من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
آيات وأحاديث (٦)
قد جاء في الباب الأوّل ما جاء في النهي عن الحجاب تورّعا، وفي باب السياسة ما يعتمده الحاجب تأدّبا. ونذكر الآن ما جاء في أدب الاستئذان وسبب الحجاب، وأقوال من مني بذلّ الحجاب وبلي بغلظة البواب، وما اعتذر به عن ذلك، ومن ترفّع عن احتماله، والشكر لتيسّره، والذمّ على تعسّره والنوادر منه.
قال الله ﷿ مؤدّبا لنا بالاستئذان: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ
(النور:)، فهذا عام.
وقال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ
(النور:)، فهذا خصوص.
وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ
(الأحزاب:)، وكلّ هذا حجاب إلّا بإذن من له الإذن.
- وآية الحجاب نزلت لمّا تزوّج ﷺ زينب بنت جحش ﵂. وفيما أسنده البخاريّ ﵀ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان
النّبيّ ﷺ عروسا بزينب، فقالت لي أمّ سلمة: لو أهدينا لرسول الله ﷺ هدية، فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمر وسمن وأقط، فاتّخذت حيسة في برمة فأرسلت بها معي إليه. فانطلقت بها إليه، فقال: ضعها؛ ثم أمرني فقال: ادع لي رجالا سمّاهم وادع من لقيت. ففعلت الذي أمرني فرجعت فإذا البيت غاصّ بأهله، ورأيت النّبيّ ﵌ وضع يده على تلك الحيسة، وتكلّم بما شاء الله. ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون معه ويقول لهم: اذكروا اسم الله وليأكل كلّ رجل منكم ممّا يليه، حتى تصدّعوا كلّهم عنها، فخرج من خرج وبقي نفر يتحدّثون. ثم خرج النّبيّ ﵌ نحو الحجرات وخرجت في اثره فقلت: إنّهم قد ذهبوا فرجع ودخل البيت وأرخى السّتر. وإني لفي الحجرة وهو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ
إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ.
- قال رسول الله ﵌: الاستئذان ثلاث: فإن أذن لك، وإلّا فارجع.
- واستأذن عليه ﷺ رجل فقال: آلج؟ فقال ﵌ لخادمه: اخرج فعلّمه الاستئذان وقل له يقل: السلام عليكم، أدخل؟
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع