من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
فنون المعاني في الحجاب
- قيل لحبّى المدينيّة: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم ردّه.
- قيل لها: فما الذلّ؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدّنيّ ثم لا يؤذن له؛ قيل لها: فما الشرف؟ قالت: اعتقاد المنن في أعناق الرّجال.
- استأذن أبو الدرداء رحمه الله تعالى على معاوية فحجبه، فقال: من يغش أبواب الملوك يقم ويقعد، ومن يجد بابا مغلقا يجد باب الله مفتوحا؛ إن دعا أجيب، وإن سأل أعطي.
- وقف عبد الله بن العباس بن الحسن العلويّ ﵄ على باب المأمون ﵀ يوما، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق فقال عبد الله لقوم معه:
لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، فأمّا الفترة بعد
النظرة والتوقّف بعد التعرّف فلا أفهمه، ثم تمثّل:
وما عن رضى كان الحمار مطيّتيولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب
وانصرف، فبلغ المأمون كلامه، فضرب الحاجب وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب.
- وكان عنبسة بن سعيد إذا حضر باب أحد من السلاطين جلس جانبا، فقيل له: إنّك تتباعد من الإذن جهدك، قال: لأن أدعى من بعيد خير من أن أقصى من قريب، ثم قال:
وإنّ مسيري في البلاد ومنزليهو المنزل الأقصى وإن لم أقرّب
ولست وإن أدنيت يوما ببائعخلاقي ولا ديني ابتغاء التجنّب
ويعتدّه قوم كثير تجارةويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
- ومثله:
رأيت أناسا يسرعون تبادراإذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ونحن سكوت جالسون رزانةوحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
- وقال ابن أبي عيينة:
أتيتك زائرا لقضاء حقّفحال السّتر دونك والحجاب
وأنتم معشر فيكم أخ ليكأنّ إخاءه الآل السّراب
ولست بواقع في قدر قوموإن كرهوا كما يقع الذّباب
- قيل للمغيرة بن شعبة ﵀: إنّ بوّابك يأذن لأصحابه قبل
أصحابك! فقال: إنّ المعرفة لتنفع عند الكلب العقور والجمل الصؤول، فكيف بالرجل العقول؟! - قدم عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ على معاوية ﵁، فطال مقامه ببابه فصاح: من يستأذن لي اليوم فأستأذن له غدا؟ فبلغت معاوية فأذن له وأكرمه.
- استأذن أبو سفيان على عمر ﵁ فحجبه، فقيل له:
حجبك أمير المؤمنين، فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني.
قيل ليحيى بن خالد: غيّر حاجبك، قال: فمن يعرف إخواني القدماء؟
- شاعر:
ولقد رأيت بباب دارك جفوةفيها لحسن صنيعك التكدير
ما بال دارك حين تدخل جنّةوبباب دارك منكر ونكير
- استأذن سعد بن مالك على معاوية فحجب، فهتف بالبكاء، فسعى إليه الناس وفيهم كعب فقال: وما يبكيك؟ قال: وما لي لا أبكي وقد ذهب الأعلام من أصحاب رسول الله ﷺ ومعاوية يتلعّب بهذه الأمّة؟ قال كعب: لا تبك، فإنّ في الجنّة قصرا من ذهب يقال له «عدن»، أهله الصّدّيقون والشهداء، وأنا أرجو أن تكون من أهله.
- حجب بعض الهاشميين فرجع مغضبا، فردّ فلم يرجع، فقال:
ليس بعد الحجاب إلّا العذاب، لأنّ الله تعالى يقول: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ
(المطففين:).
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع