تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

حكايات في الشفاعة

- ومن كلامه في الشفاعة إلى أبي تغلب ابن حمدان لأخ له:

وقد يكون لعمري في ذوي الأرحام الشابكة، والقرابات الدانية، من يتمادى في العقوق، ويذهب عن حفظ الحقوق، ولا يسع ترك تألّفه حتى يرجع، واستصلاحه حتى ينزع، فإن تجشّم الإعراض عنه لرياضة تقصد، أو عاقبة نفع تحمد لم يبلغ به إلى قطع المعيشة ومنع المادة، لأنّ قباحة ذلك لمن يستعمله أكثر من مضرّته لمن يعمل معه. وقد قيل: إنّ الملوك تعاقب بالهجران ولا تعاقب بالحرمان، هذا في الأتباع والأصحاب، وهو ألزم في الأقران والأتراب.

- لمّا قال دعبل في المعتصم:

ملوك بني العباس في الكتب سبعةولم تأتنا في ثامن لهم الكتب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بكى لشتات الدين مكتئب صب»
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعةخيار إذا عدوّا وثامنهم كلب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بكى لشتات الدين مكتئب صب»
لقد ضاع أمر الناس حين يسوسهموصيف وأشناس وقد عظم الخطب

نذر المعتصم دمه، فطلب طلبا شديدا، فتوارى وهرب. فسمع ابن أبي دواد المعتصم يوما يقول: لأقتلنّ دعبلا، قال: ولم؟ قال: هجاني، قال: يا أمير المؤمنين، إنّ دعبلا شريف وعنده من الفضل بمعرفة أهل الفضل ما يردعه عن هذا، ولكن من المبلّغ لك ذلك عنه؟ قال: عمي إبراهيم بن المهدي؛ قال: ففي

حكمك قبول قول حاقد محفظ؟ قال: معاذ الله! قال: إنّ دعبلا هتك إبراهيم عمّك أيام تولّيه الخلافة:

إن كان إبراهيم مضطلعا بهافلتصلحن من بعده لمخارق
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «علم وتحكيم وشيب مفارق»
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزلولتصلحن من بعده للمارق
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «علم وتحكيم وشيب مفارق»

فضحك وقال: أجل، إن كان إبراهيم خليفة فمخارق وليّ عهده، وقد صفحنا عمّا أردناه. قال: إنّ أمير المؤمنين أجلّ من أن يعمر قلبا بحزن ساخطا، ولا يعمره بسرور راضيا. قال: فاحكم يا أبا عبد الله، قال: خمسون ألف درهم يرمّ بها حاله. فقبض المال وأنفذ الكتاب به إلى مصر، وكان دعبل بها، فلم يشكره دعبل، فكافأه بأن قال فيه:

سحقت أمّه ولاط أبوهليت شعري عنه فمن أين جاء

في أهاج كثيرة له فيه.

- ودخل ابن أبي دواد إلى الواثق وقد أتي بابن أبي خالد الذي كان بالسّند فقال: والله لأضربنّك بالسياط، والله لا يكلّمني فيك أحد من الناس إلا ضربت بطنه وظهره. فسكت حتى ضربه عشرين سوطا ثم قال: يا أمير المؤمنين، في هذا أدب، وفي دونه استصلاح، وتجاوزه سرف، وإنما أبقي عليك من القصاص، قال: أوما سمعت يميني ألا يكلّمني فيه أحد إلا ضربت بطنه وظهره؟ قال: قد سمعت، ولكن يكفّر أمير المؤمنين ويأتي الذي هو إلى الله ﷿ أقرب عنده وأفضل. قال: خلّيا عنه، كفّر يا غلام عن يميني.

- أبو تمام في الشفيع:

ولقيت بين يديك حلو عطائهولقيت بين يديّ مرّ سؤاله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحواله»
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعةمن جاهه فكأنّها من ماله
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «صدق الذي قد سار في أمثاله»

نظر فيهما إلى قول دعبل وزاد وأحسن:

وإنّ امرءا أسدى إليّ بشافعإليه ويرجو الشكر مني لأحمق
شفيعك فاشكر في الحوائج إنّهيصونك عن مكروهها وهو يخلق
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وإن امرأ أسدى إلي بشافع»

قال أبو الضحى: شفع مسروق بن الأجدع لرجل شفاعة، فأهدى إليه جارية، فقال: لو علمت أنّ ذاك في نفسك ما شفعت لك، ولا أشفع فيما بقي من حاجتك؛ إني سمعت ابن مسعود ﵀ يقول: من شفع شفاعة ليردّ بها حقّا أو يدفع بها ظلما فأهدي له شيء وقبله، فذاك السّحت. فقلنا: يا أبا عبد الرحمن، ما كنّا نظنّ السّحت إلا الأخذ على الحكم! فقال عبد الله: الأخذ على الحكم كفر.

قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد اعتذاره: قد مات حقدي عليك بحياة عذرك، وقد عفوت عنك، وأعظم من عفوي يدا عندك أني لم أجرّعك مرارة امتنان الشافعين.

- التمس العتّابيّ الإذن على المأمون فتعذّر ذلك عليه، فأقبل يحيى بن أكثم، فلما رآه العتّابيّ قام إليه فقال: أيّها الشيخ، اذكرني عند أمير المؤمنين، قال: لست بحاجب، قال: قد علمت، ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان على كلّ خير، قال: قد كلّفتني غير طريقي، قال: إنّ الله قد أتحفك بجاه ونعمة

وهو مقبل على صاحبها بتعجيل الزيادة إن شكر، والتغيير إن كفر، وأنا لك اليوم خير لك من نفسك، لأني أدعوك إلى زيادة نعمتك وأنت تأبى ذلك، واعلم أنّ لكلّ شيء زكاة، وأنّ زكاة الجاه رفد المستعين. فقال له يحيى: على رسلك أيها الرجل، ثم دخل على المأمون واستأذن له عليه، فأجازه المأمون وأحسن إليه.

قال رجل لبعض الولاة: إنّ الناس يتوسّلون إليك بغيرك، فينالون معروفك ويشكرون غيرك، وأنا أتوسّل إليك بك، ليكون شكري لك لا لغيرك.

شاعر:

إذا أنت لم تعطفك إلّا شفاعةفلا خير في ودّ يكون بشافع

- كان المنصور معجبا بمحادثة محمد بن جعفر بن عبيد الله بن عباس، وكان الناس لعظم قدره عنده يضرعون إليه في الشفاعات، فثقل ذلك على المنصور فحجبه مدّة؛ ثم لم يصبر عنه، فأمر الربيع أن يكلّمه في ذلك، فكلّمه وقال له: أعف أمير المؤمنين ممّا تثقل عليه، فقبل، فلما توجّه إلى الباب اعترضه قوم من قريش معهم رقاع سألوه إيصالها إلى المنصور، فقصّ عليهم قصّته، فأبوا أن يقبلوا وألحّوا عليه، فرقّ لهم وقال: اقذفوها في كمّي، فدخل عليه وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام وما حولها من البساتين والضّياع فقال له: أما ترى إلى حسنها؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، فبارك الله لك فيما آتاك، وهنّأك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك، فما بنت العرب في دولة الإسلام، ولا العجم في سالف الأيام، أحصن ولا أحسن من مدينتك، ولكن سمّجتها في عيني خصلة واحدة، قال: وما هي؟ قال: ليس لي فيها ضيعة، فتبسّم وقال:

حسّنتها في عينك ثلاث ضياع قد أقطعتكها، فقال: أنت والله شريف الموارد

كريم المصادر، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه، وقد بدت الرقاع من كمّه وهو يتشكّر له، فأقبل يردّها وهو يقول: ارجعن خائبات خاسئات، فضحك وقال: بحقّي عليك إلا أخبرتني بخبر هذه الرقاع؟ فأعلمه، فقال:

أبيت يا ابن معلم الخير إلا كرما، وتمثّل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:

لسنا وإن أحسابنا كرمتيوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلناتبني ونفعل مثل ما فعلوا
للشاعر إسماعيل صبري، من قصيدة «إنا إذا سلبت وظائفنا»

وتصفّحها وأمر بقضاء حوائجهم. قال محمد: فخرجت من عنده وقد ربحت وأربحت.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.