من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الوعد والاقتضاء به والإنجاز والمطل
قال رسول الله ﷺ: العدة دين.
وقال ﵌: عدة المؤمن كأخذ باليد.
- وقال الحسن بن عليّ ﵉: الوعد مرض في الجود، والإنجاز دواؤه.
ومن كلامه ﵇: المسؤول حرّ حتى يعد، ومسترقّ بالوعد حتى ينجز.
»
- وقال بعض القرشيين: من خاف الكذب أقلّ من المواعيد.
- وقيل: أمران لا يسلمان من الكذب: كثرة المواعيد، وشدّة الاعتذار.
- وقال المهلّب لبنيه: يا بنيّ، إذا غدا عليكم الرجل وراح مسلّما فكفى بذلك تقاضيا.
- قال الشاعر:
أروح لتسليم عليك وأغتديفحسبك بالتسليم مني تقاضيا
كفى بطلاب المرء ما لا ينالهعناء وباليأس المصرّح ناهيا
- قال الموبذ: الوعد سحابة والإنجاز المطر.
- وقيل: الوعد إذا لم يشفعه إنجاز يحقّقه كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه.
- وقال الأبرش الكلبيّ لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، لا تصنع إليّ معروفا حتى تعدني؛ فإنّه لم يأتني منك سيب على غير وعد إلّا هان عليّ قدره وقلّ مني شكره. فقال له هشام: لئن قلت ذلك لقد قال سيد أهلك أبو مسلم الخولانيّ: أنجع المعروف في القلوب وأبرده على الأكباد معروف منتظر بوعد لا يكدّره المطل.
- وكان يحيى بن خالد لا يقضي حاجة إلّا بوعد، ويقول: من لم يبت مسرورا بوعد لم يجد للصنيعة طعما.
وقالوا: الخلف ألأم من البخل، لأنه من لم يفعل المعروف لزمه ذمّ اللؤم وذمّ الخلف وذمّ العجز.
- أبو نواس:
تأنّ مواعيد الكرام فربّماحملت من الإلحاح سمحا على بخل
ابن داود:
أنت ابتدأت بميعادي فأوف بهولا تربّص به صرف المقادير
ولا تكلني إلى عذر تزخرفهفالغدر أحسن من بعض المعاذير
- بشار:
لا تجعلنّي ككمّون بمزرعةإن فاته الماء أغنته المواعيد
- نقله ابن الروميّ إلى الهجو فقال:
كم شامخ باذخ بنعمتهأضلّه قبلي المضلّونا
جعلته بالهجاء قلقلةإذ جعلتني مناه كمّونا
- وقال أيضا:
ما لي لديك كأني قد زرعت حصىفي عام جدب فوجه الأرض صفوان
أما لزرعي إبّان فأنطرهحتى يريع كما للزرع إبّان
- آخر:
وعدت فأكّدت المواعيد جاهداوأقلعت إقلاع الجهام بلا وبل
وأجررت لي حبلا طويلا تبعتهولم أدر أنّ اليأس في طرف الحبل
- أبو تمّام:
وما نفع من قد كان بالأمس صادياإذا ما سماء اليوم طال انهمارها
وما العرف بالتسويف إلّا كخلّةتسلّيت عنها حين شطّ مزارها
- بشار:
وعد الكريم يحث نائلهكالغيث يسبق رعده مطره
- ابن الرومي:
يتخطّى العدات عمدا إلى البذل كسحّ الحيا بلا إيماض
وقال:
أنجز الوعد إنّ خير مواعيدك ما جاء خلفه مصداقك
لا يكن ما وعدته حين تلقاهـ قذاة تحيلها آماقك
- وقال أنس بن زنيم لعبيد الله بن زياد:
سل أميري ما الذي غيّرهعن وصالي اليوم حتى ودّعه
لا تهنّي بعد إكرامك ليفشديد عادة منتزعه
لا يكن وعدك برقا خلّباإنّ خير البرق ما الغيث معه
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع