من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب (٢٠)
- اختلف إبراهيم بن هشام وقرشيّ في حرف، فحكّما أبا عبيدة بن محمد بن عمّار فقال: أما أفرس الكلامين فما يقول الأمير. أما ما يقول النحويون الخبثاء فما يقول هذا.
خطب رجل امرأة فقالت له: إنّ فيّ تقزّزا، وأخاف أن أرى منك بعض ما أتقزّز منه فتنصرف نفسي عنك. فقال الرجل: أرجو أن لا تري ذلك.
فتزوّجها فمكث أياما معها، ثم قعد يوما يتغدّى فلمّا رفع الخوان تناول ما سقط من الطعام تحت الخوان وأكله. فنظرت إليه وقالت له: أما كان يقنعك ما على ظهر الخوان حتى تلتقط ما تحته؟ قال: بلغني أنّه يزيد في القوّة على الباه، فكانت بعد ذلك تفعله هي، وتفتّ له الخبز كما يفتّ للفرّوج.
ركض رجل دابّة وهو يقول: الطريق، الطريق، فصدم رجلا لم يتقدّم عن طريقه، فاستعدى عليه فتخارس الرجل، فقال العامل: هذا أخرس، قال: أصلحك الله! يتخارس عمدا. والله ما زال يقول: الطريق الطريق، فقال الرجل: ما تريد وقد قلت لك: الطريق الطريق؟ قال العامل: صدق.
- اختلف نصرانيّ إلى أبي دلامة يتطبّب لابن له، فوعده إن برأ على يديه أن يعطيه ألف درهم. فبرأ ابنه. فقال للمتطبّب: إنّ الدراهم ليست عندي ولكن والله لأوصلنّها إليك؛ ادّع على جاري فلان هذه الدراهم فإنه موسر، وأنا وابني نشهد لك، فليس دون أخذها شيء. فصار النصرانيّ بالجار إلى ابن شبرمة؛ فسأله البيّنة، فطلع عليه أبو دلامة وابنه، ففهم
القاضي، فلما جلس بين يديه قال أبو دلامة:
إن الناس غطّوني تغطّيت عنهموإن بحثوا عنّي ففيهم مباحث
قال ابن شبرمة: ومن ذا الذي يبحثك يا أبا دلامة؟ ثم قال للمدّعي: قد عرفت شأنك، فخلّ عن الخصم ورح العشيّة. فراح إليه وغرمها من ماله.
وشهد أبو عبيدة عند عبيد الله بن الحسن العنبريّ على شهادة رجل عدل، فقال عبيد الله للمدّعي: أما أبو عبيدة فقد عرفته، فزدني شهودا.
- وروي أنّ وكيعا شهد عند إياس بن معاوية، فقال: يا أبا المطرّف، ما لك والشهادة؟ إنّما تشهد الموالي والتجار والسّقّاط، قال: صدقت، وانصرف.
فقيل له: خدعك ولم يقبل شهادتك فردّك. فقال: لو علمت لعلوته بالقضيب.
- وشهد الفرزدق عند بعض القضاة فقال: قد قبلت شهادة أبي فراس، فزيدونا شهودا، فقيل للفرزدق: إنّه لم يقبل شهادتك، قال: وما يمنعه من ذلك وقد قذفت ألف محصنة؟
- عتبت عائشة بنت طلحة على مصعب بن الزبير فهجرته، فقال مصعب: هذه عشرة آلاف لمن احتال لي أن تكلّمني. فقال له ابن أبي عتيق: عدّ لي المال؛ ثم صار إلى عائشة، فجعل يستعتبها لمصعب فقالت: والله ما عزمي أن أكلّمه أبدا. فلما رأى جدّها قال: يا ابنة عمّ، إنّه ضمن لي إن كلّمته عشرة آلاف درهم، فكلّميه حتى آخذها، ثم عودي إلى ما عوّدك الله من سوء الخلق.
- قال أشعب: جاءتني جارية بدينار وقالت: هذا وديعة عندك.
فجعلته بين ثنيي الفراش، فجاءت بعد أيام فقالت: يا أبي، الدينار، فقلت:
ارفعي الفراش وخذي ولده. وكنت تركت إلى جنبه درهما، فتركت الدينار وأخذت الدرهم، وعادت بعد أيام فوجدت معه درهما آخر فأخذته، وعادت في الثالثة كذلك. فلما رأيتها في الرابعة بكيت، فقالت: ما يبكيك؟ قلت: مات دينارك في النّفاس، قالت: وكيف يكون للدينار نفاس؟ قلت: يا فاسقة، تصدّقين بالولادة ولا تصدّقين بالنّفاس؟! - تنبّأ رجل في أيام المأمون فقال: أنا أحمد النبي، فحمل إليه فقال له: أمظلوم أنت فتنصف؟ فقال: ظلمت في ضيعتي، فتقدّم بإنصافه، ثم قال له: ما تقول في دعواك؟ فقال: أنا أحمد النبيّ، فهل تذمّه أنت؟
- أخذت الخوارج رجلا فقالوا: ابرأ من عثمان وعليّ، فقال: أنا من عليّ، ومن عثمان بريء.
تناظر شيطان الطاق وأبو حنيفة مرّة في الطلاق. فقال له أبو حنيفة: أنتم معاشر الشيعة لا تقدرون على أن تطلّقوا نساءكم، فقال شيطان الطاق، نحن نقدر على أن نطلّق على جميع من خالفنا نساءهم، فكيف لا نقدر على ذلك في نسائنا؟ وإن شئت طلّقت عليك امرأتك. فقال أبو حنيفة:
افعل. قال: قد طلّقتها بأمرك، فقد قلت لي افعل.
- مرّ طفيليّ إلى باب عرس فمنع من الدخول، فذهب إلى أصحاب الزّجاج ورهن رهنا وأخذ عشرة أقداح، وجاء وقال للبوّاب: افتح حتى أدخل هذه الأقداح التي طلبوها. ففتح له ودخل فأكل وشرب، ثم حمل الأقداح وردّها إلى صاحبها فقال: لم يرضوها، وأخذ رهنه.
- وجاء آخر إلى باب دار فيها عرس، فمنع من الدخول، فمضى وعاد وقد جعل إحدى نعليه في كمّه وعلّق الأخرى بيده، وأخذ خلالا يتخلّل به، وجاء فدقّ الباب، فقال له البوّاب: ما لك؟ قال: الساعة خرجت وبقيت نعلي هناك، فقال: ادخل. فدخل وأكل مع القوم، وخرج.
- مرّ عبد الأعلى القاصّ بقوم وهو يتمايل سكرا، فقال إنسان: هذا عبد الأعلى القاصّ، فقال: ما أكثر من يشبّهني بذاك الرجل الصالح! - نظر مزبّد يوما إلى امرأته تصعد في درجة، فقال لها: أنت طالق إن صعدت، وأنت طالق إن وقفت، وأنت طالق إن نزلت. فرمت بنفسها من حيث بلغت. فقال لها: فداك أبي وأمي! إن مات مالك احتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم.
- قال بهلول يوما: أنا والله أشتهي من فالوذج ومن سرقين، فقالوا:
والله لنبصرنّه كيف يأكل. فاشتروا له الفالوذج وأحضروا السرقين، فأقبل على الفالوذج فاكتسحه وترك السرقين، فقالوا له: لم تركت هذا؟ قال: أقول لكم أنا والله وقع لي أنّه مسموم، من شاء يأكل منكم ربع رطل حتى آكل الباقي.
- وجاء فوقف عند شجرة ملساء فقال: من يعطيني نصف درهم حتى أصعد، فعجب الناس فأعطوه، فأحرزه ثم قال: هاتوا سلّما، قالوا: كان السلّم في الشّرط؟ قال: وكان بلا سلّم في الشّرط؟
- قال الجاحظ: وقفت على قاصّ قد اجتمع عليه خلق كثير ومعهم
جماعة من الخصيان، فوقفت إلى جانبه وجعلت أشير إلى الناس أنّه هو ذا يجوّد، قال وهو يفرح بذلك فلم يعطه أحد شيئا، فالتفت إليّ خفيّا وقال:
الساعة إن شاء الله أعمل الحيلة، ثم صاح: حدّثنا فلان عن فلان عن النبيّ ﷺ أنّه قال، قال ربّ العالمين ﷿: ما أخذت كريمتي عبد من عبيدي إلا عوّضته في الجنّة. أتدرون ما الكريمتان في هذا الموضع؟ قال الناس: ما هما؟
فبكى وقال: هما الخصيتان، الخصيتان! وهو يتباكى ويكرّر. فجعل كلّ واحد من الخصيان يحلّ منديله حتى اجتمعت له دراهم كثيرة.
- وقصّ واحد ومعه تعاويذ يبيعها، فجعلوا يسمعون قصصه ولا يشترون التعاويذ، فأخذ محبرته وقال: من يشتري منّي كلّ تعويذة بدرهم حتى أقوم فأغوص في هذه المحبرة باسم الله الأعظم الذي قد كتبته في هذه التعاويذ؟
فاشتريت منه التعاويذ في ساعة، وجمع الدراهم وقالوا: قم فادخل الآن في المحبرة، فنزع ثيابه وتهيّأ لذلك، والجهّال يظنّون أنّه يغوص فيها. فبدرت امرأة من خلف الناس وتعلّقت به وقالت: أنا امرأته، من يضمن لي نفقته حتى أتركه يدخل؟ فإنّه دخلها عام أوّل وبقيت ستّة أشهر بلا نفقة.
- كان مالك بن الرّيب المازنيّ من تميم لصّا فاتكا شجاعا شاعرا يقطع الطريق ومعه أبو حردبة أحد بني أثالة بن مازن، وغويث أحد بني كعب بن مالك بن حنظلة، وشظاظ مولى لبني تميم وكان أخبثهم. فقال مالك لأبي حردبة وشظاظ: ما أعجب ما عملتم في سرقكم؟ فقال أبو حردبة: أعجب ما سرقت وأعجب ما صنعت أني صحبت رفقة فيها رحل على جمل فأعجبني، فقلت لصاحبي: والله لأسرقنّ رحله، ثمّ لا رضيت أو آخذ عليه جعالة؛ فرصدته حتى رأيته قد خفق رأسه فأخذت بخطام جمله فعدلت به عن الطريق
حتى إذا صيّرته في موضع لا يغاث فيه إن استغاث أنخت البعير وصرعته وأوثقت يديه ورجليه، وقدت الجمل فغيّبته؛ ثم رجعت إلى الرّفقة وقد فقدوا صاحبهم وهم يسترجعون، فقلت: ما لكم؟ فقالوا: صاحب لنا فقدناه، فقلت: أنا أعلم الناس بأثره؛ فجعلوا لي جعالة، فخرجت بهم أتبع الأثر حتى وقفوا عليه فقالوا: ما لك؟ قال: لا أدري، نعست فانتبهت [فإذا] بخمسين رجلا قد أخذوني فقاتلتهم فغلبوني. قال أبو حردبة: فجعلت أضحك من كذبه، وأعطوني جعالتي وذهبوا بصاحبهم.
ب- وأعجب ما سرقت أنّه مرّ بي رجل معه ناقة وجمل، وهو على الناقة، فقلت: لآخذنّهما جميعا. فجعلت أعارضه وقد خفق رأسه، فدرت فأخذت الجمل فحللته وسقته، فغيّبته في القصيم، وهو الموضع الذي كانوا فيه يسرقون، ثم انتبه فلم ير جمله فنزل وعقل ناقته ومضى في طلب الجمل، فجئت فحللت عقال ناقته وسقتها.
ج- وقال شظاظ: أعجب ما رأيت في لصوصيّتي أنّ رجلا من أهل البصرة كان له بنت عمّ ذات مال كثير وهو وليها، وكانت له نسوة فأبت أن تتزوّجه. فحلف أن لا يزوّجها من أحد إضرارا [بها] وكان يخطبها رجل غنيّ من أهل البصرة، فحرصت عليه، وأبى الآخر أن يزوّجها منه؛ ثم إنّ وليّ الأمر حجّ حتى إذا كان بالدوّ- على مرحلة من البصرة وهو منزل الرفاق إذا صدرت أو وردت- مات الوليّ فدفن برابية وشيّد على قبره، فتزوّجت الرجل الذي كان يخطبها. قال شظاظ: ويخرج رفقة من البصرة معهم بزّ ومتاع، فتبصّرتهم وما معهم، واتّبعتهم من البصرة حتى نزلوا؛ فلما ناموا بيّتّهم فأخذت متاعهم. ثم إنّ القوم أخذوني وضربوني ضربا مبرّحا وجرّحوني. قال: وذلك في ليلة قرّة، وسلبوني كلّ كثير وقليل فتركوني عريانا. قال: وتماوتّ لهم، وارتحل القوم، فقلت: كيف أصنع؟ ثم ذكرت قبر الرجل فأتيته فنزعت لوحه، ثم احتفرت فيه سربا فدخلت فيه، ثم سددت عليّ باللوح وقلت: لعلّي الآن أفيق
فأتّبعهم. قال: ومرّ الرجل الذي تزوّج بالمرأة بالرّفقة، فمرّ بالقبر الذي أنا فيه فوقف عليه وقال لرفقته: والله لأنزلنّ إلى قبر فلان، حتى أنظر هل يحمي بضع فلانة؟ قال شظاظ: وعرفت صوته فقلعت اللوح ثم خرجت عليه بالسيف من القبر وقلت: بلى وربّ الكعبة لأحمينّها. قال: فوقع والله على وجهه مغشيّا عليه ما يتحرّك ولا يعقل، وسقط من يده خطام الراحلة، فأخذت- وعهد الله بخطامها، فجلست عليها وعلى كلّ أداة وثياب ونقد كان معه، ووجّهتها قصد مطلع الشمس هاربا من الناس فنجوت بها، وكنت بعد ذلك أسمعه يحدّث الناس بالقصة ويحلف لهم أنّ الميّت الذي كان منعه من تزوّج المرأة خرج عليه من قبره فسلبه وكتّفه، فبقي يومه ثم هرب. والناس يعجبون منه؛ فعاقلهم يكذّبه، والأحمق منهم يصدّقه، وأنا أعرف القصّة وأضحك معهم كالمتعجّب.
د- قالوا: فزدنا، قال: أنا أزيدكم أعجب من هذا وأحمق من هذا الرجل: إني لأمشي في الطريق أبتغي شيئا أسرقه، فلا والله ما وجدت شيئا.
قال: وشجرة ينام تحتها الركبان بمكان ليس فيه ظلّ غيرها، فإذا أنا برجل يسير على حمار له، فقلت له: أتسمع؟ قال: نعم، فقلت له: إنّ المقيل الذي تريد أن تقيل فيه يخسف بالدواب فاحذره. فلم يلتفت إلى قولي، ورمقته حتى إذا نام أقبلت على حماره فأخذته، حتى إذا برزت به قطعت طرف أذنه وذنبه وخبّات الحمار؛ وأبصرته حين استيقظ من نومه، فقام يطلب الحمار ويقفو أثره، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى طرف ذنبه وأذنيه فقال: لعمري لقد حذّرت لو نفعني الحذر. واستمرّ هاربا خوفا أن يخسف به. فأخذت جميع ما بقي من رحله فحملته على الحمار واستمررت، فألحق بأهلي.
- كان بهلول يجمع ما يوهب له عند مولاة له من كندة وكانت له كالأمّ، وربّما أخفى عنها شيئا ودفنه. فجاء يوما بعشرة دراهم كانت معه إلى
خربة فدفنها فيها، ولمحه رجل، فلما خرج بهلول ذهب الرجل وأخذ الدراهم، وعاد بهلول فلم يجدها. وقد كان رأى الرجل يوم دفنها، فعلم أنّه صاحبه. فجاء إليه فقال: اعلم يا أخي أنّ لي دراهم مدفونة في مواضع كثيرة متفرّقة، وأريد جمعها في موضع دفنت فيه هذه الأيام عشرة دراهم، فإنّه أحرز من كلّ موضع، فاحسب كم تبلغ جملتها؟ قال: هات، قال: خذ، عشرون درهما في موضع كذا، وخمسون درهما في موضع كذا، حتى طرح عليه مقدار ثلاثمائة درهم؛ ثم قام من بين يديه ومرّ. فقال الرجل في نفسه:
الصواب أن أردّ العشرة دراهم إلى الموضع الذي أخذتها منه حتى يجمع إليها هذه الجملة ثمّ آخذها، فردّها. وجاء بهلول فدخل الخربة وأخذ الدراهم وخري مكانها وغطّاه بالتّراب ومرّ. وكان الرجل مترصّدا لبهلول وقت دخوله وخروجه، فلما خرج مرّ بالعجلة فكشف عن الموضع وتلوّثت يده بالخراء ولم يجد شيئا، ففطن لحيلة بهلول عليه. ثم إنّ بهلولا عاد إليه بعد أيام فقال: احسب يا سيدي عشرين وخمسة عشر درهما وعشرة دراهم وشمّ يدك. فوثب الرجل ليضربه، وعدا بهلول.
- وجاز بهلول بسوق البزّازين فرأى قوما مجتمعين على باب دكّان ينظرون إلى نقب قد نقب على بعضهم. فاطّلع في النّقب، فقال: كأنّكم لا تعلمون ذا من عمل من؟ قالوا: لا، قال: فإني أعلم، فقال الناس: هذا مجنون يراهم في الليل ولا يتحاشونه، فأنعموا له القول لعله يخبر بذلك فسألوه أن يخبرهم فقال: إني جائع فهاتوا أربعة أرطال رقاق ورأسين. فأحضروا ذلك، فلما استوفى قال: هو ذا، أشتهي شيئا حلوا، فأحضروا له رطلين فالوذج، فأكله وقام وتأمّل النّقب ثم قال: كأنّكم ليس تعلمون ذا من عمل من؟ قالوا:
لا، قال: هذا من عمل اللصوص لا شكّ، وعدا.
- ولمّا مات والد بهلول خلّف ستمائة درهم، فحجر عليها القاضي، فجاءه يوما فقال له: أيها القاضي، ادفع إليّ مائة درهم حتى أقعد في الحلقات، فإن أحسنت أن أتّجر بها دفعت إليّ الباقي. فدفع إليه ذلك، فذهب وأتلفه، وعاد إلى مجلس القاضي وقال له: إني قد أتلفت المائة فتفضّل بردّها، فقد أسأت إذ دفعت إليّ ولم يثبت عندك رشدي. قال القاضي:
صدقت، والتزم المائة من ماله.
- قيل: إنّ هشام بن عبد الملك حجّ، فلما قدم المدينة نزل رجل من الأشراف من أهل الشام وقوّادهم بجنب دار الدلّال المخنّث. وكان الشامي يسمع غناء الدلّال فيصغي إليه، ويصعد فوق السطح ليقرب من الصوت. ثم بعث إلى الدلّال: إمّا أن تزورنا وإمّا أن نزورك. فبعث إليه الدلّال: بل تزورنا، فبعث الشامي بما يصلح ومضى إليه. وكان للشامي غلمان روقة، فمضى بغلامين منهم كأنّهما درّتان مكنونتان، فغنّاه الدلّال:
قد كنت آمل فيكم أملاوالمرء ليس بمدرك أمله
حتى بدا لي منكم خلففزجرت قلبي عن هوى جهله
ليس الفتى بمخلّد أبداحقّا وليس بفائت أجله
فاستحسن الشامي غناءه فقال: زدني، فقال: أوما سمعت ما يكفيك؟ قال: لا والله ما يكفيني. قال: فإنّ لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما؛ قال: اختر أيهما شئت، فاختار أحدهما، فقال له الشامي: هو لك، فقبله منه الدلّال، ثم غنّاه صوتا آخر، فقال له الشامي: أحسنت، ثم قال: أيها الرجل الجميل، إنّ لي حاجة، قال الدلّال: وما هي؟ قال: أريد وصيفة ولدت في حجر صالح، ونشأت في خير، جميلة الوجه مجدولة، وضيئة، جعدة في بياض، مشربة
حمرة، حسنة القامة، سباطية، أسيلة الخدّ، عذبة اللسان، لها شكل ودلّ، تملأ العين والنّفس. فقال له الدلّال: قد أصبتها لك، فما لي عليك إن دللتك؟ قال:
غلامي هذا. قال: إذا رأيتها وقلّبتها فالغلام لي؟ قال: نعم. قال: فأتى امرأة كنّى عنها ولم يذكر اسمها، فقال لها: جعلت فداك، إنّه نزل بي رجل من قوّاد هشام له ظرف وسخاء، وجاءني زائرا فأكرمته، ورأيت معه غلامين كأنّهما الشمس الطالعة المنيرة والكواكب الزاهرة، ما وقعت عيني على مثلهما، ولا ينطلق لساني بوصفهما، فوهب لي أحدهما والآخر عنده، وإن لم يصر إليّ فنفسي خارجة. قالت:
فتريد ماذا؟ قال: طلب مني وصيفة يشتريها على صفة لا أعرفها في أحد إلا في ابنتك، فهل لك أن تريه إيّاها؟ قالت: وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها؟ قال: إني قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع، قالت: فشأنك، ولا يعلم بذلك أحد.
فمضى الدلّال وجاء بالشامي معه. فلمّا صار إلى المرأة أدخلته، فإذا هو بحجلة وفيها امرأة على سرير مشرف ببزّة جميلة. فوضع له كرسيّ وجلس. فقالت له: أمن العرب أنت؟ قال: نعم، قالت: من أيّهم؟ قال: من خزاعة، قالت: مرحبا بك وأهلا، أيّ شيء طلبت؟ فوصف لها الصفة، قالت: قد أصبتها، وأصغت إلى جارية لها فدخلت، فمكثت هنيّة ثم خرجت. فنظرت إليها، فقالت لها المرأة: يا حبيبتي، اخرجي. فخرجت وصيفة ما رأى مثلها، فقالت لها: أقبلي فأقبلت. ثم قالت لها:
أدبري، فأدبرت؛ تملأ العين والنّفس؛ فما بقي منها شيء إلا وضع يده عليه؛ فقالت: أتحبّ أن نؤزّرها لك؟ قال: نعم، قالت: يا حبيبتي اتزّري، فضمّها الإزار وظهرت محاسنها الخفيّة، فضرب يده على عجيزتها وصدرها، ثم قالت:
أتحبّ أن تجرّدها؟ قال: نعم، قالت: يا حبيبتي، أوضحي، فألقت الإزار، فإذا أحسن خلق الله كأنّها السبيكة. فقالت: يا أخا العرب، كيف رأيت؟ قال: منية المتمنّي، بكم تقولين؟ قالت: ليس يوم النظر يوم البيع، ولكن تعود غدا حتى
نبايعك، فلا تنصرف إلا على رضا، فانصرف من عندها، فقال له الدلّال: أرضيت؟
قال نعم، ما كنت أحسب أنّ مثل هذه في الدنيا، وإنّ الصّفة لتقصر دونها، ثم دفع إليه الغلام الثاني.
فلما كان من الغد قال له الشامي: قم بنا، فمضيا حتى قرعا الباب فأذن لهما، فدخلا فسلّما، ورحّبت المرأة بهما، ثم قالت للشامي: أعطنا ما تبذل، قال: ما لها عندي ثمن إلا وهي أكثر منه، فقولي يا أمة الله، قالت: بل قل، فإنّا لم نوطئك أعقابنا ونحن نريد خلافك، وأنت لها رضا. قال: ثلاثة آلاف دينار، فقالت: والله لقبلة من هذه خير من ثلاثة آلاف دينار، قال: فأربعة آلاف، قالت: غفر الله لك أيّها الرجل، قال: والله ما معي غيرها ولو كان لزدتك، إلا رقيق ودواب وخرثي أحمله إليك، قالت: ما أراك إلّا صادقا، ثم قالت: أتدري من هذه؟ قال: تخبريني، قالت: ابنتي فلانة بنت فلان، وأنا فلانة بنت فلان، قد كنت أردت أن أعرض عليك وصيفة عندي فأحببت إذا رأيت غدا غلظ أهل الشام وجفاءهم ذكرت ابنتي، فعلمت أنكم في غير شيء، قم راشدا. فقال للدلّال: أخذعتني؟ قال: أو لا ترضى أن ترى ما رأيت من مثلها وتهب مائة غلام مثل غلامك؟ قال: أما هذا فنعم، وخرج من عندها.
- كان حمزة بن بيض يسامر عبد الملك بن بشر بن مروان، وكان عبد الملك يعبث به عبثا شديدا. فوجّه إليه ليلة برسول وقال: خذه على أيّ حال وجدته ولا تدعه لغيرها، وحلّفه على ذلك. ومضى الرسول فهجم عليه، فوجده يريد الخلاء، فقال: أجب الأمير، فقال: ويحك، إنّي أكلت طعاما كثيرا وشربت نبيذا حلوا وقد أخذني بطني. فقال: والله ما تفارقني أو تمضي إليه، ولو سلحت في ثيابك. فجهد في الخلاص فلم يقدر ومضى به إلى عبد الملك، فوجده قاعدا في طارمة له، وجارية جميلة كان يتحظّاها جالسة بين يديه تسجر الندّ. فجلس يحادثه
وهو يعالج ما به. قال حمزة: فعرضت لي ريح فقلت: أسرّحها وأستريح لعلّ ريحها لا تبين مع هذا البخور. فأطلقتها، فغلبت والله ريح النّدّ وغمرته. فقال: ما هذا يا حمزة؟ فقلت: عليّ في عهد الله وميثاقه وعليّ المشي والهدي إن كنت فعلتها، وما هذا إلّا عمل هذه الجارية الفاجرة، فغضب وأحفظ، وخجلت الجارية فما قدرت على الكلام، ثم جاءتني الأخرى فسرّحتها وسطع والله ريحها فقال: ما هذا ويلك؟
أنت والله الآفة؟ فقال: امرأته طالق ثلاثا إن كنت فعلتها، قلت: وهذه اليمين لازمة لي إن كنت فعلتها، وما هو إلا عمل الجارية. فقال: ويلك ما قصّتك؟ قومي إلى الخلاء إن كنت تجدين حسّا، فزاد خجلها وأطرقت. وطمعت فيها وسرّحت الثالثة، فسطع من ريحها ما لم يكن في الحساب، فغضب عبد الملك حتى كاد يخرج من جلده، ثم قال: يا حمزة، خذ هذه الجارية الزانية قد وهبتها لك وامض فقد نغّصت عليّ ليلتي. فأخذت بيدها وخرجت. فلقيني خادم له فقال: ما تريد أن تصنع؟ فقلت: أمضي بهذه، قال: لا تفعل، فو الله إن فعلت ليبغضنّك بغضا ما تنتفع به بعده أبدا، وهذه مائتا دينار فخذها ودع الجارية فإنّه يتحظّاها وسيندم على هبته إيّاها لك. قلت: والله لا نقصتك من خمسمائة دينار، قال: ليس غير ما قلت لك. فلم تطب نفسي أن أضيّعها فقلت: هاتها، فأعطانيها وأخذ الجارية. فلما كان بعد ثلاث دعاني عبد الملك، فلما قربت من داره لقيني الخادم فقال: هل لك في مائة دينار أخرى وتقول ما لا يضرّك ولعلّه ينفعك؟ قلت: وماذا؟ قال: إذا دخلت إليه ادّعيت عنده الفسوات الثلاث ونسبتها إلى نفسك، وتنضح عن الجارية ما قرفتها به. قلت: هاتها، فدفعها إليّ. فلما دخلت على عبد الملك وقفت بين يديه وقلت له: لي الأمان حتى أخبرك بخبر يسرّك ويضحكك؟ قال: لك الأمان، فقلت:
أرأيت ليلة كذا وما جرى؟ قال: نعم، قلت: فعليّ وعليّ إن كان فسا الثلاث فسوات غيري. فضحك حتى سقط على قفاه وقال: ويلك، لم لم تخبرني؟ قال، فقلت: أردت بذلك خصالا: منها أنّي قمت فقضيت حاجتي، وقد كان رسولك قد منعني من ذلك، ومنها أني أخذت جاريتك، ومنها أنّي كافيتك على أذاك لي
بمثله. قال: وأين الجارية؟ قلت: ما برحت من دارك ولا خرجت حتى سلّمتها إلى فلان الخادم وأخذت منه مائتي دينار. فسرّ بذلك وأمر لي بمائتي دينار أخرى وقال: هذه لجميل فعلك بي وتركك أخذ الجارية.
- غذا أشعب جديا بلبن أمّه وغيرها حتى بلغ غاية. ومن مبالغته في ذلك أن قال لزوجته أمّ ابنه وردان: إني أحبّ أن ترضعيه بلبنك. قال: ففعلت. ثم جاء به إسماعيل بن جعفر بن محمد فقال: تالله إنّه لابني قد رضع بلبن زوجتي، وقد حبوتك به ولم أر أحدا يستأهله سواك. فنظر إسماعيل إلى قنّة من القنن، فأمر به فذبح وسمط. فأقبل عليه أشعب فقال: المكافأة، فقال: والله ما عندي اليوم شيء ونحن من تعرف، وذلك غير فائت لك. فلما أيس قام من عنده فدخل على أبيه جعفر، ثم اندفع يشهق حتى التقت أضلاعه ثم قال: أخلني، قال: ما معك أحد يسمع ولا عليك عين، قال: وثب إسماعيل ابنك على ابني فذبحه وأنا أنظر إليه. فارتاع جعفر وصاح: ويلك! وفيم؟ وتريد ماذا؟ قال له: أمّا ما أريد والله ما لي في إسماعيل حيلة، ولا يسمع هذا سامع بعدك أبدا. فجزاه خيرا وأدخله منزله وأخرج إليه مائتي دينار وقال له: خذ هذه، ولك عندنا ما تحبّ. قال: وخرج إلى إسماعيل لا يبصر ما يطأ عليه؛ وإذا به مسترسل في مجلسه. فلما رأى وجه أبيه أنكره وقام إليه، فقال: يا إسماعيل، فعلتها بأشعب؟ قتلت ولده. قال: فاستضحك وقال: جاءني بجدي من صفته، وخبّره الخبر. فأخبره أبوه بما كان منه وصار إليه. وكان جعفر ﵇ يقول لأشعب: رعتني راعك الله، فيقول: روعة ابنك والله بنا في الجدي أكثر من روعتك بالمائتي دينار.
- ودعا الحسن بن الحسن بن عليّ أشعب فأقام عنده، وكان عند الحسن شاة، فقال لأشعب: أنا أشتهي أن آكل من كبد هذه الشاة، فقال له أشعب: بأبي
أنت وأمي. أعطنيها وأنا أذبح لك أسمن شاة بالمدينة، فقال له: أخبرك أني أشتهي كبد هذه الشاة وتقول لي أسمن شاة بالمدينة؟ اذبح يا غلام، فذبحها وشوي له من كبدها وأطايبها فأكل. وقال من غد: يا أشعب، أنا أشتهي من كبد نجيبي هذا- لنجيب عنده ثمنه ألوف دراهم- فقال له أشعب: في ثمن هذا والله غناي، فأعطنيه وأنا والله أطعمك من كبد كلّ جزور بالمدينة. فقال: أخبرك أني أشتهي كبد هذا وتطعمني من غيره؟ يا غلام، انحر، فنحر النجيب وشوى كبده فأكلا. فلما كان اليوم الثالث قال له: يا أشعب، أنا والله أشتهي أن آكل من كبدك؛ قال: سبحان الله! أتأكل أكباد الناس؟ قال: قد أخبرتك، فوثب أشعب فرمى بنفسه من درجة عالية فانكسرت رجله، فقيل له: ويلك، أظننت أنّه يذبحك؟ فقال: والله لو أنّ كبدي وجميع أكباد العالمين اشتهاها لأكلها. وإنّما فعل الحسن ما فعل حيلة على أشعب وتوطئة للعبث به.
وروي أنّ الرشيد ساوم في عنان جارية الناطفي، فبلغ ذلك أمّ جعفر فشقّ عليها، فدسّت إلى أبي نواس في أمرها فقال يهجوها:
إنّ عنان النطّاف جاريةأصبح حرها للنّيك ميدانا
ما يشتريها إلا ابن زانيةأو فلطبان يكون من كانا
فبلغ الرشيد شعره فقال: لعن الله أبا نواس وقبّحه، فلقد أفسد عليّ لذّتي بما قال فيها، ومنعني من شرائها.
- وقال الأصمعيّ: بعثت إليّ أمّ جعفر أنّ أمير المؤمنين قد لهج بذكر هذه الجارية عنان، فإن صرفته عنها فلك حكمك. قال: وكنت أريغ لأن أجد للقول فيها موضعا فلا أجده ولا أقدم عليه هيبة له، إذ دخلت عليه يوما وفي وجهه أثر الغضب، فانخزلت. فقال: ما لك يا أصمعيّ؟ فقلت: رأيت في
وجه أمير المؤمنين أثر غضب، فلعن الله من أغضبه. فقال: هذا الناطفيّ، والله لولا أني لم أجر في حكم قطّ متعمّدا لجعلت على كلّ جبل منه قطعة، وما لي في جاريته أرب غير الشّعر. فذكرت رسالة أمّ جعفر فقلت: أجل والله ما فيها غير الشّعر، أفيسرّ أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟ فضحك حتى استلقى على قفاه، واتّصل قولي بأمّ جعفر، فأجزلت لي الجائزة.
- ويروى أنّه لما استامها أبى أن يبيعها إلّا بمائة - ألف دينار. ثم مات الناطفيّ، فروي أنّ الرشيد اشتراها من تركته بمائتين وخمسين ألف درهم، وخرج بها معه إلى خراسان وأولدها ابنين ماتا، ومات الرشيد وماتت عنان بعده.
أمر زياد بضرب عنق رجل فقال: أيّها الأمير، إنّ لي بك حرمة، قال: وما هي؟ قال: إنّ أبي جارك بالبصرة، قال: ومن أبوك؟ قال: نسيت اسم نفسي فكيف اسم أبي؟ فردّ زياد كمّه إلى فيه وعفا عنه.
ركب رجلا دين عجز عن أدائه، فقال له بعض غرمائه: أما أعلّمك حيلة تتخلّص بها على أن تقضيني؟ قال: لك ذلك. فتوثّق منه ثم قال له: كلّ من لقيك من غرمائك وغيرهم فلا تزد على النّباح عليه، فإنّك إن عرفت بذلك قالوا: ممسوس، فكفّوا عنك. ففعل، فلما كفّوا عنه أتاه معلّم الحيلة وقال: الشرط أملك، فنبح عليه، فقال: وعليّ أيضا؟ فلم يزده على النّباح حتى يئس منه وتركه.
تمّ الجزء، ويتلوه الباب الثالث والأربعون والحمد لله والشكر دائما
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع