تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

حكايات في تنجز الحوائج

دخل ابن شبرمة على عيسى بن موسى وسأله حوائج استكثرها، فقال له: أقضي لك نصفها؛ قال: فما عذري عند الباقين من أربابها؟ قال:

فأقضي لك الثّلثين، قال: أيّها الأمير، من أولى الناس بالجنابة؟ قال:

جانيها؛ قال: فأنت الجاني إليّ إذ أدنيتني وقرّبت مجلسي حتى رغب الناس في حوائجهم إليّ، ورغبت إليك فيها، فإن قضيت الكلّ وإلا فأقصني منك حتى لا يأتوني ولا آتيك. فقضى حوائجه بأجمعها.

حدّث أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي في أيام عطلته وكبر سنّه ولزومه بيته قال: عرضت على أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات رقعة في حاجة، فقرأها ووضعها بين يديه ولم يوقّع فيها، فأخذتها وقمت وأنا أقول متمثّلا من حيث يسمع:

وإذا خطبت إلى كريم حاجةوأني فلا تعقد عليه بحاجب
فلربّما منع الكريم وما بهبخل، ولكن سوء حظّ الطالب

فقال وقد سمع ما قلت: ارجع يا أبا جعفر بغير شؤم جدّ الطالب، ولكن إذا سألتمونا الحاجة فعاودونا فيها فإنّ الله تعالى يقلّب القلوب، هات رقعتك.

فناولته إياها فوقّع بما أردته فيها.

- وقال البحتريّ:

وكنت إذا مارست عندك حاجةعلى نكد الأيام هان علاجها
للشاعر البحتري، من قصيدة «سفاها تمادى لومها ولجاجها»
فإن تلحق النّعمى بنعمى فإنّهيزين اللآلي في النظام ازدواجها
للشاعر البحتري، من قصيدة «سفاها تمادى لومها ولجاجها»

- آخر:

من عفّ خفّ على الصديق لقاؤهوأخو الحوائج قربه مملول

لمّا قدم الأحنف على عمر ﵁ في وفد أهل البصرة، فقضى حوائجهم قال الأحنف: يا أمير المؤمنين إنّ أهل هذه الأمصار نزلوا على مثل حدقة البعير من العيون العذاب تأتيهم فواكههم لم تخضد، وإنّا نزلنا سبخة نشّاشة، طرف لها بالفلاة وطرف بالبحر الأجاج، يأتينا ما يأتينا في مثل مريء النعامة، فإن لم ترفع خسيستنا بعطاء تفضّلنا به على سائر الأمصار نهلك.

كان ابن أبي دواد من أكثر الناس سعيا في حوائج الناس، فقال له الواثق: إنّ حوائجك ومسائلك تستنفد بيوت الأموال! فقال: يا أمير المؤمنين، أتخاف الفقر والله مادّتك؟! كان الزّوار يسمّون السّؤال إلى أيام خالد بن برمك، فقال خالد:

هذا والله اسم أستقبحه لطالب الخير، وأرفع قدر الكريم عن أن يسمّى به أمثال المؤمّلين، لأنّ فيهم الأشراف والأحرار وأبناء النّعم، ومن لعلّه خير ممّن يقصد وأفضل أدبا. لكنا نسمّيهم الزّوّار.

قال محمد بن علي الشطرنجي: سألني رجل أن أسأل رجلا من آل سليمان بن وهب كتابا إلى مالك بن طوق في حاجة له؛ فصرت إلى الرجل وسألته ذاك، فقال: نعم وكرامة، فقلت: تأذن لي أعزّك الله في البكور إليك مسلّما ومذكّرا؟ فقال: افعل ما بدا لك. وجئته من غد سحرا فألفيت دابته مسرجة على بابه، فقلت لغلامه: ما خبره؟ قال: ادخل، فدخلت فوجدته جالسا على حصير صلاته بثياب ركوبه، وسلّمت عليه وقلت: أحسبك تريد الركوب في حاجتي، فقال: غفر الله لك! قد مضيت فيها وقد قضيتها؛ وأعطاني الكتاب الذي سألته إيّاه وهو على سحاءة، فوقفت عليه وكان على غاية التأكيد. ودعوت له، فقال لي:

أتدري ما الذي حداني على ذلك يا أبا جعفر؟ فقلت: إن رأيت أن تعلمني، قال:

بيتان لبعض الشعراء رويتهما وتأدّبت بهما، وهما:

أبوك الذي أعطى على الحمد مالهوحاز المعالي واحتوته المكارم
يروح إلى جمع المناقب والعلىويدلج في حاجات من هو نائم

- كتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان: أنا وولدي زرع من زرعك، إن سقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى. وقد مسّني منك جفاء بعد برّ، وإغفال بعد تعهّد، وشمت عدوّ وتكلّم حاسد، وتعبّثت بي ظنون رجال.

وشديد عادة منتزعه

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.