من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النهي عن شدّة الحجاب
- قيل: لا شيء أضيع للمملكة وأهلك للرعيّة والعمّال من شدّة الحجاب للوالي، ولا أهيب للرعيّة والعمّال من سهولة الحجاب، لأنّ الرعيّة إذا وثقت بسهولة الحجاب أحجمت عن الظّلم، فإذا وثقت بصعوبته هجمت على الظّلم.
- قال سعيد بن المسيّب: نعم الرجل عبد العزيز لولا حجابه، إنّ داود ﵇ ابتلي بالخطيئة لحجابه.
وعن عليّ ﵇: إنّما أمهل فرعون مع دعواه لسهولة إذنه وبذل طعامه.
- قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: كنت عند عمر بن عبد العزيز ﵁، فقال لآذنه: من بالباب؟ فقال: رجل أناخ الآن، زعم أنّه ابن بلال مؤذّن رسول الله ﵌، فأذن له. فلما دخل قال: حدّثني أبي أنّه سمع رسول الله ﵌ يقول: من ولي شيئا من أمور المسلمين ثم حجب عنه، حجبه الله عنه يوم القيامة، فقال عمر لحاجبه: إلزم بيتك، فما رؤي على بابه بعده حاجب.
قال عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لابنه وقد ولي ولاية: انظر حاجبك فإنه لحمك ودمك، فلقد رأيتنا بصفّين وقد أشرع قوم رماحهم في وجوهنا يريدون نفوسنا ما لنا ذنب إليهم إلّا الحجاب.
- ولّى المنصور الخصيب حجابته فقال: إنك بولايتي عظيم القدر، وبحجابتي عريض الجاه، فبقّها على نفسك، وابسط وجهك للمستأذن، وصن عرضك عن تناول المحجوبين، فما شيء أوقع بقلوبهم من سهولة الإذن وطلاقة الوجه.
- وقد قال زياد ﵀ لابنه في ضدّ ذلك: عليك بالحجاب؛ فإنّما تجرّأت الرّعاة على السباع بكثرة النّظر إليها.
- ومن المعنى الأوّل قول أبي سليمان بن زيد النابلسي:
سأهجركم حتى يلين حجابكمعلى أنّه لا بدّ أنّ سيلين
خذوا حذركم من نبوة الدهر إنّهاوإن لم تكن حانت فسوف تحين
آخر:
كم من فتى تحمد أخلاقهوتسكن الأحرار في ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءهوسلّط الدهر على نعمته
- وقيل: يحتجب الوالي لسوء فيه أو لبخل منه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع