تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

خبر طرفة في صحيفته ومقتله ومبدأ أمره

كان المسيّب بن علس الضبعي شاعر ربيعة في زمانه، وإنه وقف على مجلس لبني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة فاستنشدوه فأنشدهم شعرا له:

وقد أتناسى الهمّ عند احتضارهبناج عليه الصّيعريّة مكدم
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «تناهيت عن ذكر الصبابة فاحكم»

الصّيعرية: سمة كان أهل اليمن يسمون بها النّوق دون الفحول.

كميت كناز اللحم دون علالةإذا انتعلت أخفافهنّ من الدّم

وطرفة يسمع نشيده مع القوم، وهو يومئذ غلام حين قال الشّعر، فقال طرفة: نعتّ جملا أول مرة، ثم إذا هي ناقة، استنوق الجمل! فذهبت مثلا. فضحك القوم من قول طرفة، فقال المسيّب: ما هذا الغلام ويحكم؟ قالوا: غلام منّا وقد قال بعض الشّعر، قال: مروه فلينشدني، فأنشده، فقال: يا غلام أخرج لسانك فأخرجه، فإذا فيه خطّ أسود، فقال المسيّب: ويل لهذا من هذا- يريد طرفة من لسانه.

ثم إنّ طرفة شهر وذكر شعره حتى وفد به إلى الملوك، وقد كان عبد عمرو ابن بشر بن عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ربيعة من أجمل أهل زمانه وأعظمهم، وكان رجلا بضّا بادنا جميلا، وكانت أخت طرفة عنده، فشكت إلى طرفة شيئا من زوجها كرهته، فقال طرفة:

أيا عجبا من عبد عمرو وبغيهلقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما
ولا خير فيه غير أنّ له غنىوأنّ له كشحا إذا قام أهضما
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «يا عجبا من عبد عمرو وبغيه»

فروي هذا الشّعر ورفع إلى عمرو بن هند الملك، وهند أمّه بنت الحارث الملك ابن عمرو المقصور. وإنّما سمّي المقصور لأنه اقتصر على ملك أبيه فلم يتجاوزه عمرو

ابن حجر آكل المرار الكنديّ. وكان عمرو بن هند على الحيرة وعلى ما سقى الفرات مما يلي ملك فارس من أرض العرب، وهو محرّق الأحدث، وسمّي محرّقا لأنه حرق باليمامة قرى كثيرة لبني حنيفة، وكان شمر بن عمرو الحنفي قتل أباه المنذر يوم عين أباغ مع الحارث بن جبلة الغسّاني. وكان عمرو هذا شديد السلطان والبطش متجبّرا قليل العفو، وكانت ربيعة تسمّيه مضرّط الحجارة. وكانت لعبد عمرو منزلة عظيمة من عمرو بن هند. فوافق عنده المتلمّس الضبعي، وهو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن زيد بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وقال أبو عبيدة: اسمه جرير بن يزيد وكان ينادم الملك. وكان للملك أخ يقال له قابوس لأبيه وأمه، وكان يحبّه ويرشّحه للملك بعده. فجعل له صحابة وأمر لهم بمعروف، وأمرهم بلزومه ومجالسته، وكان في من أمر بذلك طرفة والمتلمّس.

وكان قابوس غلاما معجبا بالصيد، وكان يركب ويركبون معه فيتصيّدون يومهم ويركضون حتى يرجعوا وقد ملّوا من التعب، ثم يغدون عليه، فيتشاغل عنهم بالسّماع والشراب، فيستثقل اجتماعهم عنده، فلا يأذن لهم ولا يصرفهم، فيظلّون وقوفا عامّة نهارهم. فضجّ من ذلك طرفة وثقل عليه، وكره مكانه معه، وسأله الملك أن يكون معه فأمره بلزومه، فقال طرفة يهجوه:

فليت لنا مكان الملك عمرووغوثا حول قبّتنا تدور
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «فليت لنا مكان الملك عمرو»

فرويت هذه القصيدة حين أتمّها ولم يتستّر. فخرج عمرو بن هند يتصيّد ومعه عبد عمرو، فرمى الملك حمارا فصرعه، فقال: يا عبد عمرو انزل فأجهز عليه، فنزل فاضطرب من عظمه وذهب الحمار؛ وضحك الملك وقال آخرون:

بل دخل معه الحمام. فلما تجرّد نظر إلى بدنه، فقال: لله درّ ختنك وابن عمّك ما كان أبصره بك حين يقول فيك ما قال، وأنشده الشّعر. فقال عبد عمرو:

أبيت اللعن ما قال فيك شرّ مما قال فيّ، قال: وما قال؟ قال: أكرم الملك أن

أنشده إياه. قال: لتفعلنّ، فلم يزل حتى أنشده قول طرفة. قال الملك: فقد بلغ أمره إلى هذا؟ ووقعت في نفسه واختبأها عليه، فكره أن يريه أنه غضب عليه فتدركه الرّحم فينذر طرفة فيهرب، فقال: كذبت أنت متّهم عليه. وسأل عمرو عما قال فوجده والمتلمّس قد قالا فيه قولا سيّئا، فسكت عنهما أياما ثم قال لهما: ما أظنكما إلا قد سرّكما إتيان أهليكما وغرضتما بمكانكما؟ قالا:

أجل. قال: فإني كاتب لكما بها بحباء وكرامة إلى عامل هجر. فكتب لهما أن يقتلا، وجهّزهما بشيء إلى عامله على البحرين، وعامله معضد بن عمرو بن عبد القيس، ثم من الجواثر، وبنو تغلب تقول: كتب له إلى عبد هند بن حر بن حري بن حرورة بن حمير التغلبيّ، وكان عامله على البحرين. فخرجا فمرّا بنهر الحيرة، فإذا هما بغلمان يلعبون في المآء، فرأى المتلمّس في ثياب بعضهم أثر الأنقاس، فقال: يا غلام هل تكتب؟ قال: نعم. فقال لطرفة: تعلم أنّ ارتياح الملك لي ولك من بين شعراء بكر بن وائل لأمر مريب، وقد رأيت من نظر الملك إلينا أشياء ارتبت بها، فهل لك أن تنظر في كتابينا، فإن كان ما نحبّ فختمناهما ورجعنا، وإن كان ما نكره رجعنا إلى مأمننا، فقال طرفة: ما أخاف، ما كان ليكتب إلا بما قال، ولو أراد غير ذلك لكان قادرا عليه، وما كان ليجترىء عليّ وعلى قومي. فدفع المتلمّس كتابه إلى الغلام العبادي، فلما فضّ ختامه ونظر فيه جعل يقرأ ويقول: ثكلت المتلمّس أمّه، فقال: ويلك وما في الكتاب؟ قال: فيه يقتل المتلمّس. فقال لطرفة: في كتابك والله مثل ما في كتابي، فألق صحيفتك.

فأبى، وألقى المتلمّس صحيفته في الماء، وقال:

وألقيتها بالثني من شطّ كافركذلك أقنو كلّ قطّ مدلّل

الثني من أثناء الوادي والنهر، وكافر نهر الحيرة، كفر: غطّى ووارى فهو كافر، وأقنو أجزي، والقط: الصحيفة والصك، ومنه قوله ﷿: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا

(ص:).

ومضى طرفة على وجهه حتى أتى عامل عمرو بن هند، فلما قرأ الكتاب قال: أتدري ما في كتابك؟ قال: لا، قال: فإنه قد كتب إليّ بقتلك، وأنت رجل شريف، وبيني وبينك وبين أهلك إخاء فانج ولا تعلم بمكانك، فإنك إن قرىء كتابك لم أجد بدّا من قتلك، فخرج فلقي شبّانا من عبد قيس، فجعلوا يسقونه الشراب ويقول الشّعر، فقال عامّة شعره هناك، وعلم الناس بمكانه فقدمه وقتله، فأغار رجل من بني مرثد على الجواثر فأخذ نعما فساقها إلى معبد أخي طرفة فذلك قول المتلمّس:

لن يرحض السوءات عن أحسابكمنعم الجواثر أن تساق لمعبد
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «إن الحبيبة حبها لم ينفد»

فلما بلغ عمرو بن هند صنيع المتلمّس قال إنّ حراما عليه حبّ العراق أن يطعم منه حبّة ما عاش، فذلك قوله:

آليت حبّ العراق الدّهر أطعمهوالحبّ يأكله في القرية السّوس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

ولحق بالشام فصار في دين الغسانيين.

النّعم: الإبل والبقر والغنم، فإذا انفردت الإبل قيل لها نعم، فإذا انفردت البقر والغنم لم يقل لها نعم.

والإبل: جمع لا واحد له من لفظه، ومثله قوم وغنم ونساء وخيل ومذاكير الرجل، ومحاسن المرأة ومطايب الجزور. واختلفوا في المخاض والأبابيل والعقابيل، وقال أبو عبيدة: المداحيض. وقد وضعوا لكلّ حالة من حالات الإبل صيغة اسم تتميّز به عن الأخرى: فالقلوص من الإبل بمنزلة الجارية من النساء، والبكر من الإبل بمنزلة الفتى من الرجال، وقد يقال للقلوص بكرة، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والبعير بمنزلة الإنسان يقع على الجمل والناقة كما يقع الإنسان على الرجل والمرأة.

وخبر المتلمّس مع عمرو بن هند يدلّ على أقواء العرب وجهدها، إذ كانت عقوبة هذا الملك الجبّار لهذا الشاعر المشهور أهم غايتها منعه من حبّ العراق.

وأخبار العرب في الجهد والجوع كثيرة.

قال حماد الرواية عن قتادة، قال زياد لغيلان بن خرشة: أحبّ أن تحدّثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد الله على النعمة التي أصبحنا بها.

قال غيلان: حدثني عمي قال: توالت على العرب سنون حصّت كلّ شيء، فخرجت على بكر لي في العرب، فمكثت سبعا لا أذوق شيئا إلا ما ينال بعيري أو من حشرات الأرض، حتى وقعت على حواء عظيم، فإذا بيت جحيش عن الحيّ، فملت إليه فخرجت إليّ امرأة طوالة حسّانة، فقالت: من؟ فقلت: طارق ليل يلتمس القرى، فقالت: لو كان عندنا شيء آثرناك به، والدالّ على الخير كفاعله، جس هذه البيوت ثم انظر أعظمها، فإن يك في شيء منها خير ففيه. ففعلت حتى دفعت إليه، فرحّب ثم قال: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى، فقال: يا فلان! فأجابه، فقال: هل عندك طعام؟ قال: لا، قال: فوالله ما وقر في أذني شيء كان أشدّ عليّ منه، فقال: هل عندك شراب؟ قال: لا، ثم تأوّه ثم قال: قد بقّينا في ضرع الفلانية شيئا لطارق إن طرق، قال: فأت به، فأتى العطن فابتعثها.

فحدّثني عمي أنه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذق وكور الأهواز وفارس، وجاهد عند السلطان، وكثر ماله وولده، قال: فما سمعت شيئا قط كان ألذّ من شخب تلك الناقة في تلك العلبة، حتى إذا ملأها ففاضت جوانبها وارتفعت عليها شكرة أي رغوة كجمّة الشّيخ، أقبل بها نحوي، فعثر بعود أو حجر فسقطت العلبة.

فلما رأى ذلك ربّ البيت خرج شاهرا سيفه، فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما على ظهرها مثل رأس الصعل، فكشف عرقوبها، ثم أوقد نارا واجتبّ سنامها، ودفع إليّ مدية وقال: يا عبد الله اصطل واجتمل، فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار فإذا بلغت إناها أكلتها، ثم مسحت ما بيدي من إهالتها على جلدي، وكان قد قحل جلدي كأنه شنّ، ثم شربت ماء وخررت مغشيّا عليّ فما استفقت إلى السّحر.

وقطع زياد الحديث وقال: لا عليك أن تخبرنا بأكثر من هذا فمن المنزول به؟ قلت: عامر بن الطفيل.

- خبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس في وفودهما على النبيّ ﷺ. قال ابن جريج: قدم على رسول الله ﷺ عامر بن الطفيل وأربد بن قيس العامريان، فقال عامر لرسول الله ﷺ: أدخل في دينك على أن أكون الخليفة من بعدك، قال: ليس ذاك لك ولا لأحد من قومك. قال: أفأدخل في دينك على أن أكون على أهل الوبر وأنت على أهل المدر؟ قال: لا، قال: فأيّ شيء تعطيني إذا أنا أسلمت؟ قال: أعطيك أعنّة الخيل تقاتل عليها في سبيل الله فإنك رجل شجاع، قال عامر: أو ليست أعنّة الخيل بيدي؟ ثم انصرف وهو يقول: لأملأنّها عليك خيلا ورجالا، ثم قال لأربد: إما أن تكفينيه وأقتله أو أكفيكه وتقتله؟ قال أربد: بل تكفينيه وأقتله. فأقبلا على رسول الله ﷺ، فقال له عامر: إني أريد أن أشاركك بشيء. فقال له رسول الله ﷺ: ادن، فدنا منه وجنأ عليه، وسلّ أربد بعض سيفه، فلما رأى رسول الله ﵌ بريق سيفه تعوّذ بآية من القرآن فيبست يد أربد على سيفه، وأرسل الله عليه صاعقة فأحرقته، ومضى عامر هاربا. فقال رسول الله ﷺ: اللهم اهد بني عامر وأرح الدنيا من عامر وأصبه بسهم من سهامك نافذ؛ فألجأه الموت إلى بيت امرأة من سلول، فجعل يقول أغدّة كغدّة الجمل، وفي بيت امرأة من سلول؟ فلم يزل يردّد هذا القول حتى خرجت نفسه.

وقال لبيد بن ربيعة يرثي أخاه لأمه أربد بن قيس:

أخشى على أربد الحتوف ولاأحذر نوء السّماك والأسد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ما إن تعري المنون من أحد»
فجّعني البرق والصواعق بالفارس يوم الكريهة النّجد

وأنزل الله تعالى في قصة عامر وأربد مع النبي ﷺ: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ

(الرعد:).

وروي عن ابن عباس أنه قال في شديد المحال: شديد المكر شديد العداوة؛ وقال أبو عبيدة: شديد المكر والعداوة والنكال، وقال اليزيدي: هو من المماحلة وهي المجادلة. وفي الحديث: «إنّ هذا القرآن شافع فمشفع وماحل فمصدق»، ومنه:

«اللهم لا تجعل القرآن بنا ماحلا». وقال ابن قتيبة هو المكر والكيد. وأصل المحال والحول الحيلة.

- وأصل هذه القصة أنّ عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب عم عامر بن الطفيل وهو ملاعب الأسنة أصابته الدبيلة فاستطبّ لها فلم ينتفع، فدعا ابن أخيه لبيد بن ربيعة الشاعر فقال: يا ابن أخي إنك من أوثق أهل بيتي في نفسي، فأت هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فاستطبّ لي منه واهد له إبلا.

فانطلق لبيد فأتى النبيّ ﷺ. فقال ﷺ: أما الهدية فلسنا نقبلها إلا من رجل على ديننا، ولو كنت قابلها من أحد قبلتها منه. قال: فذكر له وجعه، فأخذ ﷺ حثوة من الأرض فتفل فيها ثم قال للبيد: مثها له في ماء ثم اسقها إياه. قال:

فانصرف لبيد فأخبره ما قال، قال عامر: ما فعلت في طبي؟ قال: ذاك أحقر ما رأيت منه، قال: وكيف ذاك؟ قال: أخذ حثوة من الأرض فتفل فيها ثم قال مثها له في ماء واسقها إياه، وها هي ذه في جهازي، فقال: هاتها، فماثها في ماء فشرب منه فكأنما نشط من عقال، فرغب أبو براء في الإسلام، فبعث إلى النبي

صلّى الله عليه وسلّم: إبعث لنا قوما يفقهونا ويعلّمونا وأنا لهم جار. فدعا رسول الله ﷺ المنذر ابن عمرو الساعدي فعقد له على ثلاثين رجلا، منهم ستة وعشرون رجلا من الأنصار وأربعة من المهاجرين وهم: عامر بن فهيرة مولى أبي بكر وعمرو بن أمية الضمري من كنانة ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعروة بن أسماء بن الصلت السليمي. فخرجوا حتى انتهوا إلى ماء لبني عامر بن صعصعة يقال له بئر معونة، وبلغ عامر بن الطفيل مكانهم فاستجاش عليهم بني عامر، فقالوا: ما كنا لنخفر أبا براء، فاستنجد قوما من قيس فيهم ناس من بني سليم، ثم من بني عصيّة وذكوان، فخرج عامر بن طفيل يريدهم، وقد بعث أصحاب رسول الله ﵌ في رعي إبلهم عمرو بن أمية وحرام بن ملحان النجاري، وهجم عليهم على بئر معونة فقتلهم جميعا.

وفي رواية أنّ كعب بن زيد الديناري نزل وبه رمق فعاش حتى قتل يوم الخندق، ونظر الرجلان اللذان مع الإبل إلى العقبان تقذف بالعلق، فقالا: لقد كانت في أصحابنا وقعة أو معركة بعدنا فرجعا؛ ولقيهما عامر بن الطفيل فقال:

أمن القوم أنتما؟ فقالا: نعم، فقال لحرام: ممن أنت؟ قال: من الأنصار، فضرب عنقه، ثم قال لعمرو: ممن أنت؟ قال: من مضر، فخلّى عنه ثم ردّه معه إلى المعركة، فقال: انظر هل تفقد أحدا من أصحابك بين القتلى؟ فقال: نعم أفقد رجلا واحدا، قال: ومن هو؟ قال عامر بن فهيرة وكان خيارنا، قال: فإني أخبرت عنه بعجب، طعنه هذا- وأشار إلى خيار بن سلمى بن مالك بن جعفر- فأنفذه فأخذ من رمحه ثم صعد به إلى السماء حتى توارى عنا. وأتى الخبر النبيّ ﵌ فقال لحسان: قل شعرا واذكر إخفار عامر بن الطفيل لعامر بن مالك، فقال:

بني أمّ البنين ألم يرعكموأنتم من ذوائب أهل نجد
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألا من مبلغ عني ربيعا»
تهكم عامر بأبي براءليخفره وما خطأ كعمد
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألا من مبلغ عني ربيعا»
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعيفما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك أبو الخطوب أبو براءوخالك ماجد حكم بن سعد

يعني حكم بن أبي سعد بن أبي عمرو القيسي، وأخته كبيشة بنت سعد أم ربيعة. وبلغ شعر حسان بن ثابت ربيعة بن عامر بن مالك، فأتى النبي ﷺ، فقال له: هل يذهب خفرة أبي عندك أن أطعن عامر بن الطفيل متمكّنا بالغا ما بلغت؟ فرجع وأخذ الرمح وعامر بن الطفيل جالس مع بني الطفيل، فلما نظر إلى ربيعة وبيده الرمح عرف الشرّ في وجهه فولّى فطعنه فأشواه. وثار بنو الطفيل وبنو عامر بن مالك، فقال عامر بن الطفيل حيث خاف أن يقع الشر: يا بني جعفر، حكموني في هذه الطعنة، قالوا: قد حكمناك فيها، فخرج يمشي حتى برز من الحيّ، ثم قال: احفروا لي حفيرة، فحفروا له قعدة الرجل، فقال: يا بني جعفر إني قد جعلت طعنتي في هذه الحفرة فأهيلوا التراب عليها ففعلوا.

وأما أبو براء عامر بن مالك فإنه جمع بني عامر، فقال: قد ترون ما صنع هذا الفاسق وإخفاره إياي، وسألهم أن ينجدوه فتثاقلوا، فقال: قد بلغ من أمري أن أعصى فلا يقبل لي رأي؟ فوضع سيفه في رهابته حتى خرج من ظهره.

قال أبو النضر: الرهابة موضع القلادة من النحر. وفي رواية أنه شرب الخمر صرفا حتى مات.

وقد روي أنّ أبا براء هو الذي قدم على رسول الله ﷺ، فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد لو بعثت رجالا إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك؛ فقال ﵇: أخشى عليهم أهل نجد، قال أبو براء: أنا جار لهم فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.

وروي أنه قال لقومه وهو شيخ كبير: من كان منكم يأتي المدينة فليعرض عليّ ما جاء به محمد ﵌، فعرضوا عليه ما يقول، فقال:

كريم الحسب محتنك قد بلغ الأربعين يدعو إلى مكارم الأخلاق ويأمر بها، والله

إنّ هذا لأهل أن يتّبع وأن ينصر. وبعث إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إليّ من قبلك قوما يفهموننا الذي جئت به وتدعونا إليه.

وأما عمرو بن أمية فإنه لما عاد من المعركة لقي رجلين من بني عامر معهما عقد وجوار من رسول الله ﷺ، ولم يعلم بذلك عمرو. فنزلا معه في ظل فسألهما: من أنتما؟ فقالا: من بني عامر؛ فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أن قد أصاب ثأره من بني عامر، فلما قدم عمرو على النبي ﷺ أخبره الخبر، فقال له: لقد قتلت اثنين لأدينّهما، ثم قال النبي ﵌: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها.

وقيل لعامر بن الطفيل: إنك إن أتيت محمدا ﷺ أمنّك على ما صنعت، فأقبل هو وأربد وكان من شأنهما ما تقدّم ذكره.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.