من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
من غرائب الفأل يوما النعيم والبؤس
- ومن غرائب الفأل والطيرة ما يروى عن المنذر بن ماء السماء في يومي نعيمه وبؤسه. وأصل ذلك فيما زعموا أن المنذر نادمه رجلان من بني أسد، أحدهما خالد بن المضلل والآخر عمرو بن مسعود بن كلدة، فأغضباه في بعض المنطق، فأمر بأن يحتفر لكلّ واحد منهما حفيرة في ظهر الحيرة، ثم يجعلا في تابوتين ويدفنا في الحفيرة، ففعل ذلك بهما حتى إذا أصبح سأل عنهما، فأخبر بمكانهما وهلاكهما. فندم على ذلك وغمّه، ثم ركب حتى نظر إليهما فأمر ببناء الغريّين عليهما، فبنيا. وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما عند الغريين، سمى أحدّهما يوم نعيم والآخر يوم بؤس؛ فأول من طلع عليه يوم نعيمه يعطيه مائة من الإبل سهما أي سودا، وأوّل من يطلع عليه يوم بؤسه يعطيه رأس ظربان أسود ثم يأمر به فيذبح ويغرى بدمه الغريان. فلبث بذلك برهة من دهره.
ثم إن عبيد بن الأبرص كان أوّل من أشرف عليه في يوم بؤسه، فقال: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد، فقال: أتتك بحائن رجلاه، فأرسلها مثلا؛ فقال له المنذر:
أو أجل بلغ مداه، وقال له المنذر: أنشدني فقد كان شعرك يعجبني، فقال عبيد:
حال الجريض دون القريض وبلغ الحزام الطّبيين، فأرسلها مثلا؛ فقال له:
المنذر: اسمعني، فقال: المنايا على الحوايا، فأرسلها مثلا؛ فقال المنذر: قد أمللتني فأرحني قبل أن آمر بك، فقال عبيد: من عزّ بزّ، فأرسلها مثلا؛ فقال المنذر:
أنشدني قولك: «أقفر من أهله ملحوب»، فقال عبيد:
أقفر من أهله عبيدفاليوم لا يبدي ولا يعيد
غنّت له خطة كؤودوحان منه فاعلمن ورود
فقال له المنذر: ويحك أنشدني قبل أن أذبحك، فقال عبيد: إن متّ ما يضرني وإن عشت فواجده؛ فقال له المنذر: إنه لا بد من الموت، ولو أن النعمان عرض لي في يوم بؤسي لذبحته، فاختر إن شئت الأكحل، وإن شئت الأبجل، وإن شئت من الوريد. فقال عبيد: ثلاث خصال كسحابات واردها شرّ وارد، وحاديها شرّ حاد، ومعادها شرّ معاد، ولا خير فيها لمرتاد، وإن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر حتى إذا ماتت مفاصلي فشأنك وما تريد. فأمر له المنذر بحاجته من الخمر حتى إذا أخذت فيه وطابت نفسه، أمر به المنذر ففصد، فلما مات غرّي بدمه الغريّان.
فلم يزل كذلك حتى مرّ به رجل من طيء يقال له حنظلة بن عفراء أو ابن أبي عفراء، فقال له: أبيت اللعن؛ إني والله أتيتك زائرا، ولأهلي من خيرك مائرا، فلا تكن ميرتهم قتلي؛ فقال: لا بدّ من ذلك، وسلني حاجة قبله أقضها لك؛ قال تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي وأحكم من أمرهم ما أريد، ثم أصير إليك في حكمك؛ قال: فمن يكفل لي بك؟ فنظر في وجوه جلسائه فعرف فيهم شريك بن عمرو أبا الحوفزان فأنشأ يقول:.
يا شريكا يا ابن عمروما من الموت محاله
يا شريكا يا ابن عمرويا أخا من لا أخا له
يا أخا شيبان فك اليوم رهنا قد أنى له
يا أخا كلّ مصافوحيا من لا حيا له
إن شيبان قتيلأكرم الله رجاله
فوثب شريك وقال: أبيت اللعن! يدي يده ودمي بدمه إن لم يعد إلى أجله، فأطلقه المنذر. فلما كان من القابل جلس في مجلسه، فنظر حنظلة ليقتله فلم يشعر إلا براكب قد طلع عليهم، فتأملوه فإذا هو حنظلة قد أقبل متحنطا متكفنا معه نادبته تندبه، وقد قامت نادبة شريك تندبه، فلما نظره المنذر عجب من
وفائهما وكرمهما فأطلقهما، وأبطل تلك السّنة.
- قال هشام: خرج عمر ﵁ إلى حرة واقم، فلقي رجلا من جهينة، فقال له: ما اسمك؟ قال: شهاب، قال: ابن من؟ قال: ابن جمرة، قال: وممّن أنت؟ قال: من الحرقة، قال: ثم ممّن؟ قال: من بني ضرام، قال: وأين منزلك؟ قال: بحرّة ليلى، قال: فأين تريد؟ قال:
لظى- وهو موضع- فقال عمر: أدرك أهلك فما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا. قال: فأدركهم وقد أحاطت بهم النار.
- وقال المدائني: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان حين أتاها، فخرج هاربا منه فنزل بقرية من الصعيد يقال لها سكر. فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ قال: طالب بن مدرك، فقال: أواه! ما أراني راجعا إلى الفسطاط أبدا، ومات في تلك القرية.
- كانت نائلة بنت عمار الكلبي تحت معاوية. فقال لفاختة بنت قرظة:
اذهبي فانظري إليها. فذهبت ونظرت فقالت له: ما رأيت مثلها، ولكني رأيت تحت سرّتها خالا ليوضعن معه رأس زوجها في حجرها. وطلقها معاوية فتزوجها بعده رجلان: أحدهما حبيب بن مسلمة، والآخر النعمان بن بشير. فقتل أحدهما ووضع رأسه في حجرها.
- قيل بينا مروان بن محمد جالسا في إيوان له ينفذ الأمور بجدّ وصرامة إذ تصدّعت زجاجة من الإيوان فوقعت منها الشمس على منكب مروان. وكان هناك عيّاف يسمع منه مروان كثيرا، فقال: صدع الزجاج أمر منكر، على أمير المؤمنين يكبر. ثم قام فاتبعه ثوبان مولى مروان، فقال له: ويحك! ما قلت؟ قال: صدع
الزجاج صدع السلطان، ستذهب الشمس بملك مروان، بقوم من الترك أو خراسان، ذلك عندي واضح البرهان. فو الله ما ورد لذلك شهران حتى ورد خبر أبي مسلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع