من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أقوال في فضائل بلدان مختلفة
قال سفيان: والله ما أدري أي البلاد أسكن؟ فقيل له: خراسان، فقال: مذاهب مختلفة وآراء فاسدة؛ قيل: فالشام، قال: يشار إليك بالأصابع- أراد الشهرة-؛ قيل: فالعراق، قال: بلد الجبابرة؛ قيل: فمكة، قال تذيب الكيس والبدن.
- وصف بعضهم بلاد الهند فقال: بحرها درّ، وجبالها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر.
وقال عبيد الله بن سليمان في نهاوند: أرضها الزعفران، وسماؤها الفاكهة، وحيطانها الشهد.
وقال عمرو بن الليث في نيسابور: حجرها الفيروزج، وترابها النقل، وحشيشها الريباس.
- وقال الحجاج لعامله على أصفهان: قد ولّيتك بلدة حجرها كحل وذبابها النحل، وحشيشها الزعفران.
- كان يقال للبصرة: خزانة العرب وقبة الإسلام، لانتقال قبائل العرب إليها، واتخاذ المسلمين لها وطنا ومركزا.
دخل الرشيد منبج فقال لعبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان لسان بني العباس: هذا البلد مقر لك، قال: يا أمير المؤمنين هو لك ولي بك. قال: كيف منازلك به؟ قال: دون منازل أهلي وفوق منازل غيرهم. قال: كيف صفة مدينتك
هذه؟ قال: عذبة الماء، طيبة الهواء، قليلة الأدواء. قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله، ولتربها عن الطيب غنى، وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء وفياف فيح، بين قيصوم وشيح. فقال الرشيد: هذا الكلام والله أحسن منها.
قال أبو العتاهية يوما لبدوي: هل لك في أرض الريف والخصب، أرض العراق؟ قال: لولا أن الله أرضى بعض العباد بشرّ البلاد لما وسع خير البلاد جميع العباد.
وقال الجاحظ في ذكر العراق: موضع التميمة، وواسطة القلادة، فيه تلاقحت الطبائع، وصرحت عن اللبّ الأصيل، والخلق الجميل.
- ابن زريق الكاتب:
سافرت أبغي لبغداد وساكنهامثلا وذلك شيء دونه الياس
هيهات بغداد الدنيا بأجمعهاعندي وسكان بغداد هم الناس
ويقال لأهل العراق: ملائكة الأرض للطافة أخلاقهم وخفة أرواحهم.
قال:
ملائكة الأرض أهل العراقوأهل الشآم شياطينها
وقال: وكان أبو إسحاق الزجاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية.
وكان أبو الفضل بن العميد إذا امتحن رجلا من أهل العلم سأله عن بغداد فإن وجده منتبها على خصائصها، وعن الجاحظ: فإن رآه منتسبا إلى مطالعة كتبه، رجح في عينيه وإلا لم يعبأ به.
وسأل أبو الفضل بن العميد الصاحب أبا القاسم ابن عباد عن بغداد فقال: بغداد في البلاد كسيدنا في العباد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع