تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر من هذا الباب (١٩)

- وعد ابن المدبّر أبا العيناء بدابة فماطله بها، فلما طالبه بها قال:

أخاف أن أحملك عليها فتقطعني ولا أراك. فقال: عدني أنك تضمّ إليها حمارا لأواظب مقتضيا.

- قال أعرابيّ لمعاوية: استعملني على البصرة، فقال: ما أريد عزل عاملها، قال: فأقطعني البحرين، فقال: ما إلى ذلك سبيل، قال: فمر لي بألف درهم، فأمر له بها، فقيل للأعرابي في ذلك، فقال: لولا طلبي الكثير ما أعطاني القليل.

- قال أعرابي: سألت فلانا حاجة أقلّ من قيمته، فردّني ردّا أقبح من خلقته.

- سأل أبو العيناء أحمد بن صالح حاجة، فوعده، ثم اقتضاه إيّاها، فقال: حال دونها هذا المطر والوحل، قال: فحاجتي إذا صيفيّة.

- وسأل إبراهيم بن ميمون حاجة فدفعه عنها واعتذر إليه، وأعلمه أنه قد صدقه، فقال له: والله لقد سرّني صدقك لعوز الصدق عندك، فمن صدقه حرمان، فكيف يكون كذبه؟!

- قال السفاح لأبي دلامة: سلني حاجتك، قال: كلب صيد، قال: أعطوه، قال: وغلام يقود الكلب ويصيد به، قال: أعطوه غلاما، قال:

وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه، قال: أعطوه جارية، قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من دار يسكنونها، قال: أعطوه دارا تجمعهم، قال:

وإن لم تكن ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة، قال: وما الغامرة؟ قال: ما لا نبات به، قال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين خمسمائة جريب غامرة من فيافي بني أسد، فضحك وقال: اجعلوها كلّها عامرة، قال فائذن لي أن أقبّل يدك، قال: أما هذه فدعها فإني لا أفعل، قال: والله ما منعتني شيئا أقلّ ضررا على عيالي منها.

- سأل أعرابيّ، فقال له صبيّ من جوف الدار: بورك فيك، فقال:

قبّح الله ذاك الفم! لقد تعلّم الشرّ صغيرا.

- وقال هذا السائل:

ربّ عجوز عرمس زبونسريعة الردّ على المسكين
تحسب أن بوركا تكفينيإذا غدوت باسطا يميني

- جاء أبو الهذيل العلّاف إلى الديوان في أيام المأمون، فسأل سهل بن هارون بن راهبون كتابا إلى حفصويه صاحب الجيش في حاجة له، ونهض أبو الهذيل، فأملى سهل بن هارون على محمد بن الجهم صاحب الفراء:

انّ الضمير إذا سألتك حاجةلأبي الهذيل خلاف ما أبدي
فإذا أتاك لحاجة فامدد لهحبل الرجاء بمخلف الوعد
وألن له كنفا ليحسن ظنّهفي غير منفعة ولا رفد
حتى إذا طالت شقاوة جدهورجا الغنى فاجبهه بالرّدّ
وإن استطعت له المضرّة فاجتهدفيما يضرّ بأبلغ الجهد
وانظر كلامي فيه فارم بهخلف الثريّا منك في البعد
وكذاك فافعل غير محتشمإن جئت أشفع في أبي الهندي

- سأل أبو العيناء الجاحظ كتابا إلى محمد بن عبد الملك في شفاعة لصاحب له، فكتب الكتاب وناوله الرجل فعاد به إلى أبي العيناء وقال: قد أسعف، قال: فهل قرأته؟ قال: لا، لأنّه مختوم، فقال: ويحك، فضّ طينه أولى من حمل طينه، لا يكون صحيفة المتلمّس. ففضّ الكتاب فإذا فيه: موصل كتابي سألني فيه أبو العيناء وقد عرفت سفهه وبذاءة لسانه، وما أراه لمعروفك أهلا، فإن أحسنت إليه فلا تحسبه إليّ يدا، وإن لم تحسن لم أعتدّه عليك دينا، والسلام. فركب أبو العيناء إلى الجاحظ وقال له: قد قرأت الكتاب يا أبا عثمان. فخجل الجاحظ وقال: يا أبا العيناء، هذه علامتي فيمن أعتني به؛ قال: فإذا بلغك أنّ صاحبي شتمك فاعلم أنه علامته فيمن شكر معروفه.

- سأل أبو عون رجلا فمنعه، فألحّ عليه فأعطاه، فقال: اللهم آجرنا وإياهم؛ نسألهم إلحافا ويعطوننا كرها، فلا يبارك لنا في العطيّة ولا يؤجرون عليها.

- وقف سائل على باب فقال: يا أهل الدار، فبادر صاحب الدار قبل أن يتمّ السائل كلامه فقال: صنع الله لك، فقال السائل: يا ابن البظراء، أكنت تصبر حتى تسمع كلامي، عسى جئت أدعوك إلى دعوة.

- وقف سائل على باب قوم فقال: تصدّقوا عليّ فإني جائع، قالوا: لم نخبز بعد، قال: فكفّ سويق، قالوا: ما اشترينا بعد، قال: فشربة ماء فإني عطشان، قالوا: ما أتانا السّقّاء بعد، قال: فيسير دهن أضعه على رأسي، قالوا:

ومن أين الدّهن؟ قال: يا أولاد الزّنا، ما قعودكم هاهنا، قوموا اسألوا معي.

- وقف أعرابيّ على قوم يسألهم فقال أحدهم: بورك فيك، وقال آخر: ما أكثر السّؤال! فقال الأعرابيّ: ترانا أكثر من بورك فيك؟ والله لقد علّمكم الله كلمة ما تبالون معها ولو كنّا مثل ربيعة ومضر.

- وقف سائل على إنسان وهو مقبل على صديق له يحدّثه ويتغافل عن السائل، ثم قال بعد ذلك بساعة طويلة: صنع الله لك، فقال السائل: أين كان هذا إلى هذه الغاية؟ كان في الصندوق؟! - كان لمزبد غلام، وكان إذا بعثه في حاجة قد جعل بينه وبينه علامة، إذا رجع سأله فقال: حنطة أو شعير؟ فإن عاد بالنّجح قال: حنطة، وإن لم يقض الحاجة قال: شعير. فبعثه يوما في حاجة، فلما انصرف قال له:

حنطة أو شعير؟ قال: خرا، قال: ويلك! وكيف ذاك! قال: لأنهم لم يقضوا الحاجة وضربونى وشتموك.

- قيل: كان المعتصم جالسا على حاير الوحش يشرب وعنده مخارق وعلّويه يغنّيانه، والخيل تعرض. فعرض عليه فرس كميت ما رأى مثله، فتغامزا عليه وغنّاه علويه:

وإذا ما شربوها وانتشواوهبوا كلّ جواد وطمرّ

فتغافل عنه، وغنّاه مخارق:

يهب البيض كالظّباء وجرداتحت أجلالها وعيس الركاب

فضحك ثم قال: اسكتا يا ابن الزانيتين، فليس يملكه والله واحد منكما. ثم دار الدّور فغناه علويه:

وإذا ما شربوها وانتشواوهبوا كلّ بغال وحمر

فضحك وقال: أما هذا فنعم، وأمر لأحدهما ببغل وللآخر بحمار.

- رفع صاحب الخبر إلى المنصور رحمه الله تعالى أنّ مطيع بن إياس زنديق، وأنه يعاشر ابنه جعفرا وجماعة من أهل بيته، ويوشك أن يفسد أديانهم أو ينسبوا إلى مذهبه. فقال له المهدي: أنا به عارف، أما الزندقة فليس من أهلها، ولكنه خبيث الدين فاسق مستحلّ للمحارم. قال: فأحضره وانهه عن صحبة جعفر وسائر أهله، فأحضره المهديّ وقال له: يا خبيث يا فاسق، قد أفسدت أخي ومن يصحبه من أهلي، والله لقد بلغني أنّهم يتقارعون عليك، ولا يتمّ لهم سرور إلّا بك، وقد غررتهم وشهّرتهم في الناس، ولولا أني شهدت لك عند أمير المؤمنين بالبراءة ممّا نسبت إليه من الزّندقة، لقد كان أمر بضرب عنقك. ثم قال للربيع: اضربه مائة سوط واحبسه. قال: ولم يا سيدي؟ قال:

لأنّك سكّير خميّر قد أفسدت أهلي كلّهم بصحبتك. فقال: إن أذنت لي وسمعت، احتججت. قال: قل. قال: أنا امرؤ شاعر، وسوقي إنّما تنفق مع الملوك، وقد كسدت عندكم، وأنا في أيامكم مطّرح، وقد رضيت فيها- مع سعتها للناس جميعا- بالأكل على مائدة أخيك ولا يتبع ذلك غيره، وأصفيه مع ذلك شعري وشكري؛ فإن كان ذلك عائبا عندك تبت منه. فأطرق ثم قال:

فلقد نقل إلينا أنك تتماجن على السّؤال والمساكين وتتنادر بهم ويضحك منهم

الناس. فقال: لا والله ما ذلك من فعلي ولا شأني، ولا جرى مني قطّ إلّا مرّة، فإنّ سائلا أعمى اعترضني وقد عبرت الجسر على بغلتي، وظنّني من الجند، فرفع عصاه في وجهي ثم صاح: اللهم سخر الخليفة لأن يعطي الجند أرزاقهم، فيشتروا من التّجار الأمتعة، فيربح التجار عليهم، فتكثر فيها أموالهم، فتجب فيها الزكاة عليهم فيتصدّقوا عليّ منها؛ فنفرت بغلتي من صياحه ورفع عصاه في وجهي حتى كدت أسقط في الماء، فقلت له: يا هذا، ما رأيت أكثر فضولا منك، سل الله أن يرزقك ولا تجعل بينك وبينه هذه الحوالات والوساطات التي لا يحتاج إليها، فإنّ هذه المسائل فضول. فضحك المهديّ وقال: خلّوه ولا يضرب ولا يحبس. فقال له: أدخل عليك لموجدة وأخرج عن رضا وتبرأ ساحتي من عضيهة، وأنصرف بلا جائزة! فقال: لا يجوز هذا، أعطوه مائتي دينار ولا يعلم بها أمير المؤمنين، فتجدّد عنده ذنوبه.

- قال أشعب: بلغني مكان عبد الله بن عمر في مال له يتصدّق بثمرته. فركبت إليه بأصحابي ووافيته في ماله، فقلت: يا ابن أمير المؤمنين، ويا ابن الفاروق أوقر لي بعيري هذا تمرا، فقال: أمن المهاجرين أنت؟ قلت:

اللهم لا، قال: أفمن الأنصار؟ قلت: اللهم لا، قال: أفمن التابعين بإحسان؟

فقلت: أرجو، فقال لي: إن يحق رجاؤك أفمن أبناء السبيل أنت؟ قلت: لا، قال: فعلام أوقر لك بعيرك تمرا؟ قلت: لأني سائل، وقد قال رسول الله ﵌: إن أتاك السائل على فرس فلا تردّه، قال: لو شئنا أن نقول لك إنّه قال: إن أتاك على فرس ولم يقل أتاك على بعير، لقلنا، ولكن أمسك عن ذلك لاستغنائي عنه لأني قلت لأبي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إذا أتاني سائل على فرس أعطيه؟ قال: إني سألت رسول الله ﵌ عمّا سألتني عنه، فقال: نعم، إذا لم تصب راجلا؛ ونحن أيّها الرجل

نصيب رجّالة، فعلام أعطيك وأنت على بعير؟ فقلت له: بحقّ أبيك الفاروق وبحقّ الله ﷿ وبحقّ رسول الله ﵌ لما وقرت لي بعيري. فقال عبد الله: أنا أوقره لك تمرا، ووحقّ الله وحقّ رسوله لئن عاودت استحلافي لا أبررت قسمك، ولو انك اقتصرت على إحلافي بحقّ أبي في تمرة أعطيكها لما أنفذت قسمك لأني سمعت أبي يقول: إنّ رسول الله ﷺ يقول: لا تشدّوا الرّحال إلى مسجد لرجاء الثواب إلا إلى المسجد الحرام ومسجدي بيثرب، ولا يبرّ أحد قسم مستحلفه إلا أن يستحلفه بحقّ الله وحقّ رسوله. ثم قال للسودان في ذلك المال: أوقروا بعيره تمرا. قال: فلما أخذ السودان في حشو الغرائر قلت: إنّ السودان أهل طرب، وإن أطربتهم أجادوا حشو غرائزي.

فقلت: يا ابن الفاروق أتأذن لي في الغناء فأغنّيك؟ فقال لي: أنت ورأيك.

فاندفعت في النصب، فقال لي: هذا الغناء الذي لم نزل نعرفه، ثم غنّيته صوتا لطويس:

خليليّ ما أخفي من الحبّ باطنودمعي بما قلت الغداة شهيد

قال، فقال لي عبد الله: يا هنه، لقد جدّدت في هذا الغناء ما لم يكن. قال: ثم غنّيته لابن سريج قوله:

يا عين جودي بالدموع السّفاحوابكي على قتلى قريش البطاح

فقال لي: يا أشعب، هذا يحنق الفؤاد، أراد: هذا يحرق الفؤاد، لأنه كان ألثغ لا يبين الراء ولا اللام؛ قال أشعب: فكان لا يراني بعد ذلك إلا استعادني هذا الصوت.

- كان أبو صدقة المغنّي سائلا ملحفا مع إحسانه في الغناء وظرفه، وقيل له: ما أكثر سؤالك وأشدّ إلحاحك! فقال: وما يمنعني من ذلك واسمي

مسكين، وكنيتي أبو صدقة، وامرأتي فاقة وابني صدقة؟ وكان الرشيد يعبث به كثيرا، فقال ذات يوم لمسرور: قل لابن جامع وإبراهيم الموصلي وزبير بن دحمان وبرصوما وزلزل وابن أبي مريم المديني: إذا رأيتموني قد طابت نفسي فليسأل كلّ واحد منكم حاجة مقدارها مقدار صلته، وذكر لكلّ واحد منهم مبلغ ذلك، وأمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة. فقال لهم مسرور ما قال، ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم، فلما جلس قال له: يا أبا صدقة، قد أضجرتني بكثرة مسائلك، وأنا في هذا اليوم ضجر، وقد أحببت أن أتفرّج وأفرح ولست آمن إن تنغّص عليّ مجلسي بمسألتك، فأمّا إن أعفيتني أن تسألني اليوم حاجة، وإلا فانصرف. فقال: لست أسألك في يومي هذا إلى شهر حاجة. فقال له الرشيد: أما إذا اشترطت لي هذا على نفسك فقد اشتريت منك حوائجك بخمسمائة دينار وها هي هذه، فخذها طيّبة معجلة، فإن سألتني شيئا بعدها اليوم فلا لوم عليّ إن لم أصلك سنة بعدها. قال: نعم وسنتين. فقال له الرشيد رحمه الله تعالى: زدني في الوثيقة، فقال: قد جعلت أمر أمّ صدقة في يدك فطلّقها متى شئت واحدة وإن شئت ألفا إن سألتك في يومي هذا حاجة، وأشهدت الله ومن حضر على ذلك. ودفع إليه المال، ثم أذن للجلساء والمغنّين، فدخلوا وشرب القوم، فلما طابت نفسه، يعني الرشيد، قال له ابن جامع: يا أمير المؤمنين، قد نلت منك ما لم تبلغه أمنيتي، وكثر إحسانك إليّ حتى كبتّ أعدائي وقتلتهم، وليس لي بمكة دار تشبه حالي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دارا وأفرشها بباقيه لأفقأ عيون أعدائي وأزهق نفوسهم، فعل. قال: وكم قدّرت لذلك؟ قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بها؛ ثم قام إبراهيم الموصليّ فقال له: قد ظهرت نعمتك عليّ وعلى أكابر ولدي، وفي أصاغرهم من أحتاج أن أطهّره، ومنهم صغار أحتاج أن أتّخذ لهم خدما، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك، فعل. فأمر له بمثل ما أمر به لابن جامع. وجعل كلّ واحد منهم يقول من الثناء ما يحضره ويسأل حاجته على قدر جائزته، وأبو صدقة

ينظر إلى الأموال تفرّق يمينا وشمالا، فوثب قائما على رجليه ورمى بالدنانير من كمّه وقال للرشيد: أقلني أقالك الله [من] عثرتك. فقال له الرشيد: لا أفعل.

فجعل يستحلفه ويضطرب ويلجّ، والرشيد يضحك ويقول: ما إلى ذلك سبيل؛ الشرط أملك. فلما عيل صبره أخذ الدنانير فرمى بها بين يدي الرشيد رحمه الله تعالى وقال: هاكها فقد رددتها عليك، وزدتك فرج أمّ صدقة فطلّقها إن شئت واحدة وإن شئت ألفا، وإن لم تلحقني بجوائز القوم فألحقني بجائزة هذا البارد عمرو الغزال، وكانت ثلاثة آلاف دينار. فضحك الرشيد حتى استلقى ثم ردّ عليه الخمسمائة دينار، وأمر له بألف دينار أخرى معها. والله أعلم.

- كان أبو نخيلة الحمّاني سائلا ملحّا ملحفا، وبنى دارا، فمرّ به خالد بن صفوان فوقف عليه، فقال له أبو نخيلة: يا ابن صفوان، كيف ترى؟

قال: رأيتك سألت فيها إلحافا، وأنفقت ما جمعت فيها إسرافا، جعلت إحدى يديك سطحا والأخرى سلحا، وقلت: من وضع في سطحي وإلا ملاته بسلحي، ثم ولّى وتركه. فقيل له: ألا تهجوه؟ فقال: إذن يركب والله بغلته ويطوف في مجالس البصرة ويصف أرنبتي، فما عسى يضرّ الإنسان صفة أرنبته بما يعيبها سنة لا يعيد فيها كلمة؟

- قال العتبيّ رحمه الله تعالى: لمّا حبس عمر بن هبيرة- وهو أمير العراق- الفرزدق، وأبى أن يشفّع فيه أحدا، فدخل أبو نخيلة في يوم فطر فوقف بين يديه فقال:

أطلقت بالأمس أسير بكرفهل فداك بقرى ووفر
من سبب أو حجّة أو عذرتنجي التميميّ القليل الشّكر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
من حلق القدّ الثّقال السمرما زال مجنوبا على است الدّهر
ذا حسب يعلي وقدر يزريهبه لأخوالك يوم الفطر

فأمر ابن هبيرة بإطلاقه. وكان قد أطلق قبله رجلا من عجل جيء به من عين التمر قد أفسد؛ فشفعت فيه بكر بن وائل، وإيّاه عنى أبو نخيلة. فلما خرج الفرزدق سأل عمّن شفع له فأخبر، فرجع إلى الحبس وقال: لا أريمه ولو متّ، أيطلق قبلي بكريّ وأخرج بشفاعة دعيّ؟ والله لا أخرج هكذا أبدا ولو من النار. فأخبر بذلك ابن هبيرة فضحك ودعا به فأطلقه وقال: قد وهبتك لنفسك.

- وقف على أبي نواس سائل ملحّ فآذاه، فقال:

وأخوس دلّاج عليّ ورائحرجاء نوال لو يعان بجود
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وأخوس دلاج علي ورائح»
وإني وإياه لقرنان نصطليمن المطل نارا غير ذات وقود
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وأخوس دلاج علي ورائح»
قطبت له وجها قطوبا عن الندىوآيسته من نائل بوعيد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وأخوس دلاج علي ورائح»
فإن كنت لا عن سوء فعلك مقلعافدونك فاستظهر بنعل حديد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وأخوس دلاج علي ورائح»
فعندي مطلّ لا يطير غرابهمطير ولا يدعى له بوليد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وأخوس دلاج علي ورائح»

ذكر أنّ أعرابيّا عري، فطلب من يكسوه فلم يرزق، فطلب خلقا يتستّر به فحرم، فتماوت، فاجتمع قوم وجمعوا بينهم ما ابتاعوا به له كفنا، ووضعوه عند رأسه وذهبوا ليسخنوا له الماء لغسله، فوثب الأعرابيّ وأخذ الثياب وعدا فلم يلحق.

شاعر:

جئتك في حاجة لتقضيهايسوقني طائعا لها جشعي
مستيقنا واثقا بردّك ليمستيقظ اليأس نائم الطمع

- كتب البحتريّ رحمه الله تعالى إلى بعض أمراء العسكر، وقد وعده

بمزوّرة من صنعة طبّاخه، فأخّرها عنه:

وجدت وعدك زورا في مزوّرةذكرت مبتدئا إحكام طاهيها
فلا شفى الله من يرجو الشفاء بهاولا علت كفّ ملق كفّه فيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «وجدت وعدك زورا في مزورة»
فاحبس رسولك عني أن يجيء بهافقد حبست رسولي عن تقاضيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «وجدت وعدك زورا في مزورة»

- وقع بين رجل وامرأته [شرّ] فتهاجرا أياما، ثم واقعها، فلما فرغ قالت: قبّحك الله، كلّما وقع بيني وبينك شرّ جئتني بشفيع لا أقدر على ردّه.

- قال رجل لبنيه: يا بنيّ، تعلّموا الرّدّ فإنّه أشدّ من الإعطاء.

ومن لقيك بالسؤال الحارّ فردّه بالمنع البارد، ربما قضينا حوائج الناس تبرّما لا كرما.

- تعرّض أعرابيّ لمعاوية ﵁ في طريق فسأله، فمنعه، ثم عاوده في مكان آخر، فقال: ألم تسألني آنفا؟ قال: نعم، ولكن بعض البقاع أيمن من بعض. فضحك ووصله.

- إسماعيل بن قطريّ القراطيسي في الفضل بن الربيع:

ألا قل للذي لم يهده الله إلى نفعي
لئن أخطأت في مدحسك ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتيبواد غير ذي زرع
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لئن أخطأْتُ في مدحِي»

- إدريس بن عبد الله اللخمي الضرير:

صاحب الحاجة أعمىوأخو المال بصير
فمتى يبصر فيهارشده أعمى فقير

- أنشد الجاحظ:

قد بلوناك بحمد الله إن أغنى البلاء
فإذا كلّ مواعيدك والجحد سواء

وقف موسوس على ناس فردّوه فقال:

أسأت إذ أحسنت ظني بكموالحزم سوء الظنّ بالناس
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا فوز يا منية عباس»

تمّ الجزء بعون الله وحسن توفيقه والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد النبيّ وعلى آله الطيّبين الطاهرين

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.