تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

عود إلى الأخبار (٢)

قال الحجّاج يوما: عليّ بعدوّ الله معبد الجهنيّ، وكان في حبسه قد حبسه في القدر، فأتي به وهو شيخ ضعيف، فقال: تكذّب بقدر الله؟ قال:

أيّها الأمير، ما أحبّ إليك أن تكون عجولا، إنّ أهل العراق أهل بهت وبهتان، وإنّي خالفتهم في أمر فشهدوا عليّ. قال: وفيم خالفتهم؟ قال: زعموا أنّ الله تعالى قدّر عليهم وقضى قتل عثمان، وزعمت أنا أنّهم كذبوا في ذلك، قال:

صدقت أنت وكذبوا، خلّوا سبيله.

كان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان يسير بالحاجّ في أيّام المقتدر، وكانت بينه وبين الهجريّ سليمان بن الحسن الجنابيّ وقعة بالهبير، فأسر أبا الهيجاء، ونفس به عن القتل لبأسه وفضائله، فاستحياه واستباح الحاجّ. وكان فيمن أسر العمّ، وهو عمّ السيّدة أمّ المقتدر. فلما حصلا عنده في بلده أكرم أبا الهيجاء وبسطه وأكثر من محاضرته. قال أبو الهيجاء في حديث طويل: فكنت أغضّ من العمّ عنده وأطنز به وبغيره ممّن حصل في الأسر من أصحاب المقتدر حتى استللتهم منه. ثمّ إنّه طمع في العمّ طمعا شديدا، واستعصى عليّ في إطلاقه خاصّة، حتى قلت له في بعض الأيّام: يدري السيّد بكم يقوّم هذا المخنّث على السلطان في كلّ سنة؟ قال: لا والله؛ قلت: إنك لو أردت أن تنكب صاحبه بأكثر من إطلاقه وإرساله لما قدرت. قال: وكيف؟ قلت: لأنّه يرزق منه في كلّ سنة لنفسه وولده وسبيه وهم قوم على صورته في التخنيث والبلاء، وهذا رأسهم في الثّكل والعمى، مائة ألف دينار، وفي يده من الأقطاع والأملاك ما ارتفاعه مائة ألف دينار، وتقضى له حوائج في السنة بمثلها، فيتهيّأ أن يكون في

النكبات أكثر من هذا، وهو معه لا يصلح لطفيء سراج بقّال.

قال: قد والله صدق أبو الهيجاء، أطلقوا هذا إلى لعنة الله. فكان هذا أصل خلاصه. قال أبو الهيجاء: وهو الآن يشكوني ويقول: كان يستخفّ بي ويلطمني بحضرة العدوّ ويخشن اللفظ. وقد كانت العلة، والقصّة أقبح وبها نجا.

كان معاوية إذا أتاه عن بطريق من بطارقة الروم كيد للاسلام احتال له فأهدى إليه وكاتبه حتى يغري به ملك الروم. فكانت رسله تأتيه بأنّ هناك بطريقا يؤذي الرسل ويطعن عليهم ويسيء عشرتهم. فقال معاوية: أيّ ما في عمل الإسلام أحبّ إليه؟ فقيل له: الخفاف الحمر ودهن البان، فألطفه بها حتى عرفت رسله باعتياده. ثم كتب إليه كتابا كأنّه جواب كتابه منه يعلمه فيه أنّه وثق بما وعده به من نصره وخذلان ملك الروم؛ وأمر الرسول لأن يظهر على الكتاب، فلما ذهبت رسله في أوقاتها ثم رجعت إليه، قال: ما حدث هناك؟ قال: فلان البطريق رأيناه مقتولا مصلوبا؛ فقال: أنا أبو عبد الرحمن.

لمّا أكره الحجّاج بن يوسف عبد الله بن جعفر على أن يزوّجه ابنته استأجله في نقلها سنة. ففكّر عبد الله في الانفكاك منه، فألقي في روعه خالد بن يزيد بن معاوية فكتب إليه يعلمه ذلك، وكان الحجاج تزوّجها بإذن عبد الملك.

فورد على خالد كتابه ليلا فاستأذن من ساعته على عبد الملك، فقيل له: أفي هذا الوقت؟ فقال: إنّه أمر لا يؤخّر، فأعلم عبد الملك بذلك فأذن له. فلما دخل عليه قال له عبد الملك: فيم السّرى يا أبا هاشم؟ قال: أمر جليل لم آمن أن أؤخّره فتحدث عليّ حادثة فلا أكون قضيت حقّ بيعتك. قال: وما هو؟ قال:

أتعلم أنّه كان بين حيّين من العداوة ما كان بين آل الزبير وآل أبي سفيان؟ قال:

لا، قال: فإنّ تزوّجي إلى آل الزبير حلّل ما كان لهم في قلبي، فما أهل بيت أحبّ إليّ اليوم منهم. قال: فإنّ ذلك ليكون. قال: فكيف أذنت للحجّاج أن يتزوّج من بني هاشم وأنت تعلم ما يقولون وما يقال فيهم، والحجاج من سلطانك بحيث علمت؟ فجزاه خيرا، وكتب إلى الحجّاج بعزمه أن يطلّقها، فطلّقها.

فغدا الناس عليه يعزّونه عنها.

تقدّم رجل إلى سوّار بن عبد الله يدّعي دارا وامرأة تدافعه وتقول لسوّار: إنّها والله خطة ما وقّع فيها كتاب قطّ. فأتى المدّعي بشاهدين فعرفهما سوّار، فشهدا له بالدار. فجعلت المرأة تنكر إنكارا يعضده التصديق ثم قالت:

سل عن الشهود، فإنّ الناس يتغيّرون. فردّ المسألة، فحمد الشاهدان، فلم يزل يريّث أمورهم ويسأل الجيران، وكلّ يصدّق المرأة، والشاهدان قد ثبتا. فشكا ذلك إلى عبيد الله بن الحسن العنبريّ وهو ابن عمّ سوّار. فقال له عبيد الله: أنا أحضر معك مجلس الحكم وآتيك بالجليّة إن شاء الله. فقال للشاهدين: ليس للقاضي أن يسألكما كيف شهدتما ولكن أنا أسألكما، فقالا: أراد هذا الحجّ، فأدارنا على حدود الدار من خارج وقال: هذه داري، فإن حدث بي حدث فلتبع وتقسم على سبيل كذا. قال: فعندكما غير هذه الشهادة؟ قالا: لا، قال:

الله أكبر! وكذا لو أدرتكما على دار سوّار وقلت لكما مثل هذه المقالة، أكنتما تشهدان بها لي؟ ففهما أنّهما قد اغترّا، فكان سوّار بعدها إذا سأل عن عدالة الشاهد يتبع المسألة أن يقول: أفجائز للعدالة هو؟

- أطرد الحجاج عمران بن حطّان، أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهل، وكان رأس القعدة من الخوارج الصّفريّة، فكان ينتقّل في القبائل، فإذا نزل في حيّ انتسب نسبا يقرب منه. فنزل مرّة عند روح بن زنباع الجذاميّ، وكان يقري الأضياف، فانتمى له من الأزد. وكان لا يسمع شعرا نادرا ولا غريبا عند عبد الملك، فيسأل عنه عمران بن حطّان إلّا عرفه وزاد فيه. فذكر ذلك لعبد الملك فقال: إنّ لي جارا من الأزد ما أسمع من أمير المؤمنين خبرا ولا شعرا إلا عرفه وزاد فيه. قال: خبّرني بعض أخباره، فخبّره وأنشده فقال: إنّ اللغة عدنانيّة، وإني لأحسبه عمران بن حطّان، حتى

تذاكروا قول عمران بن حطّان:

يا ضربة من تقيّ ما أراد بهاإلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
إني لأذكره حينا فأحسبهأوفى البريّة عند الله ميزانا
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

فلم يدر عبد الملك لمن هو، فرجع روح فسأل عمران بن حطّان عنه فقال:

هذا يقوله عمران بن حطّان يمدح به عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله ولعن مادحه، قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇. فرجع روح فأخبره، فقال عبد الملك: ضيفك عمران بن حطّان قبّحه الله، اذهب فجيء به، فرجع إليه فقال:

إنّ أمير المؤمنين قد أحبّ أن يراك. قال له عمران: قد أردت أن أسألك ذلك فاستحييت منك، فامض فإني بالأثر. فرجع روح إلى عبد الملك فخبّره، فقال له عبد الملك: أما إنّك سترجع فلا تجده. فرجع وعمران بن حطّان قد احتمل، وخلّف رقعة فيها:

يا روح كم من أخي مثوى نزلت بهقد ظنّ ظنّك من لخم وغسّان
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
حتى إذا خفته فارقت منزلهمن بعد ما قيل عمران بن حطّان
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
قد كنت جارك حولا لا تروّعنيفيه روائع من إنس ولا جان
حتى أردت بي العظمى فأدركنيما أدرك الناس من خوف ابن مروان
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
فاعذر أخاك ابن زنباع فإنّ لهفي النائبات خطوبا ذات ألوان
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمنوإن لقيت معدّيا فعدناني
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
لو كنت مستغفرا يوما لطاغيةكنت المقدّم في سرّي وإعلاني
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
لكن أبت لي آيات مطهّرةعند التلاوة في طه وعمران
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

لمّا طالت الحرب بين الخوارج وبين المهلّب بن أبي صفرة، ورأى ثباتهم وأنّهم كلّما تفرّقوا بالحرب عادوا وتجمّعوا باتفاق أهوائهم، علم أنّه لا يظفر بهم ظفرا تامّا ويستأصلهم إلّا باختلاف يقع بينهم. وكان في الخوارج

حدّاد يعمل نصالا مسمومة فيرمي بها أصحاب المهلّب، فوجّه المهلّب رجلا من أصحابه بكتاب وألف درهم إلى عسكر قطريّ والخوارج، فقال: ألق هذا الكتاب في العسكر واحذر على نفسك. وكان الحدّاد يقال له: أبزى. فمضى الرجل، وكان في الكتاب: أما بعد، فإنّ نصالك قد وصلت إليّ، وقد وجّهت إليك بألف درهم فاقبضها، وزدنا من هذه النّصال. فوقع الكتاب إلى قطريّ فدعا بأبزى، فقال له: ما هذا الكتاب؟ قال: لا أدري، قال: فهذه الدراهم؟

قال: لا أعلم علمها، فأمر به فقتل. فجاء عبد ربّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة فقال له: أقتلت رجلا على غير ثقة ولا تبيّن؟ قال: فما حال هذه الدراهم؟ قال: يجوز أن يكون أمرها كذبا ويجوز أن يكون حقّا. فقال له قطريّ: فقتل رجل في صلاح الناس غير منكر، وللإمام أن يحكم بما رآه صلاحا، وليس للرعيّة أن تعترض عليه. فتنكّر عبد ربّه في جماعة معه ولم يفارقوه. فبلغ ذلك المهلّب فدسّ إليه رجلا نصرانيّا، فقال له: إذا رأيت قطريّا فاسجد له، فإذا نهاك فقل: إنّما سجدت لك، ففعل النصرانيّ فقال له قطريّ:

إنّما السجود لله، فقال: ما سجدت إلا لك. فقال له رجل من الخوارج: قد عبدك من دون الله، وتلا: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ

(الأنبياء:). فقال له قطريّ: إنّ هؤلاء النصارى قد عبدوا المسيح ابن مريم فما ضرّ المسيح ذلك شيئا. فقام رجل من الخوارج إلى النصرانيّ فقتله، فأنكر ذلك عليه وقال: أقتلت ذميّا؟! فاختلفت الكلمة، فبلغ ذلك المهلّب فوجّه إليهم رجلا يسألهم عن شيء تقدّم به إليه. فقال: أرأيتم رجلين خرجا مهاجرين إليكما، فمات أحدهما في الطريق، وبلغكم الآخر فامتحنتموه فلم يجز المحنة، ما تقولون فيهما؟ فقال بعضهم: أما الميّت فمؤمن من أهل الجنّة، وأما الذي لم يجز فكافر حتى يجيزها. فقال له قوم آخرون: بل هما كافران حتى يجيز المحنة. فكثر الاختلاف بينهم، وكان سبب تفرّقهم وتمكّن المسلمين منهم وانقطاع دابرهم.

- كان أبو جعفر المنصور أيام بني أميّة إذا دخل البصرة دخل مستترا يجلس في حلقة أزهر السّمّان المحدّث. فلما أفضت إليه الخلافة قدم عليه، فرحّب به وقرّبه وقال: حاجتك يا أزهر، قال: يا أمير المؤمنين، داري متهدّمة، وعليّ أربعة آلاف دينار، وأريد أن أزوّج محمدا ابني، فوصله باثني عشر ألفا وقال: قد قضينا حاجتك يا أزهر، فلا تأتنا طالبا، فأخذها وانصرف. فلما كان بعد سنة أتاه، فقال له أبو جعفر: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: جئت مسلّما. قال: إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالبا، فقال: ما جئت إلا مسلّما. قال: قد أمرنا لك باثني عشر ألفا، واذهب ولا تأتنا طالبا ولا مسلّما. فأخذها ومضى، فلما كان بعد سنة أتاه، قال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: جئت عائدا، قال: إنّه وقع في خلدي أنّك جئت طالبا، قال: ما جئت إلا عائدا، قال: قد أمرنا لك باثني عشر ألفا، ولا تأتنا طالبا ولا مسلّما ولا عائدا، فأخذها وانصرف. فلما مضت السنة أقبل، قال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: دعاء كنت أسمعه منك يا أمير المؤمنين تدعو به جئت لأكتبه فإنّه مستجاب. فضحك المنصور وقال: إنّه غير مستجاب؛ وذاك أني دعوت الله تعالى أن لا أراك، فلم يستجب لي، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفا، وتعالى إذا شئت، فقد أعيتني الحيلة فيك.

- أكثر الأحوص من التشبيب بأمّ جعفر، وهي امرأة من الأنصار، ولم يكن بينهما معرفة، فنهاه عنها أخوها أيمن فلم ينته. فاستعدى عليه عمر بن عبد العزيز، فربطهما في حبل ودفع إليهما سوطين وقال لهما: تجالدا، وقد ذكرنا خبرهما في ذلك في باب الأجوبة الدامغة. فلما أعيا أمّ جعفر أمر الأحوص جاءت إليه وهي منتقبة فوقفت عليه في مجلس قومه ولا يعرفها، فقالت:

اقضني ثمن الغنم التي ابتعتها مني، قال: ما ابتعت منك شيئا. فأظهرت كتابا

قد وضعته عليه وبكت وشكت حاجة وضرّا وقالت: يا قوم كلّموه، فلامه قومه وقالوا له: أوصل إلى المرأة حقّها. فجعل يحلف ما يعرفها ولا رآها قطّ.

فكشفت وجهها وقالت: ويلك، ما تعرفني؟! فجعل يحلف مجتهدا أنّه ما رآها قطّ ولا يعرفها، حتى استفاض قولها وقوله، واجتمع الناس وكثروا وسمعوا ما دار بينهما، وكثر لغطهم. ثم قامت وقالت: يا عدوّ الله، صدقت، والله ما لي عليك حقّ ولا تعرفني، وقد حلفت على ذلك وأنت صادق، وأنا أمّ جعفر وأنت تقول: قلت لأمّ جعفر، وقالت لي أمّ جعفر في شعرك. فخجل الأحوص وانكسر عند ذلك، وبرئت عندهم.

- سأل ابن جامع المغني الرشيد في أن يأذن له في المهارشة بين الديوك والكلاب، وأن لا يحدّ في النبيذ، فأذن له وكتب له كتابا إلى العثماني عامله على مكة. فلما وصل الكتاب قال: كذبت، أمير المؤمنين لا يحلّ ما حرّم الله، وهذا كتاب مزوّر، والله لئن ثقفتك على حال من هذه الأحوال لأؤدّبنّك أدبك. فحذره ابن جامع.

ووقع بين العثماني وحمّاد البربريّ - وهو على البريد- ما يقع بين العمّال. فلما حجّ الرشيد قال حمّاد لابن جامع: أعنّي عليه حتى نعزله، قال: أفعل، فابدأ أنت فقل لأمير المؤمنين إنّه ظالم فاجر واستشهدني، قال له ابن جامع: هذا لا يقبل في العثماني، ويفهم أمير المؤمنين كذبنا، ولكني أحتال من جهة ألطف من هذه. قال: فسأله الرشيد ابتداء فقال له: يا ابن جامع، كيف أميركم العثماني؟ قال: خير أمير وأفضله وأعدله وأقومه بالحقّ

لولا ضعف في عقله؛ قال: وما ضعفه؟ قال: قد أفنى الكلاب قال: وما دعاه إلى قتلها؟ قال: زعم أنّ كلبا دنا من عثمان بن عفّان يوم ألقي على الكناس فأكل وجهه، فغضب على الكلاب فهو يقتلها. فقال: هذا ضعيف العقل فاعزلوه. فكان ذلك سبب عزله.

ولي بعض العرب السّعاية على أحياء من العرب والنظر في أمورهم.

فاختصم إليه اثنان في غنم كلّ واحد منهما يدّعيها، وليس هناك من يشهد لواحد منهما، فأمرهما أن يجعلا الغنم في موضع- وكان فيها كلب لصاحب الغنم- وأن يبيتا بالقرب منها، فلما كان في الليل أتاهما فقال لأحدهما: قم فأتني برأس من الغنم. فمضى لذلك فنبحه الكلب فعاد، فقال له: اثبت مكانك، ودعا الآخر وقال: اذهب فجئني برأس منها، فجاءه به ولم ينبحه الكلب، فحكم له بالغنم.

واختصم إليه اثنان زعم أحدهما أنّ الآخر عبد له، والآخر ينكر. فقال لمدّعي العبد: ما اسم العبد؟ قال: ميمون، وقال للآخر سرّا: ما اسمك: قال عبد الله. فأجلسهما، ولها عنهما ساعة واشتغل بغيرهما، ثم قال: يا ميمون، فقال: لبّيك، قال: اذهب مع مولاك.

واختصم إليه شيخ وشابّ في امرأة معها صبيّ كلّ يدّعي أنّها زوجته، وأنّ الصّبيّ ابنه منها، وليس مع واحد منهما بيّنة، والمرأة تعترف للشابّ. ففرّق بينهم وأجلس الصبيّ بين يديه، وأخرج تمرا فأطعمه منه، ثم أعطاه منه وقال: اذهب به إلى أمّك. فذهب إليها فأعطاها التّمر وعاد إليه.

فأعطاه تمرا وقال: اذهب بهذا إلى أبيك، فذهب فأعطاه الشيخ، وعاد فأعطاه منه وقال: اذهب به إلى أبيك فأعطاه الشيخ أيضا. فحكم بالمرأة والولد للشيخ.

وتهدّد الشابّ حتّى أقرّ بالقصّة على حقيقتها.

- ابتاع شريك بن عبد الله القاضي من رجل مملوكا عبدا أو أمة، فوجد به عيبا فردّه على البائع بالعيب، فقال له البائع: لا تردده، أنا أربح لك فيه دنانير، قال: أو تفعل؟ قال: نعم، قال: فبعه. فذهب البائع ولم يعرضه، فلما أبطأ على شريك دعا به، فقال له: ألم تقل إنك تربح؟ قال: بلى، قد قلت ذلك؛ قال: فأين الربح؟ قال: ما عرضته؛ قال: فاردد علينا الثمن، قال: ليس إلى ذلك سبيل، قد رضيته بعد العيب أمرتني بعرضه. فعلم شريك أنّه قد وجب عليه، فأمسك.

- كان سراقة البارقيّ شاعرا ظريفا أسره المختار في بعض حروبه، فأمر بقتله، فقال: والله لا تقتلني حتى تنقض دمشق حجرا حجرا. فقال المختار: من يخرج أسرارنا؟ ثم قال: من أسرك؟ قال: قوم على خيل بلق عليهم ثياب بيض لا أراهم في عسكرك. فأقبل المختار على أصحابه فقال: إنّ عدوّكم يرى من هذا ما لا ترون، ثم قال له: إني قاتلك، قال: والله يا أمير آل محمد إنك لتعلم أنّ هذا ليس باليوم الذي تقتلني فيه. قال: ففي أيّ يوم أقتلك؟ قال: يوم تضع كرسيّك على باب مدينة دمشق فتدعوني يومئذ فتضرب عنقي. فقال: يا شرطة الله! من يذيع حديثك؟ ثم خلّى عنه، فقال سراقة:

ألا أبلغ أبا إسحاق أنيرأيت الخيل دهما مصمتات
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
كفرت بوحيكم وجعلت نذراعليّ قتالكم حتى الممات
للشاعر سُراقة البارقي، اقرأ القصيدة
أري عينيّ ما لم ترأياهكلانا عالم بالتّرّهات
للشاعر سُراقة البارقي، اقرأ القصيدة

يروى: ترياه. وهو من أبيات العروض الشواهد. والحرف الذي فيه الزحاف مفاعيل أصله مفاعلتن أسكن خامسه وحذف سابعه، فما أسكن خامسه يسمّى معصوبا، وما يحذف سابعه يسمّى مكفوفا. ويروى: ترأياه

بإظهار الهمز إعادة له إلى الأصل، وهو شاذّ.

سخط الرشيد على حميد الطوسي فدعا له بالنّطع والسيف فبكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما أفزع من الموت فإنّه لا بدّ واقع، وإنّما بكيت أسفا على خروجي من الدنيا وأمير المؤمنين ساخط عليّ، فضحك وعفا عنه وقال:

إنّ الكريم إذا خادعته انخدعا

- ولّى عبد الملك بن مروان أخاه بشرا الكوفة، وكان شاعرا ظريفا غزلا، وبعث معه روح بن زنباع، وكان شيخا متورّعا، فثقل على بشر مراقبته.

فذكر ذلك لنديم له، فتوصّل إلى أن دخل بيته ليلا في خفية، فكتب على حائط قريب من مجلسه:

يا روح من لبنيّات وأرملةإذا نعاك لأهل المغرب الناعي
إنّ ابن مروان قد حانت منيتهفاحتل لنفسك يا روح بن زنباع

فاستوحش من ذلك، وخرج من الكوفة حتى أتى عبد الملك، فحدّثه بذلك، فاستغرب ضحكا، فقال: ثقلت على بشر وأصحابه، فاحتالوا لك.

- أراد المنصور أن يعقد للمهديّ ويقدّمه على عيسى بن موسى، فأراده على ذلك وأداره عليه وكتب إليه، فأبى وأجاب بجواب عنيف في آخره:

خيّرت أمرين ضاع الحزم بينهماإمّا صغار وإمّا فتنة عمم
وقد هممت مرارا أن أساقيكمكأس المنيّة لولا الله والرّحم
ولو فعلت لزالت عنكم نعمبكفر أمثالها تستنزل النّقم

فلما يئس منه قال لخالد بن برمك: إن كانت عندك حيلة فقدّمها فقد أعيتنا وجوه الحيل. قال: يا أمير المؤمنين، ضمّ إليّ ثلاثين رجلا من كبار الشيعة، فمضوا إليه، فلم يزدد إلا نبوّا، فخرجوا، فقال لهم خالد: ما الحيلة؟ فأعضلتهم، فقال: ما هي إلّا أن نخبر أمير المؤمنين أنّه قد أجاب ونشهد عليه إن أنكر، قالوا: نفعل. فصاروا إلى المنصور وقالوا: قد أجاب، وخرج التوقيع بالبيعة للمهديّ وكتب بذلك إلى الآفاق، وجاء عيسى فأنكر وشهدوا عليه بالإجابة. وكان المهديّ يعرف ذلك لخالد، ويصف جزالة الرأي. فيه.

وجد شابّ قتيلا بظهر الطريق أيام عمر بن الخطاب ﵁، فلم يقدر على قاتله، فقال: اللهم أظفرني بقاتله، حتى إذا كان على رأس الحول وجد صبيّ ملقى موضع القتيل، فقال: ظفرت بدم القتيل إن شاء الله.

فدفعه إلى ظئر وقال لها: إن جاءتك امرأة تقبّله وترحمه أعلميني. فلما شبّ وطال إذا هي بجارية قالت لها: إنّ سيدتي تطلب أن تذهبي إليها؛ ففعلت، فضمّته إلى صدرها وقبّلته، وتلك بنت شيخ من الأنصار. فأخبرت عمر، فاشتمل على سيفه وخرج إلى منزلها فوجد الشيخ متّكئا على باب داره، فقال:

ما فعلت بنتك؟ قال: جزاها الله خيرا، هي من أعرف الناس بحقّ الله وحقّ أبيها؛ وذكر من حسن صلاتها وصيامها والقيام بدينها. فقال: أحببت أن أزيدها رغبة، فدخل وأخرج من هناك، وقال: أصدقيني خبر القتيل والصبيّ وإلّا ضربت عنقك؛ وكان عمر ﵁ لا يكذب. فقالت: كانت عندي عجوز قد تأمّمتها، فعرض لها سفر فقالت: لي بنت أحبّ أن أضمّها إليك.

وكان لها ابن أمرد، فجاءت به في هيئة الجارية وأنا لا أشعر، فمكث عندي ما شاء الله؛ ثم اعتقلني وأنا نائمة، فما شعرت حتى خالطني فمددت يدي إلى شفرة فضربته وأمرت أن يلقى على الطريق، وقد أراني اشتملت منه على هذا الصبيّ، فألقيته حيث وجد. فقال لها عمر رحمة الله عليه: صدقتني بارك الله فيك، ثم وعظها ودعا لها وخرج. فقال للشيخ: بارك الله لك في ابنتك، فنعم البنت بنتك! تحاكمت امرأتان إلى إياس في كبّة غزل، فقال لإحداهما: على أيّ شيء كبّبت غزلك؟ قالت: على كسرة، وقال للأخرى: على أيّ شيء كبّبت غزلك؟ قالت: على خرقة، فنقضت الكبّة فإذا هي على كسرة.

فسمع بذلك ابن سيرين فقال: ويح له، فما أفهمه! - كان مصعب بن الزبير لا يقدر على عائشة بنت طلحة زوجته إلا بتلاح يناله منها وينالها منه، فشكا ذلك إلى ابن أبي فروة كاتبه، فقال: أنا أكفيك إن أذنت لي، قال: نعم، افعل ما شئت، فإنّها أفضل شيء عندي في الدنيا. فأتاها ليلا معه أسودان، فاستأذن عليها، فقالت له: في مثل هذه الساعة؟ قال: نعم، فأدخلته. فقال للأسودين: احفرا هاهنا بئرا، فقالت له مولاتها: ما تصنع بالبئر؟ قال: شؤم مولاتك؛ أمرني هذا الفاجر أن أدفنها حيّة، وهو أسفك خلق الله لدم حرام. قالت عائشة: فأنظرني أذهب إليه، قال: هيهات لا سبيل إلى ذلك. وقال للأسودين: احفرا، فلما رأت الجدّ منه بكت وقالت: يا ابن أبي فروة، إنّك لقاتلي؟ قال: ما منه بدّ، وإني لأعلم أنّ الله سيخزيه بعدك، ولكنه كافر الغضب. قالت: وفي أيّ شيء غضبه؟ قال: في امتناعك عليه، وقد ظنّ أنّك تبغضينه وتتطلّعين إلى غيره، فقد جنّ. فقالت:

أنشدك الله إلا عاودته، قال: أخاف أن يقتلني. فبكت وبكى جواريها، فقال:

قد رققت لك، وحلف أنه يغرّر بنفسه، ثم قال لها: فما أقول؟ قالت: تضمن عنّي أني لا أعود أبدا، قال: فما لي عندك؟ قالت: قيام بحقّك ما عشت، فقال: أعطيني المواثيق؛ فأعطته، فقال: مكانكما. وأتى مصعبا وأخبره الخبر، فقال: استوثق منها بالأيمان، قال: قد فعلت؛ وصلحت بعد ذلك لمصعب.

- حدّث عقبة بن سلم قال: دعاني أبو جعفر المنصور فسألني عن اسمي ونسبي، فقلت أنا عقبة بن سلم بن نافع الأزديّ، قال: إني لأرى لك هيئة وموضعا، وإني أريدك لأمر أنا معنيّ به، قلت: أرجو أن أصدّق ظنّ أمير المؤمنين، قال: فأخف شخصك وأتني في يوم كذا وكذا، فأتيته فقال:

إنّ بني عمّنا قد أبوا إلا كيدا لملكنا، ولهم شيعة بخراسان بقرية يقال لها كذا وكذا، يكاتبونهم ويرسلون إليهم بألطاف وصدقات، فاخرج بكسى وألطاف حتى تأتيهم متنكّرا بكتاب أكتبه عن أهل تلك القرية، ثم تسير ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر منهم حتى تلقى عبد الله بن حسن متخشّعا، فإن جبهك- وهو فاعل- فاصبر وعاوده أبدا حتى يأنس بك، فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل إليّ. ففعل ذلك حتى أنس عبد الله بناحيته، وقال له عقبة: الجواب، فقال: أما الكتاب فلا أكتب، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام، وأخبرهم أني خارج لوقت كذا وكذا. فشخص عقبة حتى قدم على أبي جعفر وأخبره الخبر. قال صالح صاحب المصلّى: إني لواقف على رأس أبي جعفر وهو يتغدّى بأوطاس وهو متوجّه إلى مكة، ومعه على مائدته عبد الله بن الحسن، وأبو الكرام الجعفري وجماعة من بني العبّاس، فأقبل على عبد الله بن الحسن فقال: يا أبا محمد،

محمد وإبراهيم قد استوحشا من ناحيتي، وإني أحبّ أن يأنسا بي ويأتياني، فأصلهما وأزوّجهما وأخلطهما بنفسي. قال: وعبد الله يطرق طويلا ويقول:

وحقّك يا أمير المؤمنين ما لي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم، ولقد خرجا عن يدي؛ فيقول: لا تفعل يا أبا محمد، واكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما، قال: فامتنع أبو جعفر من غدائه ذلك اليوم إقبالا على عبد الله، وعبد الله يحلف أنه لا يعرف موضعها، وأبو جعفر يكرّر عليه: لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد. وقال أبو جعفر لعقبة بن سلم: إذا فرغنا من الطعام فلحظتك، فامثل بين يدي عبد الله، فإنه سيصرف بصره عنك، فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينيه منك، ثم حسبك، وإياك أن يراك ما دام يأكل. ففعل عقبة ذلك، فلما رآه عبد الله وثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر وقال: يا أمير المؤمنين أقلني أقالك الله، قال: لا أقالني الله إن أقلتك، ثم أمر بحبسه.

كان عيسى بن جعفر متنوّقا، فخاطره الرشيد على مائة ألف أن يلبس ثوبا ليس له مثله، فلما لبسه قال له عيسى: عندي فرش من هذا، فأحضره، وأخذ المال. ثم خاطره على مائة ألف أن يلبس جبّة ليس له مثلها، فأحضر أحسن منها، وانصرف بمائتي ألف، فاغتاظ الرشيد. فقال له إبراهيم بن المهديّ: إن أحببت أن تسترجع المائتين ومثلهما، فخاطره والبس البردة. ودعا به وخاطره فغلبه وأخذ أربعمائة ألف وأعطاها إبراهيم.

أراد عمر ﵁ أن يعزل المغيرة بن شعبة عن العراق بجبير بن مطعم وأن يكتم ذلك، وأمر بالجهاز. وأحسّ بذلك المغيرة فأمر جليسا له أن يدسّ امرأته- وكانت تسمّى لقّاطة الحصى- لتدور في المنازل حتى دخلت منزل جبير، فوجدت امرأته تصلح أمره، فقالت: إلى أين يخرج زوجك؟ قالت: إلى العمرة، قالت: كتمك، ولو كان لك عنده منزلة لأطلعك. فجلست متغضّبة فدخل إليها جبير وهي كذلك، فلم تزل

به حتى أخبرها، وأخبرت لقّاطة الحصى. ودخل المغيرة على عمر: فقال:

بارك الله لأمير المؤمنين في رأيه وتوليته جبيرا. فقال: كأني بك يا مغيرة فعلت كذا، فقصّ عليه الأمر كأنّما شاهده وقال: أنشدك الله، هل كان ذلك؟ قال: اللهم نعم. ثم رقي المنبر وقال: أيّها الناس، من يدلّني على المخلط المزيل النسيج وحده؟ فقام المغيرة فقال: ما يعرف ذاك في أمّتك غيرك؛ فولّاه، ولم يزل والي العراق حتى طعن عمر.

- يقال إنّ الفيل من طبعه الهرب من السّنّور، فحكي عن هارون مولى الأزد- الذي كان يردّ على الكميت ويفخر بقحطان، وكان شاعر أهل المولتان- أنه خبّا معه هرّا تحت حضنه، ومشى بسيفه إلى الفيل وفي خرطومه السيف، والفيّالون يذمرونه؛ فلما دنا منه ألقى الهرّ على وجهه فأدبر الفيل هاربا وتساقط الذين على ظهره، وكبّر المسلمون، وكان سبب الهزيمة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.