتح صغير، فقال له: داري أحسن أم دار أبيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، دار أبي ما دمت فيها.
- اجتاز عمر بن الخطاب ﵁ بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير، فتهاربوا إلا عبد الله، فإنه وقف. فقال له عمر: لم لم
تفرّ مع أصحابك؟ قال: لم يكن لي جرم فأفرّ منك، ولا كان الطريق ضيّقا فأوسّعه عليك.
أتي الحجاج بأعرابيّ في أمر احتاج إلى مساءلته عنه، فقال الحجاج: قل الحقّ وإلا قتلتك، فقال له: اعمل به أنت، فإن الذي أمرك بذلك أقدر عليك منك عليّ، فقال الحجاج: صدق. فخلّوه.
- قدم أعرابيّ على سلطان ومعه قصة، فجعل يقول: هاؤم اقرأوا كتابيه، فقيل له: هذا يقال يوم القيامة، فقال: هذا شرّ من يوم القيامة، إنه يؤتى يوم القيامة بحسناتي وسيّئاتي، وأنتم جئتم بسيّئاتي وتركتم حسناتي.
- حلف أعرابيّ بالمشي إلى بيت الله الحرام لا يكلّم ابنه، فحضرته الوفاة، فقيل له: كلّمه قبل أن تفارق الدنيا، فقال: والله ما كنت قطّ أعجز عن المشي إلى بيت الله تعالى منّي الساعة.
- قيل لأعرابي ينسج: ألا تستحي أن تكون نسّاجا فقال: إنما أستحي من أن أكون أخرق لا أنفع أهلي.
- مدّ المأمون يده إلى أعرابيّ ليقبّلها، فتناولها بكمّه، فقال: أتتقزّز منها؟ قال: لا بل أتقزز لها.
- قال رجل: رأيت أعرابيّا في إبل قد ملأت الوادي، فقلت: لمن هذه؟ قال: لله في يدي.
- سأل أعرابي فقيل له: بورك فيك، وتوالى عليه ذلك من غير
مكان، فقال: وكلكم الله إلى دعوة لا تحضرها نيّة.
- سألت أعرابيّة المنصور في طريق مكّة فحرمها، فقالت:
إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا جنىفأبعدكنّ الله من شجرات
- وسألته أخرى فمنعها، فقالت:
دنوّك إن كان الدّنوّ كما أرىعلي وبعد الدّار يستويان
- قيل لجاذوسيس الصقليّ: إنّك من مدينة خسيسة، قال: أما أنا فيلزمني العار من قبل بلدي، وأما أنت فعار لازم لأهل بلدك.
- وعيّر آخر سقراط ببلده، فقال سقراط: نسبي مني ابتدأ، ونسبك إليك انتهى.
- قيل: طاف الرشيد بالبيت فوطىء جرادة، فلم يدر ما عليه فيها، فبعث بالمأمون إلى الفضيل بن عياض فسلّم عليه وقال: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: لنا إليك حاجة، فأحبّ أن تعبر إلينا. فلم يجب الفضيل بشيء، فرجع المأمون وقال: رأيت رجلا ليست به إليك حاجة، فقام الرشيد مغضبا حتى خيف على الفضيل منه؛ فوقف عليه وسلّم، فوسّع الفضيل له وردّ ﵇. فلما جلس أقبل على الفضيل فقال: رحمك الله، قد كان الواجب أن تأتينا وتعرف حقّنا إذ ولّانا الله أموركم فصيّرنا الحكام في دمائكم، والذّابّين عن حريمكم، وإذ لم تأتنا فقد أتيناك؛ إني وطئت الآن في الطواف على جندبة
فما ديتها؟ قال: فبكى الفضيل بكاء شديدا حتى علا صوته وقال: إذا كان الراعي يسأل عن الغنم هلكت الغنم، وإنما يجب على الراعي أن يرتاد لغنمه المرعى، وجيّد الكلأ، وعذب الماء، فإذا كنت يا أمير المؤمنين تسألني عن معالم الدّين فبأيّ شيء تسوس رعيّتك؟ قال: فخجل الرشيد حتى عرق وانصرف.
ومما وضع على لسان البهائم:
- قالوا: عيّر الثعلب لبؤة بأنها لم تلد في عمرها إلا جروا واحدا، فقالت: نعم إلا أنّه أسد.
- وقالوا: صحب ذئب وثعلب أسدا فاصطادوا عيرا وظبيا وأرنبا. فقال الأسد للذئب: اقسم هذا بيننا، فقال: العير لك، والظبي لي، والأرنب للثعلب.
فغضب الأسد وأخذ بحلق الذئب حتى قطع رأسه، وقال للثعلب: اقسمه أنت، فقال: العير لغدائك، والظبي لعشائك، والأرنب تتفكّه به في الليل، فقال: من علّمك هذه القسمة العادلة؟ قال: رأس الذئب الذي بين يديك.
- قالوا: تعلّق ذئب بعوسجة ليصعد حائطا فعقرته، فأقبل يلومها فقالت: يا هذا لم نفسك في التعلّق، فما يتعلّق بكلّ شيء.
- كان أبو أيوب المورياني، وزير المنصور، إذا دعاه المنصور يصفرّ ويرعد مع مكانه منه ومحله عنده. فقيل له في ذلك، فقال: مثلي ومثلكم في هذا مثل باز وديك تناظرا، فقال البازي: ما أعرف أقلّ وفاء منك، قال: وكيف ذلك؟ قال: تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك، وتخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفّهم ويحسنون إليك، حتى إذا وجدت منهم غفلة طرت وصحت وعلوت
الحيطان، وفارقت الدار التي ربيت بها وطرت إلى غيرها؛ وأنا أوخذ من الجبال فأوثق وتخاط عيني، وأطعم الشيء اليسير، وأونس يوما أو يومين ثم أطلق على الصيد، فأطير وحدي، وآخذ الصيد لصاحبي، وأمسكه عليه، وأعود إلى مكاني. فقال له الديك: ذهب عليك الصواب، أنت والله لو رأيت على السّفافيد من البزاة اليسير من الكثير الذي أراه أنا من الدّيكة ما عدت قطّ إليهم. ولكن لو عرفتم من المنصور ما أعرفه لكنتم أسوأ حالا منّي عند طلبه لكم.
- تهاجى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت وعبد الرحمن بن الحكم فأفحشا، فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص، وهو عامله على المدينة، أن يجلد كلّ واحد منهما مائة سوط؛ وكان ابن حسان صديقا لسعيد، وما مدح أحدا قطّ غيره، فكره أن يضربه أو يضرب ابن عمّه، فأمسك عنهما؛ ثم ولي مروان بن الحكم فضرب ابن حسان مائة سوط ولم يضرب أخاه. فكتب ابن حسان إلى النعمان بن بشير وهو عند معاوية فعرّفه. فعزم معاوية على مروان أن يضرب اخاه مائة، فسأل مروان الأنصار سؤال ابن حسان أن يعفو فأبى، فطلبوا إليه أن يقتصر على خمسين ففعل. فلقي ابن حسان بعض من كان لا يهوى ما ترك من ذلك، فقال: ضربك مائة وتضرب خمسين، بئس ما صنعت إذ وهبتها له، فقال: إنه عبد وإنما يضرب العبد نصف ما يضرب الحرّ، فحمل هذا الكلام حتى شاع في المدينة، فبلغ ابن الحكم فشقّ عليه وأتى أخاه مروان وأخبره الخبر، فقال: فضحني لا حاجة لي فيما ترك، فهلمّ فاقتصّ، فضرب ابن الحكم خمسين أخرى.
روي أنّ امرأة أبي الأسود خاصمته إلى زياد في ولدها، فقالت:
أيها الأمير، إنّ هذا يريد أن يغلبني على ولدي، وقد كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له فناء؛ فقال أبو الأسود: بهذا تريدين أن تغلبيني على
ولدي، فو الله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه؛ قالت: لا سواء، إنّك حملته خفّا وحملته ثقلا، ووضعته شهوة ووضعته كرها. فقال له زياد إنّي أرى امرأة عاقلة يا أبا الأسود، فادفع إليها ابنها فأخلق أن تحسن أدبه.
- لما حبس الحلّاج عند القشوري مرض ابن له فاشتهى التفّاح الشاميّ، وكان لا يصاب لفوت أوانه، فتلطّف الحلّاج واحتال حتى سأله القشوري تفاحة شامية، قصد بها تعرّف أمر الحلّاج في صدقه وكذبه، وأراد أيضا بلوغ مراده في ولده، وكان الحلّاج قد أعدّ تفاحة لذلك، فحين سأله أومى بيده هكذا وأعادها بتفاحة، وتناولها القشوري يقلّبها ويتعجّب منها، والحلّاج يقول: الساعة قطعتها من الجنّة، قال القشوري: إني أرى في موضع منها عيبا، قال الحلاج- غير مطرق ولا مكترث-: أما علمت أنّها إذا أخرجت من دار البقاء إلى دار الفناء لحقها جزء من البلاء، فكان جوابه أحسن من حيله وفعله.
- وكان كثيّر قصيرا لا يبلغ ضروع الإبل، فقال له جرير: أيّ رجل أنت لولا دمامتك؟ فقال كثيّر:
إن أك قصدا في الرّجال فإنّنيإذا حلّ أمر ساحتي لطويل
- روي أنّ عزّة قالت لبثينة: تصدّي لكثيّر وأطمعيه في نفسك حتى أسمع ما يجيبك به؛ ثم أقبلت إليه وعزّة تمشي ورآها متخفّية وعرضت عليه الوصل فقاربها، ثم قال:
رمتني على فوت بثينة بعد ماتولّى شبابي وارجحنّ شبابها
بعينين نجلاوين لو رقرقت بهالنوء الثريّا لاستهلّ ربابها
فكشفت عزّة عن وجهها، فبادرها الكلام ثم قال:
ولكنّما ترمين نفسا مريضةلعزّة منها صفوها ولبابها
فضحكت ثم قالت: أولى لك! بها نجوت، وانصرفتا تتضاحكان.
- قال يزيد بن عروة: لما مات كثيّر لم تتخلّف امرأة بالمدينة ولا رجل عن جنازته، وغلب النساء عليها يبكينه ويذكرن عزّة في ندبهنّ له، فقال أبو جعفر محمد بن علي: أفرجوا لي عن جنازة كثيّر لأرفعها، قال: فجعلنا ندفع النساء عنها، وجعل محمد بن علي يضربهنّ بكمّه ويقول: تنحّين يا صواحبات يوسف. فانتدبت له امرأة منهن فقالت: يا ابن رسول الله لقد صدقت، إنّا لصواحباته وقد كنّا خيرا منكم له، فقال أبو جعفر لبعض مواليه: احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفت. قال فلما انصرف أتي بتلك المرأة كأنها شرر النار، فقال لها محمد بن علي: أنت القائلة: إنكنّ ليوسف خير منا؟ قالت: نعم، تؤمّنني غضبك يا ابن رسول الله؟ قال: أنت آمنة من غضبي فأنبئيني. قالت:
نحن- يا ابن رسول الله- دعوناه إلى اللذات من المطعم والمشرب والتمتّع والتنعّم، وأنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجبّ وبعتموه بأبخس الأثمان، وحبستموه في السّجن، فأيّنا كان عليه أحنى وبه أرأف؟ فقال محمد: لله درّك، لن تغالب امرأة إلا غلبت، ثم قال لها ألك بعل؟ قالت: لي من الرجال من أنا بعله، فقال أبو جعفر: ما أصدقك، مثلك من تملك زوجها ولا يملكها، قال:
فلما انصرفت قال رجل من القوم: هذه بنت فلانة بنت معيقيب.
- أخبر كثيّر عن قطام صاحبة ابن ملجم في قدمة قدمها الكوفة، فأراد الدخول إليها ليوبّخها، فقيل له: لا تردها فإنّ لها جوابا، فأبى كثيّر وأتاها؛ فوقف على بابها وقرعه، فقالت: من هذا؟ قال: كثيّر بن عبد الرحمن
الشاعر، فقالت لبنات عمّ لها تنحّين حتى يدخل الرجل، فولجن البيت، وأذنت له فدخل، وتنحّت من بين يديه فرآها وقد ولّت، فقال لها: أنت قطام؟
فقالت: نعم قال: صاحبة عليّ بن أبي طالب ﵇؟ قالت: صاحبة عبد الرحمن بن ملجم، قال: أليس فيك قتل عليّ بن أبي طالب؟ قالت: بل مات بأجله، قال: أم والله لقد كنت أحبّ أن أراك، فلما رأيتك نبت عيني عنك، فما احلوليت في صدري، قالت: والله إنك لقصير القامة، عظيم الهامة، قبيح المنظر، وإنك لكما قال الأول: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه، فقال:
رأت رجلا أودى السّفار بوجههفلم يبق إلا منظر وجناجن
فإن أك معروق العظام فإنّنيإذا وزن الأقوام بالقوم وازن
وإني لما استودعتني من أمانةإذا ضاعت الأسرار للسرّ دافن
فقالت: أنت لله أبوك كثيّر عزّة؟ قال: نعم، فقالت: الحمد لله الذي قصّر بك فصرت لا تعرف إلا بامرأة، قال: ليس الأمر كذلك، والله لقد سار بها شعري، وطار بها ذكري، وقرب من الخليفة مجلسي، وإنّها لكما قلت:
فما روضة بالحزن طيّبة الثّرىيمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهناوقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها
فإن خفيت كانت لعينك قرّةوإن تبد يوما لم يغمّك عارها
فقالت: تا لله ما رأيت شاعرا قطّ أنقص عقلا ولا أضعف وصفا منك حيث تقول هذا، ألا قلت كما قال امرؤ القيس:
ألم ترياني كلّما جئت طارقاوجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
فخرج وهو يقول:
الحقّ أبلج لا تخيل سبيلهوالحقّ يعرفه ذوو الألباب
- حجّ سليمان بن عبد الملك ومعه الشعراء، فمرّ بالمدينة منصرفا، فأتي بأسراء من الروم نحو من أربعمائة اسير. فقعد سليمان وعنده عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي ﵈، وعليه ثوبان ممصّران، وهو أقربهم منه مجلسا، فأدنوا إليه بطريقهم وهو في جامعة، فقال لعبد الله بن الحسن: ثم فاضرب عنقه! فقام فما أعطاه أحد سيفا حتى دفع إليه حرسيّ سيفا كليلا، فضربه فأبان عنقه وذراعه وأطنّ ساعده وبعض الغلّ، فقال له سليمان: اجلس، فو الله ما ضربته بسيفك ولكن بحسبك، وجعل يدفع الأسراء إلى الوجوه فيقتلونهم، حتى دفع إلى جرير رجلا، فدسّت إليه بنو عبس سيفا قاطعا في قراب أبيض، فضربه فأبان رأسه؛ فدفع إلى الفرزدق أسيرا، فدسّت إليه القيسيّة سيفا كليلا، وقيل بل دفع إليه سليمان سيفا وقال: اقتله به، فقال: لا، أضربه بسيف مجاشع، واخترط سيفه فضربه فلم يغن شيئا، فقال له سليمان أم والله لقد بقي عليك عارها وشنارها، فقال جرير قصيدة يهجوه فيها، منها في المعنى:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشعضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشتيداك وقالوا محدث غير صارم
وقيل: إن الفرزدق قال لسليمان: يا أمير المؤمنين هب لي هذا الأسير، فوهبه له، فأعتقه وقال:
فهل ضربة الروميّ جاعلة لكمأبا عن كليب أو أبا مثل دارم
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهاوتقطع أحيانا مناط التّمائم
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهمإذا أثقل الأعناق حمل المغارم
وروي أنه سبق جريرا إلى البيتين الأوّلين المذكورين، وقال: كأني بابن
المراغة قد قال كذا؛ فما لبث إلّا مدّة يسيرة حتى جاءته القصيدة وفيها البيتان.
- ومن أجوبة الفرزدق المستحسنة في هذه القصيدة، وعرّض بسليمان لأنّ بني عبس أخواله:
فإن يك سيف خان أو قدر أتىبتعجيل نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا بهنبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
وقوله أيضا:
فما نبا السيف عن جبن ولا دهشعند الإمام ولكن أخّر القدر
ولو ضربت به عمدا مقلّدهلخرّ جثمانه ما فوقه شعر
وما يقدّم نفسا قبل ميتتهاجمع اليدين ولا الصّمصامة الذكر
- قال أبو العيناء: نظر المأمون إلى يحيى بن أكثم يلحظ خادما له، فقال للخادم: تعرض له إذا قمت، فإني سأقوم للوضوء، وأمره أن لا يبرح، وعد إليّ بما يقول لك، فلما قام غمزه الخادم بعينه، فقال يحيى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
(سبأ:) فمضى الخادم إلى المأمون فأخبره، فقال له: عد إليه فقل له: أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ
(سبأ:) فخرج إليه الخادم وقال له ذلك، فأطرق يحيى وكاد يموت جزعا، فخرج المأمون وهو يقول:
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلهاوقاضي قضاة المسلمين يلوط
قم واتّق الله وأصلح دينك.
- لما هجا يزيد بن مفرّغ بني زياد فأفحش، وظفر به عبيد الله أمر به فسقي نبيذا حلوا قد خلط معه الشّبرم فأسهل بطنه، وطيف به وهو على تلك الحال، وقرن به هرّ وخنزير، فجعل يسلح والصبيان يقولون: إين جست؟
فيقول: آنست ونبيذ است وعصارة زبيب است وسمية روسبي است، وجعل كلما جرّ الخنزير ضغت فيقول:
ضجّت سميّة لما لزّها قرنيلا تجزعي إنّ شرّ الشّيمة الجزع
فلما خافوا عليه الهلاك أمر به أن يغسل، فلما غسل قال:
يغسل الماء ما صنعت وقوليراسخ منك في العظام البوالي
لما وقع التباين بين محمد بن عبد الملك الزيات وبين أحمد بن أبي دواد في أيام الواثق، وسعى كلّ واحد منهما بصاحبه، دخل يوما محمد بن عبد الملك دار الواثق وابن أبي دواد هناك، فلما رآه وثب يصلّي صلاة الضحى، فقال محمد بن عبد الملك وأنشدها يسمعه:
صلّى الضّحى لما استفاد عداوتيوأراك تنسك بعدها وتصوم
لا تعدمنّ عداوة من واحدتركتك تقعد بعدها وتقوم
مات رجل وأوصى إلى أبي حنيفة وهو غائب، فقدم أبو حنيفة وارتفع إلى ابن شبرمة، وادعى الوصية وأقام البيّنة، فقال له ابن شبرمة، يا أبا حنيفة، احلف أنّ شهودك شهدوا بحقّ، قال: ليس عليّ يمين، كنت غائبا، قال: ضلّت مقاليدك يا أبا حنيفة، قال: ضلّت مقاليدي؟ ما تقول في أعمى شجّ
فشهد له شاهدان أنّ فلانا شجّه، أعلى الأعمى يمين أنّ شهوده شهدوا بحقّ وهو لا يرى؟
- قال أعرابيّ لعبد الملك: الناقة إذا كانت تمنع الحلب قوّمتها العصا، قال: إذن تكفأ الإناء وتكسر أنف الحالب.
- اجتمع شريك بن عبد الله ويحيى بن عبد الله بن الحسن في دار الرشيد، فقال يحيى لشريك: ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: فقليله أم كثيره؟ قال: بل قليله، قال: ما رأيت خيرا قط إلا والازدياد منه خير إلّا خيرك هذا فإن قليله خير من كثيره.
- كتب ملك الروم إلى الرشيد: إني متوجّه إليك بكلّ صليب في مملكتي وكل بطل في جندي، فوقع الرشيد في كتابه: وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار.
قال أبو حنيفة: قال لي حماد بن أبي سليمان: إذا سئلت عن معضلة فاقلبها سؤالا على سائلك حتى تتخلّص من مسألته، قال: فدسّ إليّ رجل على الباب وأنا عند ابن هبيرة قد أمر بي إلى السجن، فتبعني الرجل إلى السجن فقال لي: يا أبا حنيفة يحلّ للرجل إذا أمره السلطان الأعظم بقتل رجل أن يقتله؟
قال، قلت: وكان الرجل ممن يستحقّ القتل عليه؟ قال: نعم، قلت: فليقتله، قال: فإن لم يكن ممن وجب عليه القتل؟ قلت: إن السلطان الأعظم لا يأمر بقتل من لا يستحقّ عليه القتل.
قال موسى بن عبد الله بن الحسن لامرأته أمّ سلمة وكانت من ولد أبي بكر الصديق:
إني زعيم أن أجيء بضرّةفراسية فرّاسة للضرائر
فقال الربيع بن سليمان مولى الحسينيين:
أبنت أبي بكر تريد بضرّةلعمري لقد حاولت إحدى الكبائر
أعتق عمر بن عتبة غلاما كبيرا، فقال له عبد صغير:
اذكرني يا مولاي ذكرك الله بخير، فقال: إنك لم تخرف؟ فقال: إن النخلة تجتنى زهوا قبل أن تصير معوا، فقال: قاتلك الله لقد استعتقت فأحسنت، وقد وهبتك لواهبك، كنت أمس لي واليوم مني.
المعو: الجنيّ الرّطب، وجاء عن العرب عشر كلمات عينها عين ولامها واو- البعو: الجناية، الجعو: الطين، الدّعو: مصدر دعا يدعو، السّعو:
الشمع، والسّعو أيضا الرجل الضعيف، وهو أيضا طائر أصغر من العصفور، القعو: من البكرة، اللّعو: الحريص والذئب في بعض اللغات، والمعو: وقد ذكر، النّعو: الشقّ في مشفر البعير.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع