تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

أقوال في الفقر والفقير

قال لقمان لابنه: إني قد ذقت المرّ فلم أذق أمرّ من الفقر، فإن افتقرت يوما فاجعل فقرك فيما بينك وبين الله ثم سله، فما من أحد دعا الله فلم يجبه، أو سأله فلم يعطه. ولا تحدث الناس بفقرك فتهون عليهم ويبغضوك.

وقيل للقمان: أي الناس أعلم؟ قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه. قيل: فأي الناس أغنى؟ قال: من رضي بما أوتي. قيل: فأي الناس خير؟ قال: المؤمن الغني. قيل: الغنى من المال؟ قال: بل الغنى من العلم، فإن احتاج الناس إليه وجدوا عنده علما، وإن لم يحتج الناس إليه أغنى نفسه.

باع طلحة ضيعة بخمسين ألف درهم وتصدق بها، ثم راح إلى الجمعة في قميص مرقوع.

وقال قيس بن عاصم في وصيته لولده: أكرموا الإبل فإن فيها مهر الكريمة ورقوء الدم.

ورقوء الدم حبسه، وكذلك الدمع يقال لا أرقأ الله له مدمعا.

ومن أمثالهم في اكرام المال: من ذهب ماله هان على أهله.

- ودخل أحيحة بن الجلاح حائطا، فرأى تمرة ساقطة فتناولها، فعوتب في ذلك فقال: التمرة إلى التمرة تمر، والذود إلى الذود إبل، فذهبا

مثلين. وهو القائل:

استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبمن ابن عمّ ولا عمّ ولا خال
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»
إني أقيم على الزوراء أعمرهاإن الحبيب إلى الإخوان ذو المال

- ومن محبتهم للمال والغنى أمروا بإصلاحه، ومنه البيت السائر:

قليل المال تصلحه فيبقىولا يبقى الكثير مع الفساد
للشاعر محمد غريط، اقرأ القصيدة

وهو للمتلمس. وقبله:

لحفظ المال خير من بغاهوسير في البلاد بغير زاد

ومنه الخبر عن عائشة ﵂ أنها وهبت مالا كثيرا ثم أمرت بثوب لها أن يرقع، وقالت: لا جديد لمن لا يلبس الخلق.

ومن أمثال العرب: من استغنى كرم على أهله.

قال الشاعر:

يكرم الناس دنّيا مكثراويهان الماجد العفّ العديم

- وقال بعض الفرس: من زعم أنه لا يحب المال فهو عندي كاذب حتى يثبت صدقه، فإن ثبت صدقه فهو عندي أحمق.

- وروي عن رجل من أهل العلم أنه مرّ به رجل من أرباب المال فنحر له وأكرمه، فقيل له بعد ذلك: أكانت لك إلى هذا حاجة؟ قال: لا والله، ولكني رأيت ذا المال مهيبا، أو قال رايت المال مهيبا.

»

- ويشبه ذلك قول عروة بن الورد:

ذريني للغنى أسعى فإنيرأيت الناس شرّهم الفقير
وأبعدهم وأهونهم عليهموان أمسى له حسب وخير
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «دعيني للغنى أسعى فإني»
ويقضيه الدنيّ وتزدريهحليلته وينهره الصغير
وتلقى ذا الغنى وله جلاليكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جمّولكنّ الغنى ربّ غفور
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «دعيني للغنى أسعى فإني»

ب- ورأى أنو شروان فقيرا جاهلا فقال: بئس ما اجتمع على هذا، فقر ينغص دنياه وجهل يفسد آخرته.

وقال آخر: نعم أخو الشريف درهمه: يغنيه عن اللئام ويتجمل به في الكرام.

وقال آخر: الفقير في الأهل مصروم، والغني في الغربة موصول.

قيل لرجل مستهتر بجمع المال: ما هذا كله؟ قال: إنما أجمعه لروعة الزمان، وجفوة السلطان، وتخلّي الإخوان، ودفع الأحزان.

قال رجل: كنت أمشي مع سفيان بن عيينة، فسأله سائل فلم يكن معه ما يعطيه فبكى. فقلت له: وما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: وأي مصيبة أعظم من أن يؤمّل فيك رجل خيرا فلا يصيبه منك.

قال سعيد بن عبد العزيز: ما ضرب العباد بسوط أوجع من الفقر.

- وكان العياشي يقول: الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع

للشمس، ومن الذنب للمصرّ، ومن الحكم للمقرّ؛ وهو عندهم أرفع من السماء، وأعذب من الماء، وأحلى من الشهد، وأذكى من الورد؛ خطأه صواب، وسيئته حسنة، وقوله مقبول؛ يغشى مجلسه ولا يملّ حديثه.

قال: والمفلس عند الناس أكذب من لمعان السراب، ومن رؤيا الكظّة، ومن مرآة اللقوة؛ لا يسلّم عليه إن قدم، ولا يسأل عنه إن غاب؛ إن غاب شتموه، وإن حضر زبروه، وإن غضب صفعوه؛ مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة؛ أثقل من الأمانة، وأبغض من الملحف المبرم.

رأى أعرابيّ إبل رجل قد كثرت بعد قلة، فقيل: إنه زوّج أمّه فجاءت بمال. فقال: اللهم إنا نعوذ بك من بعض الرزق.

وقال أعرابيّ: اجمعوا الدراهم فإنها تلبس اليلمق وتطعم الجردق.

وقال بعضهم: طلبت الراحة لنفسي فلم أجد شيئا أروح لها من ترك ما لا يعنيها، وتوحشت في البرية فلم أر وحشة أشدّ من قرين سوء، وشهدت الزّحوف ولقيت الأقران فلم أر قرنا أغلب للرجل من امرأة سوء، ونظرت إلى كل ما يذلّ العزيز ويكسره فلم أر شيئا أذلّ له ولا أكسر من الفاقة.

قال حضين بن المنذر: لوددت أن لي أساطين مسجد الجامع ذهبا وفضة لا أنتفع منه بشيء. قيل له: لم يا أبا ساسان؟ قال: يخدمني والله عليه موتان الرجال.

قال علي بن سويد بن منحوف: أعدم أبي إعدامة بالبصرة، فخرج إلى خراسان فلم يصب بها طائلا، فبينا هو يشكو تعذّر الأشياء عليه إذا عدا غلامه على كسوته وبغلته فذهب بها، فأتى أبا ساسان حضين بن المنذر الرقاشي، فشكا إليه حاله، فقال له: والله يا ابن أخي ما عمّك ممّن يحمل محاملك، ولكن لعلي أحتال لك. فدعا بكسوة حسنة فألبسني إياها، ثم قال: امض بنا. فأتى باب السلطان فدخل وتركني بالباب، فلم ألبث أن خرج الحاجب يقول: علي بن سويد بن منحوف، فدخلت على الوالي فإذا حضين على فراش إلى جنبه. فسلمت

على الوالي فردّ عليّ. ثم أقبل عليه حضين فقال: أصلح الله الأمير هذا علي بن سويد بن منحوف سيد فتيان بكر بن وائل وابن سيد كهولها، وأكثر الناس مالا، وقد تحمّل بي على الأمير في حاجة، قال: حاجته مقضية؛ قال: فإنه يسألك أن تمد يدك من ماله ومراكبه وسلاحه إلى ما أحببت، قال: لا والله ما أفعل ذلك بل نحن أولى بزيادته؛ قال: فقد أعفيناك من هذه إذ كرهتها، وهو يسألك أن تحمّله حوائجك بالبصرة؛ قال: إن كان فيها حاجة فهو فيها ثقة، ولكني أسألك أن تكلمه في قبول معونة منّا فإنا نحب أن نرى على مثله من أثرنا. فأقبل عليّ فقال: يا أبا الحسن، عزمت عليك أن لا ترد على عمك شيئا أكرمك به. فسكت فدعا لي بمال ودواب وكسوة ورقيق. فلما خرجت قلت: يا أبا ساسان لقد وافقتني على خطة، قال:

اذهب! إليك يا ابن أخي، فعمك أعلم بالناس منك، إن الناس إن يعلموا لك غرائر من مال حشوا لك أخرى، وإن علموا أنك فقير تعدّوا عليك مع فقرك.

- كان سعية بن غريض اليهودي ينادم قوما من الأوس والخزرج، ويأتونه فيقيمون عنده، ويزورونه في أوقات قد ألف زيارتهم فيها، فأغار عليه بعض ملوك اليمن فانتسف ماله حتى افتقر، فانقطع عنه إخوانه وجفوه، فلما أخصب وتراجعت حاله راجعوه. فقال في ذلك:

أرى الإخوان لما قل ماليوأجحفت النوائب ودّعوني
فلما أن غنيت وعاد ماليأراهم لا أبا لك راجعوني
للشاعر سعية بن غريض، اقرأ القصيدة
وكان القوم خلانا لماليوإخوانا لما خوّلت دوني
فلما شذّ مالي باعدونيولما عاد مالي عاودوني

صخر بن حبناء:

رأيت لما نلت مالا وعضّنازمان نرى في حدّ أنيابه شغبا
تجنّى عليّ الذنب أنك موسرفأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا

كاتب: حسر الدهر عن تجملي قناع القناعة، ولكني مع الظمأ عن ذي الموارد نافر، ومع الفاقة بغنى النفس مكاثر.

- قال رجل لابن عبد الرحمن بن عوف: ما ترك أبوك؟ قال: ترك مالا كثيرا، فقال له: ألا أعلمك شيئا هو خير لك ممّا ترك أبوك؟ إنه لا مال لعاجز، ولا ضياع على حازم، والرفق جمال وليس بمال، فعليك من المال بما لا يعولك ولا تعوله.

قيل: لا تصحب غنيا فإنك إن ساويته في الانفاق أضربك، وإن تفضل عليك استنصر واستذلك.

قال الحجاج لكاتبه: لا تجعلن مالي عند من لا أستطيع أخذه منه.

قال: ومن لا يستطيع الأمير أن يأخذ منه ماله؟ قال: المفلس.

فكان من شأن الفقير على هذا أن لا يعامل. ومن لا يعامل انقطعت موارد كسبه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.