من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الطيرة وموقف الحمس منها
قد نهى الله ﷿ عن الطيرة، ودلّ على ذلك قوله ﷿ حكاية عن الكافرين: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
(النمل:). وأمر بتركها في قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
(البقرة:). وهذا إخبار عن تطيّر كانت العرب تعتمده فنهاهم الله ﷿ عنه. قال أكثر أهل التفسير: كان الحمس، وهم قوم من قريش وبنو عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة، إذا أحرموا لا يأقطون الأقط ولا ينتفون الوبر ولا يسلأون السمن، وإذا خرج أحدهم في الإحرام لم يدخل من باب بيته. وقيل: كان جماعة من العرب إذا خرج الرجل منهم في حاجة فلم يقضها ولم تيسّر له رجع ولم يدخل من باب بيته سنة، يفعل ذلك طيرة.
سمّوا الحمس لأنهم تحمّسوا في دينهم، أي تشدّدوا، والحماسة الشدة في الغضب وفي القتال وفي كلّ شيء. قال العجاج:
وكم قطعنا من قفار حمس
أي شداد
- وجاء في الحديث: «الطّيرة والعيافة والطّرق من الجبت» وجاء فيه أيضا: «الطّيرة شرك وما منّا إلا ويجد ذلك في نفسه، ولكنّ الله تعالى يذهبه بالتوكل»، وفيه أيضا: «ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الظن والطيرة والحسد».
فإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا تطيّرت فامض ولا تنثن.
والفأل جائز ومستحسن؛ كان النبي ﷺ يتفاءل، ولما نزل المدينة على كلثوم دعا غلامين له: يا يسار يا سالم، فقال النبي ﷺ لأبي بكر ﵀: سلمت لنا الدار؛ وقال صلّى الله عليه وآله: سمّوا أولادكم أسماء الأنبياء، فأحسن الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها الحارث وهمّام وأقبحها حرب ومرّة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع