من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
رسائل في الشفاعة
أمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب كتاب عناية، فكتب:
كتابي كتاب واثق بمن كتبت إليه، معتن بمن كتبت له، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصله، والسلام.
قال عمران بن سهل: استعنت على أبي عبد الله معاوية بن يسار كاتب المهدي ببعض إخوانه في حاجة، فلما قام الشفيع قال لي: لولا أنّ حقّك لا يضيّعه مثلي لحجبت عنك حسن نظري، أتظنّني أجهل الإحسان حتى أعرّفه، أو أنكر موضع المعروف حتى أعرّفه؟ إذن أكون بمنزلة البعير الذّلول وعليه الحمل الثقيل، إن قيد انقاد، وإن أنيخ برك. فقلت: ما جعلت فلانا شفيعا إنّما جعلته مذكّرا. فقال: وأيّ تذكار لمن كنت منه بمرأى أبلغ من تسليمك عليه؟ إنّه متى لم يتصفّح المأمول أسماء مؤمّليه غدوة وعشيّة وجب أن تعدّه نسيا منسيّا، وجرى عليه المقدور وهو غير محمود ولا مشكور، وما لي إمام أدرسه بعد وردي من القرآن إلا أسماء رجال التأميل لي، وما أبيت ليلة إلا وأعرضهم على قلبي، فلا تستعن على شريف إلا بشرفه، فإنّه يرى الشفاعات عيبا لمعروفه.
- كتب الصاحب أبو القاسم بن عبّاد إلى أبي عليّ الحسن بن أحمد في شأن أبي عبد الله محمد بن حامد: كتابي هذا صدر عن محبة وقد أرخى الليل سدوله، وسحب الظلام ذيوله، ونحن على الرحيل غدا إن شاء الله إذا مدّ الصباح غرره، قبل أن يسبغ حجوله، ولولا ذاك لأطلته وقوف الحجيج على المشاعر، ولم أقتصر منه على زاد المسافر، فإنّ المتحمّل له وسيع الحقوق لديّ، حقيق أن أتعب له خاطري ويديّ، وهو أبو عبد الله الحامديّ أعزّه الله، وكان
وافانا مع ذلك الشيخ الشهيد أبي سعيد الشبيبي- رفع الله منازله، وقتل قاتله يكتب له، فآنسنا بفضله وأنسنا الخير من عقله، فلما فجع بتلك الصحبة وما كان له فيها من القربة، لم يرض غير بابي مشرعا، وغير جنابي مرتعا، وقطع إليّ الطريق الشاقّ مؤكّدا حقّا لا يشقّ غباره، ولا ينسى على الزمان ذماره؛ وكنت على جناح النّهضة التي لم تستقرّ نواها، ولم تلق عصاها، وإحراج الحرّ المبتدأ الأمر، القريب العهد بوطأة الدهر، تحامل عليه بالمركب الوعر؛ فرددته إليك يا سيّدي لتسهّل عليه حجابك، وتمهّد له جنابك، وترصد له عملا خفيف الثقل، نديّ الطلّ؛ فإذا اتفق عرضته عليه، ثم فوّضته إليه، وهو إلى أن يتفق ذلك ضيفي وعليك قراه، وعندك مربعه ومشتاه. ويريد اشتغالا بالعلم يزيده في الاستقلال إلى أن يأتيه خبرنا في الاستقرار، ثم له الخيار إن شاء أقام على ما ولّيته، وإن شاء لحق بنا ناشرا ما أوليته، وقد وقّعت له إلى فلان بما يعينه على بعض الانتظار إلى أن تختار له- أيّدك الله- كلّ الاختيار. فأوعز إليه بتعجيله، واكفني شغل القلب بهذا الحرّ الذي أفردني بتأميله، إن شاء الله تعالى.
- وكتب الصابي عن عزّ الدولة بختيار بن بويه إلى مؤيد الدولة بويه ابن ركن الدولة لمّا قبض على أبي الفتح ابن العميد يشفع فيه:
وهذا غلام أفسدته سجيّة ركن الدولة الشريفة في شدّة الاحتمال والصبر على الإدلال، فاجتمع له إلى ذلك التقلّب في نعمة حازها حيازة وارث لها، لم يكدح في تأثيلها، ولا مسّه النّصب في تثميرها، ولا اهتدى إلى طريق استبقائها، ولا تحرّز عن دواعي انتقالها. ومن ألزم اللوازم في حكم الرعاية أن نحفظه من
سكر نعمة نحن سقيناه كأسها، وأن نعذره عند هفوة قد شاركناه في اتخاذ أسبابها، وأن تكون نفسه محروسة، والبقية من ماله بعد أخذ فضلها المفسد له متروكة، وأن يتحدّث الناس بأنّ سيدي الأمير أصاب غرض الحزم في القبض عليه، ثم طبّق مفصل الكرم في التجاوز عنه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع