تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

خدائع وحيل في الحرب

ومن الخدائع والحيل في الحرب ما فعله كسرى بن هرمز بالروم.

وذلك أنّ شهريزار المقيم بثغر الروم واطأ ملكهم على الغدر بكسرى في خبر طويل، فسار قيصر في أربعين ألفا وخلّف شهريزار في أرض الروم، وكان رجل فارس همّة وشجاعة ومعه رجال فارس وأساورتها. وتفرّق عن كسرى جنده، وكانوا قد أبغضوه. فعلم أن لا طاقة له بالروم، فعمد إلى قسّ نصرانيّ مستبصر في دينه، وقال: إني أكتب معك كتابا لطيفا في حريرة وأجعله في قناة إلى شهريزار، فانطلق به فإنّ قيصر وجنوده لا يتّهمونك، فادفع كتابي هذا إلى شهريزار.

وأعطاه على ذلك ألف دينار. وقد علم كسرى أنّ القسّ لا يذهب بكتابه ولا يحبّ هلكة الروم. وكان في الكتاب: إني كتبت إليك وقد دنا قيصر مني، وقد

أحسن الله إليك بصنيعك، وقد فرّقت لهم الجيوش، وإني تاركه حتى يدنو مني فيكون قريبا من المدائن، ثم أبث الخيول في يوم كذا، فإذا كان ذلك اليوم فأغر على من قبلك، فإنّه استئصالهم.

فخرج القسّ بالكتاب حتى لقي قيصر، وقد كانت أرض العراق صوّرت له، وصوّر النهروان في غير حين المدّ ولم يصوّر المدّ ولا الجسر، فلما انتهى إليه انتهى المدّ وليس عليه جسر. فلما قرأ الكتاب قال: هذا الحقّ، وانصرف منهزما، وأتبعه كسرى بإياس بن قبيصة الطائي وكان يعجب به، فأدركه إياس بساتيدما، فأدركهم مرعوبين، فقتلهم قتل الكلاب، ونجا قيصر في جماعة من أصحابه.

لمّا أراد هشام صرف خالد بن عبد الله القسريّ عن العراق، وكان بحضرته رسول ليوسف بن عمر ورد عليه من اليمن وهو يتقلّدها، فدعا به وقال: إنّ صاحبك لمتعدّ طوره، يسأل فوق قدره؛ وأمر بتخريق ثيابه وضربه أسواطا وقال له: الحق بصاحبك، فعل الله بك وفعل. ودعا بسالم الكاتب على ديوان الرسائل وقال له: اكتب إلى يوسف بن عمر بشيء أمره به، واعرض الكتاب عليّ. فمضى سالم ليكتب ما أمره به، وخلا هشام وكتب كتابا صغيرا إلى يوسف وفيه: سر إلى العراق فقد ولّيتك إيّاه، وإيّاك أن يعلم أحد بك، واشفني من ابن النصرانيّة وعمّاله؛ وأمسكه في يده.

وحضر سالم بالكتاب الذي كتبه فعرضه عليه، فاغتفله وجعل الكتاب الصغير في طيّه، وختمه ودفعه إلى الربيع وقال له: ادفعه إلى رسول يوسف. فلما وصل الرسول إلى يوسف قال له: ما وراءك؟ قال: الشرّ؛ أمير المؤمنين ساخط عليك، وقد أمر بتخريق ثيابي وضربي، ولم يكتب جواب كتبك، هذا كتاب صاحب الديوان. ففضّ الكتاب فقرأه، فلما انتهى إلى آخره وقف على الكتاب الصغير الذي بخطّ هشام. فاستخلف ابنه الصّلت بن يوسف على اليمن، وصار إلى العراق. وكان يخلف سالما الكاتب على ديوان الرسائل بشير بن أبي دلجة من

أهل الأردنّ، وكان فطنا، فلما وقف على ما كان من هشام قال: هذه حيلة وقد ولي يوسف العراق وكتب إلى عامل أجمة سالم، وكان وادا له ويقال له عياض:

إنّ أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني، فإذا أتاك كتابي فالبسه واحمد الله، وأعلم طارقا ذلك. فعرّف عياض ذلك لطارق بن أبي زياد، وكان عامل خالد على الكوفة وما يليها ثم ندم بشير على ما كتب به إلى عياض، فكتب [إليه]: إنّ القوم قد بدا لهم في البعثة إليك بالثوب اليماني، فعرّف أيضا عياض طارقا. فقال طارق: الخبر في الكتاب الأوّل، ولكنّ صاحبك ندم وخاف أن يظهر أمره.

وركب من ساعته إلى خالد فخبّره الخبر فقال له: ما ترى؟ قال: تركب من ساعتك إلى أمير المؤمنين، فإنّه إذا رآك استحيا منك، وزال شيء إن كان في نفسه عليك، فلم يقبل ذلك، فقال له: أفتأذن لي أن أصير إلى حضرته وأضمن له جميع مال هذه السنة؟ قال: وما مبلغ ذلك؟ قال: مائة ألف ألف، وآتيك بعهدك، قال: ومن أين هذه؟ والله ما أملك عشرة آلاف درهم فقال: أتحمّل أنا وسعيد بن راشد بأربعين ألف ألف- وكان سعيد بن راشد يتقلّد له الفرات ومن الوصيّ وأبان بن الوليد عشرين ألف ألف، وتفرّق الباقي على باقي العمّال.

فقال له: إنّي إذا للئيم، إذ أسوّغ قوما شيئا ثم أرجع عليهم به. فقال له: إنّما نقيك ونقي أنفسنا ببعض أموالنا، وتبقى النّعم علينا فيك وعليك، ونستأنف طلب الدنيا خير من أن نطالب بالأموال وقد حصلت عند تجّار الكوفة، فيتقاعسون عنا ويتربّصون بنا فنقتل وتذهب أنفسنا ونحصّل الأموال يأكلونها، فأبى وودّعه وبكى وقال: هذا آخر العهد بك.

ووافاهم يوسف، ومات طارق في العذاب وغيره من عمّال خالد. ولقي خالد ومن بقي شرّا عظيما.

ثقل على أبي العبّاس السّفاح هيبة الجند لأبي مسلم. فشكا ذلك إلى خالد بن برمك، فقال له: مره بعرضهم وإسقاط من لم يكن من أهل خراسان منهم، ففعل ذلك. فجلس أبو مسلم للعرض، فأسقط في أوّل يوم بشرا

كثيرا، ثم جلس في اليوم الثاني فأسقط بشرا كثيرا، ثم جلس في اليوم الثالث فلم يقم إليه أحد، فدعا ثانية فلم يجب، ودعا ثالثة فلم يقم أحد. وقام إليه رجل فقال: علام تسقط الناس أيّها الرجل منذ ثلاث؟ قال: أسقط من لم يكن من أهل خراسان. قال: فابدأ بنفسك أيها الرجل فإنك من أهل أصفهان وقد دخلت في أهل خراسان. فوثب من مجلسه وقال: هذا أمر أبرم بليل، وحسبك من شرّ سماعه، وفطن للحيلة وبلغ أبا العباس فسرّه.

كان خالد بن برمك يتقلّد لأبي جعفر فارس. فخافه أبو أيوب المورياني، فلم يزل يغري به أبا جعفر ويكيده عنده حتى عزله ونكبه وقرّر عليه ثلاثة آلاف ألف درهم، ولم يكن له غير سبعمائة ألف، فحلف له على ذلك فلم يصدّقه. فأسعفه الأماثل بالمال، واتصل ذلك بأبي جعفر، فتحقّق قوله وصدّقه وصفح له عن المال. فشقّ ذلك على أبي أيوب، وأحضر بعض الجهابذة، ودفع إليه مالا، وأمره أن يعترف بأنه لخالد، ودسّ إلى أبي جعفر من سعى بالمال، وأحضر الجهبذ وسأله عن المال فاعترف به، وأحضر خالدا فسأله عن ذلك، فحلف بالله أنّه لم يجمع مالا قطّ، ولا ذخر ذخيرة، ولا يعرف هذا الجهبذ، ودعا إلى كشف الحال، فتركه أبو جعفر بحضرته، وأحضر الجهبذ فقال له:

أتعرف خالدا إن رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أعرفه إذا رأيته، فالتفت إلى خالد فقال: قد أظهر الله براءتك، وهذا مال أصبناه بسببك. ثم قال للجهبذ:

هذا خالد، فكيف لم تعرفه؟ فقال: الأمان يا أمير المؤمنين، وأخبره الخبر، فكان بعد ذلك لا يقبل شيئا في خالد.

قال أبو عبيدة: أصاب رجل من الضّباب ناقة ضالّة فنحرها وسلق لحمها، فلم ينشب أن جاء جمل ضالّ فنحره وفعل به فعلته بالناقة. فجاء صاحب الناقة ينشدها وأبصر اللحم، فسأله فقال: انزل نطعمك، فنزل فأطعمه

وأخرج إليه ثيل الجمل يابسا وقال: جمل لنا كسر، ثم جاء صاحب الجمل ينشده ففعل به فعلته بصاحب الناقة وأخرج إليه ضرع الناقة، وقال: ناقة لنا كسرت، وقال:

وملتمس قعودا ظلّ يشوىله منه ويتبعه قدير
فلما أن رأى ضرعا نضيجاتبيّن أنه خلف درور
فلمّا أن تروّح جاء باغأضلّته علاة عيسجور
فراع فؤاده منها قديدعلى الأطناب مصفوف شرير
فقال طلبتها أدماء جلسانمى من فوقها قرد وثير
فأذهب شكّه ثيل فأمسىيظنّ بأنّ ناقته بعير

العلاة: الصلبة، شبّهت بعلاة الحدّاد وهي السّندان، والعيسجور: السريعة.

والجلس: المشرفة، من الجلس وهو ما ارتفع من الأرض.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.