تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

ما جاء في السؤال

- الأخبار النبويّة في كراهة السؤال كثيرة وفيه تغليظ.

فمن ذلك قوله ﵌: لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل أحدا.

- وقال ﵌: من يتقبّل لي واحدة وأتقبّل له بالجنة؟ فقال له ثوبان: أنا، فقال: لا تسأل الناس شيئا. فكان ثوبان تسقط علّاقة سوطه فلا يأمر أحدا يناوله، وينزل هو فيأخذها.

- وقال ﷺ وعلى آله وأصحابه: ليأتينّ يوم القيامة أقوام ما في وجوههم مزعة لحم، أخلقوها بالمسألة.

- وقال ﵌: من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة نزلت به أو عيال لا يطيقهم فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب.

- وقال ﷺ لحكيم بن حزام: خير لك أن الا تسأل الناس شيئا.

فلما كان في خلافة عمر جعل يعطي الناس ويعطي حكيم بن حزام، فيأبى أن يأخذه ويقول: لا أرزؤ أحدا بعد النبيّ ﵌ شيئا.

- وقال ﵌: من سأل وعنده ما يغنيه فإنّما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: وما يغنيه يا رسول الله؟ قال: ما يغدّيه أو يعشّيه.

- وقال عوف بن مالك: بايعنا رسول الله ﵌ وكنّا سبعة أو ثمانية، فقال قائل: علام نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا؛ وأسرّ كلمة خفيّة: ولا تسألوا الناس شيئا. قال: ولقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه ولا يسأل أحدا شيئا.

- وعنه ﷺ: لأن يأخذ أحدكم حبلا فينطلق به إلى هذا الجبل فيحتطب فيه حطبا ويبيعه ويستغني به عن الناس خير له من أن يسألهم، أعطوه أو حرموه.

- وقال أنس بن مالك: أصابت رجلا من الأنصار حاجة وفاقة، فأتى النبيّ ﵌ فأخبره بذلك، فقال: اذهب وأتني بما في منزلك

ولا تحقرنّ شيئا، قال: فأتاه بحلس وقدح، فأخذه النبيّ ﵌ وقال: من يشتري هذا مني بدرهم؟ فقال رجل: هما عليّ بدرهم، فقال:

من يزيد على درهم؟ فقال رجل: هما عليّ بدرهمين؟ قال: هما لك، ثم أخذ الدرهمين فدفعهما إليه وقال: ابتع بأحدهما طعاما لأهلك وبالآخر فأسا فأتنا بها. قال: فذهب فأتاه بالفأس، فقال ﵌: من عنده نصاب لهذه الفأس؟ فقال أبو بكر: عندي، فأتى به، فأخذه النبيّ ﵌ فأثبته بيده ثم دفعها إليه، ثم قال: اذهب فاحتطب ولا تحقرنّ شوكا ولا رطبا ولا يابسا خمس عشرة ليلة. قال: فأتاه بعد ذلك وقد حسنت حاله. فقال النبيّ ﵌: هذا خير من أن تجيء يوم القيامة وفي وجهك كدح الصدقة.

وأهدى ﵌ إلى عمر هديّة فردّها، فقال: يا عمر، لم رددت هديتي؟ قال: إني سمعتك تقول: خيركم من لم يقبل من الناس شيئا، فقال: يا عمر، إنما ذلك ما كان عن ظهر مسألة، فأما ما أتاك الله من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك.

- وروي أنّ رجلا جاء إلى النبيّ ﵌ فقال:

إنّ بني فلان أغاروا على إبلى فذهبوا بالإبل والغنم، فقال النبيّ ﵌: ما أصبح عند آل محمد غير هذا المدّ، فسل الله تعالى. قال:

فرجع إلى امرأته فحدّثها بما قال له النبيّ ﵌، فقالت:

نعم ما ردّ عليك. قال: فردّ إليه إبله وبقره وغنمه أوفر ما كانت. فرجع إلى النبيّ ﵌، فحدّثه فقام فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس أن يسألوا الله ويرغبوا إليه، وقرأ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ

(الطلاق:).

- قالت أمّ الدرداء: قال لي أبو الدرداء: لا تسألي أحدا شيئا، قلت:

فإن احتجت؟ قال: تتّبعي الحصادين، فانظري ما يسقط منهم فخذيه فاطحنيه ثم اعجنيه، ثم كليه ولا تسألي أحدا.

- قال طلق بن حبيب في زبور داود: إن كنت لا بدّ أن تسأل عبادي فسل معادن الخير ترجع مغبوطا مسرورا، ولا تسأل معادن الشرّ ترجع ملوما محسورا.

- سأل المنكدر عائشة ﵂، فقالت: لو كانت عندي عشرة آلاف لبعثتها إليك. فلما خرج جاءتها عشرة آلاف فبعثتها إليه، فاشترى منها جارية بألفي درهم، فولدت له محمدا وأبا بكر وعمر فكانوا عبّاد المدينة.

سمع كعب الأحبار من يقرأ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً

(البقرة:)، فألقى إلى مسكين رداءه، فقيل له، فقال: مكتوب في التوراة:

ليس ينبغي لأحد أن يسمعها إلا فلذ من ماله فلذة ولم يكن معي إلا ردائي.

- أنشد ابن الأعرابيّ:

أبا هانىء لا تسأل الناس والتمسبكفّيك فضل الله فالله أوسع
ولو تسأل الناس التراب لأوشكواإذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا

قال سهل بن هارون: من ثقّل نفسه عليك وغمّك بسؤاله فأعره أذنا صمّاء وعينا عمياء.

سأل سائل بمسجد الكوفة وقت صلاة الظهر فلم يعط شيئا، ثم العصر فلم يعط شيئا، ثم المغرب فلم يعط شيئا، فقال: اللهم إنك بحاجتي عالم

لا تعلّم، لا يعوزك نائل، ولا يبخلّك سائل، ولا يبلغ مدحك قائل، أسألك صبرا جميلا، وفرجا قريبا، وبصرا بالهدى، وقوّة فيما تحبّ وترضى. فتبادروا إليه يعطونه فقال: والله لا أرزأنكم الليلة شيئا، وقد رفعت حاجتي إلى الله، ثم خرج وهو يقول:

ما اعتاض باذل وجهه بسؤالهعوضا ولو نال الغنى بسؤال
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله»
وإذا السؤال مع النوال قرنتهرجح السؤال وخفّ كل نوال
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «حيل البلى تأتي على المحتال»

سأل أعرابيّ قوما فمنعوه فقال: اللهم أشغلنا بذكرك، وأعذنا من سخطك، وتغمّدنا بمغفرتك. قد ضنّ خلقك عن خلقك، فلا تشغلنا بما عندهم فيشغلنا عمّا عندك، وأتنا من الدنيا القنعان، فإنّ كثيرها يسخطك، ولا خير فيما يسخطك.

- قدم وفد على زياد فقام خطيبهم فقال: إنّا- أصلح الله الأمير وإن كانت نزعت بنا أنفسنا إليك، وأنضينا ركابنا نحوك، التماسا لفضل عطائك، فإنّا عالمون بأنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معط لما منع؛ وإنما أنت أيها الأمير خازن ونحن رائدون، فإن أذن الله وأعطيت حمدنا، وإن لم يأذن لك ومنعت شكرنا، ثم جلس. فقال زياد: تالله ما رأيت خطبة أبلغ ولا أوجز ولا أنفع عاجلة منها. ثم أمر بصلتهم.

- سأل أعرابيّ قوما فقال: رحم الله امرءا لم تمجّ أذنه كلامي، وقدّم له معذرة من سوء مقامي، فإنّ البلاد مجدبة، والحال صعبة، والحياء زاجر عن كلامكم، والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين، فرحم الله امرءا آسى بمير أو دعا بخير. فقال له رجل: ممّن أنت يا أعرابي؟ قال: اللهم

غفرا إنّ لؤم الاكتساب يمنع من الانتساب.

- وممّا قاله الشعراء في ترك الإلحاح قول عديّ بن الرّقاع:

حملت نفسي على أمر وقلت لهاإنّ السؤول على الأحوال مملول
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «حملت نفسي على أمر وقلت لها»

وقول زهير بن أبي سلمى:

ومن لا يزل يستحمل الناس نفسهولا يعفها يوما من الذلّ يسأم

وقول سليم بن خنجر الكلبي:

ويسأمك الأدنى وإن كان مكثراإذا لم تزل عبثا عليه ثقيلا
للشاعر سَلِيمُ بن خِنْجر، اقرأ القصيدة

- وقفت أعرابيّة بزبالة على قوم فقالت: أتأذنون في الكلام فإنّ فيه فرجا من وساوس الهموم، ومخبرا بضمائر القلوب، فقال لها بعضهم يداعبها:

أمّا بما حسن به الاستمتاع في العاجلة، وخفّت به المؤونة في الآجلة، فنعم.

فقالت: اللهم غفرا! هذه شريطة لا يتعلّق بها الوفاء، فقال: فلا حاجة إذن بك إلى الكلام، وهذا درهم فخذي إليك ما حضر؛ فقالت: اللهم إنه قد كان له في كيسه متمهّد، وفي معاشه متصرّف، ولكنه اتّجر به فيّ إليك، اللهم فلا تجزه على قدر البضاعة، ولكن اجزه على قدر الصبر على المسألة؛ ثم قالت: لا جعلك الله ممّن يكره السؤال ويستعذب الردّ.

- أتى أعرابيّ باب بعض الملوك فأقام به حولا ثم كتب إليه: الأمل والعدم أقدماني عليك، وفي السطر الثاني: الإقلال لا صبر معه. وفي الثالث:

الانصراف بغير فائدة شماتة الأعداء. وفي الرابع: إما نعم سريح وإما يأس مريح.

سأل أعرابي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فقال: رجل من أهل البادية ساقته الحاجة، وانتهت به الفاقة، والله سائلك عن مقامي هذا. فقال عمر: تالله ما رأيت كلمة أبلغ من قائل، ولا أوعظ لمقول منها.

- قال رجل لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين، هززت ذوائب الرحال إليك، ولم أجد معوّلا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأقطع المجاهل بالآثار، يقودني نحوك رجاء، ويسوقني إليك بلوى، والنفس راغبة والاجتهاد عاذر، وإذ قد بلغتك قصتي. قال: احطط عن راحلتك فقد بلغت.

- وقف دعبل ببعض أمراء الرّقّة، فلما مثل بين يديه قال: أصلح الله الأمير، إني لا أقول كما قال صاحب معن:

بأيّ الحالتين عليك أثنيفإني عند منصرفي مسول
أبالحسنى فليس لها ضياءعليّ فمن يصدّق ما أقول
أم الأخرى ولست لها بأهلوأنت لكلّ مكرمة فعول

ولكني أقول:

ماذا أقول إذا أتيت معاشريصفرا يدي من جود أروع مجزل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقلضنّ الأمير بماله لم يجمل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ماذا أَقولُ إِذا أَتيتُ مَعَاشِري»
ولأنت أعلم بالمكارم والعلىمن أن أقول فعلت ما لم تفعل
فاختر لنفسك ما أقول فإنّنيلا بدّ أخبرهم وإن لم أسأل
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي»

- خرج أعشى همدان إلى الشام في ولاية مروان بن الحكم فلم ينل فيها حظّا، فجاء إلى النعمان بن بشير فكلّم اليمانية وقال لهم: هذا شاعر اليمن

ولسانها، واستماحهم له، فقالوا: نعم، يعطيه كلّ رجل منّا دينارين من عطائه، قال: لا، بل اعطوه منا دينارا دينارا واجعلوا ذلك معجّلا، فقالوا: أعطه إياه من بيت المال واحتسبها على كلّ رجل من عطائه، ففعل النعمان، وكانوا عشرين ألفا، فأعطاه عشرين ألف دينار وارتجعها منهم عند العطاء. فقال الأعشى يمدح النعمان:

لم أر للحاجات عند التماسهاكنعمان نعمان الندى ابن بشير
إذا قال أوفى ما يقول ولم يكنكمدل إلى الأقوام حبل غرور
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
متى أكفر النعمان لا ألف شاكراوما خير من لا يقتدي بشكور
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
فلولا أخو الأنصار كنت كنازلثوى ما ثوى لم ينقلب بنصير
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.