من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب (١٥)
- لما زفّت ميسون بنت بحدل الكلبية إلى معاوية تشوفت إلى البادية فقالت:
لبيت تخفق الأرواح فيهأحبّ إليّ من قصر منيف
وأصوات الرياح بكل فجّأحبّ إليّ من نقر الدفوف
وكلب ينبح الطّراق عنيأحبّ إليّ من هرّ ألوف
وبكر يتبع الأظعان صعبأحبّ إليّ من بغل زفوف
ولبس عباءة وتقرّ عينيأحبّ إليّ من لبس الشّفوف
وخرق من بني عمي كريمأحبّ إليّ من علج عليف
وتروى الأبيات لأعرابيّ وأولها:
لضأن ترتعي الذكران حوليأحبّ إليّ من بقر علوف
وشرب لبينة وتطيب نفسيأحبّ إليّ من أكل الرغيف
فلما بلغت الأبيات معاوية قال: والله ما رضيت بنت بحدل حتى جعلتني علجا عليفا.
- قال الفرزدق: أصابني بالبصرة مطر جود ليلا فإذا أنا بأثر دواب قد خرجت ناحية البرية، فظننت أنّ قوما قد خرجوا لنزهة، فقلت: خليق أن يكون معهم سفرة وشراب، فقصصت آثارهم حتى دفعت إلى بغال عليها رحائل
موقوفة على غدير فأغذذت السير نحو الغدير، فإذا نسوة مستنقعات في الماء؛ فقلت: لم أر كاليوم قط ولا يوم دارة جلجل، وانصرفت مستحييا منهن.
فنادينني بالله يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شيء، فانصرفت إليهن وهنّ في الماء إلى حلوقهن، فقلن: بالله لما حدثتنا بحديث دارة جلجل، فقلت: إنّ امرأ القيس كان يهوى ابنة عمّ له يقال لها عنيزة، فطلبها زمانا فلم يصل إليها حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل، وذلك أنّ الحيّ احتملوا فتقدّم الرجال وتخلّف النساء والخدم والثقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلّف بعد ما سار مع الرجال غلوة، فكمن في غيابة من الأرض حتى مرّ به النساء، فإذا فتيات وفيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فذهب بعض كلالنا، فنزلن إليه ونحين العبيد عنهنّ، ثم تجرّدن فاغتمسن في الغدير كهيئتكنّ الساعة، فأتاهنّ امرؤ القيس مخاتلا كنحو ما أتيتكنّ وهنّ غوافل، فأخذ ثيابهنّ فجمعها. ورمى الفرزدق بنفسه عن بغلته فأخذ بعض أثوابهنّ فجمعها ووضعها على صدره وقال لهنّ كما أقول لكنّ: والله لا أعطي جارية منكنّ ثوبها ولو قامت في الغدير يومها حتى تخرج مجرّدة. قال الفرزدق: فقالت إحداهنّ وكانت أمجنهنّ: هذا امرؤ القيس كان عاشقا لابنة عمه، أفعاشق أنت لبعضنا؟ قال: لا والله ما أعشق منكنّ واحدة ولكن أستهبكنّ، قال: فنعرن وصفقن بأيديهنّ وقلن: خذ في حديثك فلست منصرفا إلا بما تحبّ. قال الفرزدق في حديث امرىء القيس: فتأبّين عليه إلى آخر النهار وخشين أن يعصرن دون المنزل الذي أردنه، فخرجت إحداهنّ فدفع لها ثوبها ووضعه ناحية فأخذته ولبسته، وتتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة وحدها، فناشدته الله أن يطرح إليها ثوبها، فقال: دعينا منك فأنا حرام إن أخذت ثوبك إلا بيدك، قال: فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة، فوضع لها ثوبها فأخذته، وأقبلن عليه يعذلنه ويلمنه ويقلن: عرّيتنا وحبستنا وجوّعتنا، قال: فإن نحرت لكنّ ناقتي تأكلن منها؟ قلن: نعم، فأخذ سيفه فعرقبها ونحرها وكشطها وصاح بالخدم فجمعوا له حطبا فأجّج نارا عظيمة، وجعل يقطع لهنّ
سنامها وأطاييها وكبدها، فيقلبها على الجمر فيأكل ويأكلن معه، ويشرب من ركوة كانت معه، ويغنيهنّ وينبذ إليهنّ وإلى العبيد والخدم من الكباب حتى شبعن وطربن. فلما أراد الرحيل قالت إحداهنّ: أنا أحمل طنفسته، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله، وقالت الأخرى: عليّ حشيته وأنساعه. فتقاسمن رحله، وبقيت عنيزة فلم يحمّلها شيئا، فقال لها امرؤ القيس: يا ابنة الكرام لا بدّ أن تحمليني معك فإني لا أطيق المشي وليس من عادتي؛ فحملته على غارب بعيرها، وكان يدخل رأسه في خدرها فيقبّلها فإذا امتنعت مال حدجها فتقول: يا امرأ القيس عقرت بعيري فانزل، فذلك قوله:
تقول وقد مال الغبيط بنا معاعقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فلما فرغ الفرزدق من حديثه، قالت تلك الماجنة: قاتلك الله فما أحسن حديثك وأطرفك فمن أنت؟ قلت: من مضر، قالت: فمن أيها؟ قلت: من تميم، قالت: فمن أيها؟ قال: إلى ها هنا انتهى جوابي، قالت: إخالك الفرزدق، قلت: الفرزدق شاعر وأنا راوية، قالت: دعنا من توريتك عن نفسك، أسألك بالله: أنت هو؟ قلت: أنا هو والله، قالت: فإن كنت أنت هو فلا أحسبك تفارق ثيابنا إلا عن رضى. قلت: أجل، قالت: فاصرف وجهك عن وجهنا ساعة، وهمست إلى صواحباتها بشيء لم أفهمه، فانعطفن من الماء فتوارين وأبدين رؤوسهن وخرجن ومع كل واحدة منهنّ ملء كفّها طينا، وجعلن يتعادين نحوي ويضربن بذلك الطين والحمأة وجهي وثيابي وملأن عيني، ووقعت على وجهي مشغولا بعينيّ وما فيهما، وشددن على ثيابهنّ فأخذنها، وركبت تلك الماجنة بغلتي وتركتني متخبّطا بأسوأ حال وأخزاها، ويقلن: زعم الفتى أنه لا بدّ له أن ينيكنا. فما زلت في ذلك المكان حتى غسلت وجهي وثيابي وجففتها وانصرفت عند مجيء الظلام إلى منزلي على قدميّ، وبغلتي قد وجّهن بها إلى منزلي مع رسول وقلن له: قل له يقلن لك أخواتك: طلبت منا ما لا
يمكننا، وقد وجّهنا إليك بزوجتك فنكها سائر ليلتك، وهذا كسر درهم يكون لحمامك إذا أصبحت. وكان إذا حدّث بهذا الحديث يقول: ما منيت بمثلهن.
حكى يونس عن أبي عمرو بن كعب بن أبي ربيعة: اشترى لأخيه كلاب بن ربيعة بقرة بأربعة أعنز، فركبها كلاب ثم أجراها فأعجبه عدوها، فجعل يقول:
فدى لها أبو أبي بويب الغصن بي
ثم التفت إلى أخيه كعب فقال: زدهم عنزا حين أعجبته، فذهبت مثلا للأحمق إذ أمره بالزيادة بعد البيع. ويزعمون أنه ألجمها من قبل استها وحوّل وجهه إلى استها. قال: ولما ركب كلاب البقرة نظر إلى أرنب ففزع منها وركض البقرة وقال:
الله نجّاك وجري البقرهمن جاحظ العينين تحت الشجره
ويقولون: كان الأسد يهاب الحمار ويرى فيه القوة والمنعة، فاستجرّه ذات يوم ليبلوه، فقال: يا حمار ما أكبر أسنانك! قال: للتمام، قال:
ما أنكر حوافرك! قال: للصم ذاك، قال: ما أتم أذنك! قال: للذب ذاك، قال:
ما أعظم بطنك! قال: ضرط أكثر ذاك. فلما سمع مقالته اغتنم فيه فوثب عليه فافترسه. فكلّهن يضربن مثلا للمنظر الذي يخالف المخبر.
حدث الأصمعي عن يونس قال: صرت إلى حيّ بني يربوع فلم أجد إلا النساء فأضرّ بي الجوع، فصرت إليهنّ وقلت: هل لكنّ في الصلاة؟ قلن: أيم الله إنّ لنا فيها لأهلا، فأذّنت وأقمت وتقدّمت وكبّرت وقرأت الحمد لله رب العالمين، ثم قلت: يا أيها الذين آمنوا إذا نزل بكم الضيف فلتقم ربة البيت فتملأ قعبا زبدا وقعبا تمرا فإنّ ذلك خير وأعظم أجرا، قال: فو الله ما انقلبت من صلاتي إلا وصحاف القوم حولي، فأكلت حتى امتلأت. ثم جاء رجال الحي، فسمعت امرأة وهي تقول لزوجها: يا فلان ما سمعت قرآنا أحسن من قرآن قرأه اليوم ضيفنا، فقال
لها زوجها: تبارك ربنا إنه ليأمرنا بمكارم الأخلاق.
قيل لأعرابيّ: ما أصبركم على البدو، قال: كيف لا يصبر من طعامه الشمس وشرابه الريح، ولقد خرجنا في إثر قوم تقدّموا مراحل ونحن حفاة والشمس في قلة السماء حيث انتعل كل شيء ظلّة، وما زادنا إلا التوكّل وما مطايانا إلا الأرجل حتى لحقناهم.
عبيد:
لعمرك إني والظليم بقفرةلمشتبها الأهواء مختلفا النجر
خليلا صفاء بعد طول عداوةألا يا لتقليب القلوب وللدهر
قال: اجتمع السرور والنوك والخصب والوباء والمال والسلطان والصحة والفاقة بالبادية، فقالوا: إنّ البادية لا تسعنا فتعالوا نتفرّق في الآفاق، فقال السرور: أنا منطلق إلى اليمن، قال النوك: أنا معك، قال الخصب: أنا إلى الشام، قال الوباء: أنا معك، قال المال: أنا إلى العراق، قال السلطان: أنا معك، قال الفاقة:
ما بي حراك، فقالت الصحة أنا معك، فبقيت الفاقة والصحة بالبادية.
الحرقوص دويبة أكبر من البرغوث وعضّها أشدّ. تزعم العرب أنها مولعة بفروج النساء، ويقال لها: النهيك، وقيل هو البرغوث بعينه، قال أعرابي وقد عضّ بهن امرأته:
وإني من الحرقوص إن عضّ عضّةبما بين رجليها لجدّ غيور
تطيّب نفسي عندما يستفزّنيمقالتها إنّ النهيك صغير
ويتلوه الباب السادس والثلاثون والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد نبيّه وآله وصحبه وسلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع