من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نماذج من تصرف الأغنياء
وروي أن النبي ﷺ لما زوّج فاطمة، بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف وجرتين وزوجي سقاء. قال علي ﵇: فقلت لفاطمة ﵍: لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بالسبي. فأتياه جميعا، فذكرا ذلك له وقالا: أخدمنا، فقال رسول الله ﷺ: والله لا أخدمكما وأدع أهل الصّفّة تنطوي بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم. فرجعا فدخلا في خميلتهما، فجاء النبي ﵌ فتبادرا، فقال: مكانكما! ألا أخبركما بشيء خير لكما مما سألتماني، علّمنيه جبريل ﵇: تكبّران في عقب كل صلاة عشرا وتسبحانه عشرا وتحمدانه عشرا، وإذا أويتما إلى فراشكما حمدتما الله ثلاثا وثلاثين وتسبّحان ثلاثا وثلاثين وتكبّران أربعا وثلاثين. قال علي ﵇: فو الله ما تركتهن منذ علمنيهنّ رسول الله ﵌. فقال
ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟ قال علي: قاتلكم الله يا أهل العراق، ولا ليلة صفين.
وعن أنس: جاءت فاطمة إلى النبي ﷺ تشكو مجلا بيدها من الطحين. فأتاها النبي ﷺ بغلام وعليها ثوب، فذهبت تغطى وجهها فتخرج رجلاها، فذهبت تغطي رجليها فذهب رأسها. فقال ﷺ: إنما هو أبوك وغلامك.
ومدح الفقر والرضا به مخرجة من الدنانير. فأما المنغمس في الدنيا والراغب فيها فجماله وفخره في الغنى، ووباله وفساد حاله وفضائله الفقر. وقد أكثر الناس في ذلك، فكانوا أكثر ممّن رضي بالفقر، كنسبة كثرة الراغبين في الدنيا إلى قلة طالبي الآخرة.
- وقد قالوا: الفقر رأس كل بلاء، وداعية إلى مقت الناس، وهو مع ذلك مسلبة للعقل والمروءة، ومذهبة للحياء والأدب والعلم، معدن للتهمة.
ومتى نزل بالرجل الفقر لم يجد بدّا من ترك الحياء. ومن فقد حياءه فقد مروءته، ومن فقد مروءته مقت، ومن مقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن أنكر عقله، واستحال ذهنه، وذهب حفظه وفهمه، ومن صار إلى ذلك كان قوله وفعله عليه لا له. وإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمنا، وأساء به الظن من كان ظنه به حسنا. فإن أذنب غيره أظنوه، وكان عندهم للتهمة أهلا. وليست خلّة هي للغني مدح إلا وهي للفقير عيب، فإن كان شجاعا قيل أهوج، وإن كان جوادا قيل مبذر، وإن كان حليما قيل ضعيف، وإن كان وقورا قيل بليد، وإن كان لسنا قيل مهذار، وإن كان صموتا قيل عيي.
وأوصى قيس بن معدي كرب الكندي بنيه فقال: عليكم بهذا المال فاطلبوه أجمل الطلب، واجعلوه جنة لاعراضكم يحسن في الدنيا مقالكم، فإن بذله كمال الشرف وثبات المروءة، وإنه ليسوّد غير السيد، ويقوّي غير الأيّد،
حتى يكون في أنفس الناس نبيها، وفي أعينهم مهيبا. ومن كسب مالا فلم يصل منه رحما، ولم يعط منه سائلا، ولم يصن به عرضا، بحث الناس عن أصله، فإن كان ناقصا هتكوه، وإن كان صحيحا كسبوه إمّا دنية أو عرقا لئيما حتى يمتحنوه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع