تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر من هذا الباب (١٨)

قال الأقرع بن معاذ القشيري:

إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطرهوساقني طبق منه إلى طبق
فليس أصبو إلى إلف يفارقنيولا يقطع أحشائي من الشفق

- لقي رجل المهلب فنحر ناقته في وجهه فتطير من ذلك وقال: ما قصتك؟ فقال:

إني نذرت لئن لقيتك سالماأن يستمر بها شفار الجازر

فقال المهلب: فأطعمونا من كبد هذه المظلومة ووصله.

- ولقيته امرأة من الأزد، وقد قدم من حرب كان نهض إليها، فقالت: أيها الأمير إني نذرت إن وافيت سالما أن أقبل يدك وأصوم يوما وتهب لي جارية سغدية وثلاثمائة درهم. فضحك المهلب وقال: قد وفينا لك بنذرك فلا تعاودي مثله، فليس كل أحد يفي لك به.

- وروي أن أبا دلامة لقي المهدي لما قدم بغداد فقال:

إني نذرت لئن رأيتك سالماترد العراق وأنت ذو وفر
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني نذرت لئن رأيتك سالما»
لتصلينّ على النبي وآلهولتملأن دراهما حجري

فقال له: صلّى الله على محمد وآله وسلّم، وأما الدراهم فلا سبيل إليها.

فقال: أنت أكرم من أن تعطيني أسهلهما عليك وتمنعني الآخر. فضحك وأمر له بما سأل.

لقي مخنث آخر ليودعه فقال: أحمد الله على بعد سفرك، وانقطاع أثرك، وشدة ضررك. فقال له الآخر: أستودعك العمى والضنا وقلة الرزق من السماء.

شاعر في مثله:

فسر غير مأسوف عليك فما النوىببرح وما الخطب الملمّ بفادح
للشاعر البحتري، من قصيدة «لئن راح روح هاربا من ضيوفه»

دعا أعرابي على مسافر بالبارح الأشأم، والسانح الأعضب، والصرد الأنكد، والكد الملهب، والهم المكرب، والطائر المنحوس، والظهر المركوس، والرحل المنكوس، فإن عاد لا عاد إلا بكآبة المنقلب، وندامة المعتقب.

خرج أعرابي وكانت له امرأة تفركه، فأتبعته نواة وقالت: شطّت نواك، ونأى سفرك، ثم أتبعته روثة وقالت: رثيتك وراث خبرك، ثم أتبعته حصاة وقالت: حاص رزقك، وحص أثرك.

أراد بعض الأعراب السفر في أول السنة فقال: إن سافرت في المحرم كنت جديرا أن أحرم، وإن رحلت في صفر خشيت على يدي أن تصفر. فأخر السفر إلى شهر ربيع. فلما سافر مرض ولم يحظ بطائل فقال: ظننته من ربيع الرياض فإذا هو من ربيع الأمراض.

شاعر:

بدأن بنا وابن الليالي كأنهحسام جلت عنه القيون صقيل
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «بدأن بنا وابن الليالي كأنه»
فما زلت أفني كل يوم شبابهإلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «بدأن بنا وابن الليالي كأنه»

سرى شيخ من العرب مع رفيق له فتعب فقال لرفيقه: هذا الجدي فاضبط الأمّ به، وأراه السمت، حتى أغفى على راحلته، ثم انتبه وقد جار به عن

القصد فقال: ما صنعت ويلك؟ فقال: إنه والله اختلط بالجدي جداء كثيرة فلم أدر أيتها هو.

كتب كشاجم:

كتبت أعزك الله من المحل الجديب والبلد القفر الذي أنا به، غريب عن سلامة الجوارح والحواس، إلا حاسة التمييز، فإنها لو صحت لما اخترت المقام بهذه المفازة:

بلاد كأن الجوع يطلب أهلهابذحل إذا ما الصيف صرّت جنادبه
للشاعر كشاجم، من قصيدة «بلادٌ كأنّ الجوعَ يطلبُ أهلها»

أبو العطاف الغنوي:

أقول لميمون وقد حنّ حنةإلى الريف واغبرت عليه الموارد
سيكفيك ذكر الريف ضبّ ومذقةونبت بوعثاء الجنينة فارد
وريح بنجد طيّب نسماتهاوأسود من ماء العذيبة بارد

قدم رجل من اليمامة فقيل له: ما أحسن ما رأيت بها؟ قال:

خروجي منها.

سافر أعرابي فرجع خائبا فقال: ما ربحنا من سفرنا إلا ما قصرنا من صلاتنا.

خرج رجلان من خراسان إلى بغداد في متجر لهما. فمرض أحدهما وعزم الآخر على الخروج، فقال له: ما أقول لمن يسألني عنك؟ قال: قل لهم لما دخل بغداد اشتكى رأسه وأضراسه، ووجد خشونة في صدره، وحززا في طحاله، وخفقانا في فؤاده، وضربانا في كبده، وورما في ركبتيه ورعشة في ساقيه وضعفا عن القيام على رجليه، فقال: بلغني أن الايجاز في كل شيء مما يستحب، وأنا أكره أن أطول عليهم لكني أقول لهم: قد مات.

ابن الحجاج:

سافرت من منزلي إليك علىنحول جسمي وضعف تركيبي
أسير سيرا جاد الكميت بهمذللا في نهاية الطيب
فعدت وهو الشقي مجتهديفتلني تارة ويكبو بي
أصيح واظهري القطيع إذاصاح من السير واعراقيبي
ينام تحتي ضعفا فتنبههمقرعة لي طويلة السيب
فالحمد لله أنني رجلمذ كنت لا تنقضي أعاجيبي

تمّ الجزء والحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم تسليما

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.