تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الزجر والعيافة

- وكانت العرب شديدة العناية بالزجر والعيافة، ويرون ذلك حقا ودينا، ولهم فيه مذهب وعادة وسير. وفي هذا الباب من أخبارهم ما يدل على وجه الزجر، وكانوا يتيمنون بالسانح من الطير وغيره وهو ما ولاك ميامنه، ويتشاءمون بالبارح وهو ما ولاك مياسره. ويكرهون الناطح وهو ما يلقاك بجبهته، والكادس ما يجيء من خلفك يقفوك. وكل ما تطير به يسمّى طيرة العراقيب، وفيهم من ليس ذلك من رأيه، ولا يعتمد عليه في انحائه.

قال طرفة:

إذا ما أردت الأمر فامض لوجههوخل الهوينا جانبا متنائيا
ولا يمنعنك الطير ممّا أردتهفقد خطّ في الألواح ما كان خافيا

- وكانوا يستقسمون بالأزلام، واحدها زلم وزلم، وهي سهام

مكتوب على بعضها «أمرني ربي»، وعلى بعضها «نهاني ربي». فإذا أراد الرجل سفرا وأمرا يهتم به ضرب بتلك القداح، فإن خرج السهم الذي عليه «أمرني ربي» مضى لحاجته، وإن خرج الذي عليه «نهاني ربي» لم يمض في أمره.

وكان لهم قدح آخر مكتوب عليه «متربص». ولما اراد امرؤ القيس بن حجر غزو بني أسد ليطلب ثأر أبيه فيهم، نزل بتبالة وبها صنم يسمى ذا الخلصة تستقسم العرب عنده بالسهام. فاستقسم امرؤ القيس فخرج الناهي فردّه، ثم عاد فاستقسم فخرج الناهي فأعاده، ثم استقسم فخرج الناهي، فضرب بالسهام وجه ذي الخلصة وقال: عضضت بأير ابيك! لو أبوك قتل ما نهيتني؛ ومضى لوجهه، فأوقع ببني أسد. فلم يستقسم بعد عند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام. فهدمه جرير بن عبد الله البجلي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.