من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
من حب الوطن
- ومن حب الوطن وصّى يوسف ﵇ أن يحمل تابوته إلى مقام آبائه، فمنع أهل مصر أولياءه. فلما بعث موسى ﵇ وأهلك فرعون حملها إلى مقابرهم، فقبره علم بأرض بيت المقدس بقرية تسمى حامي.
- ووصى الاسكندر أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلد الروم حبا لوطنه.
- وقيل لما غزا اسفنديار بلاد الخزر اعتل بها، فقيل له: ما تشتهي؟
قال: شمة من تربة بلخ وشربة من ماء واديها.
- واعتل سابور ذو الأكتاف بالروم، وكان أسيرا، فقالت له بنت الملك وقد عشقته: ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة وشميما من تراب اصطخر. فأتته بعد أيام بشربة من ماء وقبضة من تراب، وقالت: هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك. فشرب واشتم بالوهم، فأفاق فيقة من علته.
- وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك، إذ كان غذاؤك منهما وغذاؤهما منه.
- وقالت الفرس: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في القلب رقة.
- قال ابن عباس ﵁: لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم لما اشتكى عبد الرزق.
وقال عمر ﵁: عمر الله البلدان بحب الأوطان.
- والعرب تقول: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.
وقال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم.
- قيل لأعرابي: أتشتاق إلى وطنك؟ فقال: كيف لا أشتاق إلى رملة كنت جنين ركامها ورضيع غمامها.
بعض العرب:
ألا ليت شعري هل تخلّف ناقتيبصحراء من نجران ذات ثرى جعد
وهل تنفضنّ الريح أفنان لمّتيعلى لاحق الأطلين مضطمر ورد
وهل أردنّ الدهر حسي مزاحموقد ضربته نفحة من صبا نجد
وقال صاحب الزّنج في اليوم الذي قتل فيه، وكان هرب من داره:
عليك سلام الله يا خير منزلخرجنا وخلفناه غير ذميم
فإن تكن الأيام أحدثن فرقةفمن ذا الذي من ريبها بسليم
- قال الجاحظ: رأيت المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه تربة مولده في جراب يتداوى به.
وقد كان شرف الملك أبو سعيد مستوفي ملكشاه يسافر إلى العراق والشام وسائر الأقطار ومعه حنطة خوارزم يأكل منها، وماؤها في قوارير يشرب منه، وكذلك شربه من خمرها، ويقول: هذه مآلف مزاجي فلا أغيرها.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع