من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أشعار في الحجاب وحكايات
- وقف رجل بخراسان بباب أبي دلف حينا لا يصل إليه، فتلطّف في إيصال رقعة إليه وكتب فيها:
إذا كان الكريم له حجابفما فضل الكريم على اللئيم
فأجابه أبو دلف:
إذا كان الكريم قليل مالولم يعذر تعلّل بالحجاب
وأبواب الملوك محجّباتفلا تستنكرنّ حجاب بابي
- أبو تمام يعتذر لمحتجب:
يا أيّها الملك النائي برؤيتهوجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاإنّ السماء ترجّى حين تحتجب
قيل: إنّه أخذ هذا المعنى من مخنّث سمعه يقول لآخر: طلبتك فلم أرك، فقال:
السماء أرجى ما كانت إذا احتجبت.
- ولأبي تمّام:
سأترك هذا الباب ما دام إذنهعلى ما أرى حتى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته متعمّداولا فاز من قد نال منه وصولا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعاوجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
- وللحسن في مثل معنى البيت الثاني:
ونعم هبك قد وصلت إلى الفضل فهل في يديك غير التّراب
- وقال أبو تمّام:
ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلةدوني وقد طال ما استفتحت مقفلها
أظنّها جنّة الفردوس معرضةوليس لي عمل زاك فأدخلها
- وقف أبو العتاهية بباب يحيى بن خاقان فلم يأذن له، فانصرف.
فأتاه يوما آخر فصادفه حين نزل فسلّم عليه ودخل إلى منزله، فلم يأذن له. فأخذ قرطاسا وكتب إليه:
أراك تراع حين ترى خياليفما هذا يروعك من خيالي؟
لعلّك خائف مني سؤاليألا فلك الأمان من السؤال
كفيتك إن حالك لم تمل بيلأطلب مثلها بدلا بحالي
وإنّ اليسر مثل العسر عنديبأيّهما منيت فلا أبالي
فلما قرأ الرقعة أمر الحاجب بإدخاله، فأبى أن يرجع معه ولم يلتقيا بعد ذلك.
- قال ابن عبدل:
ولو شاء بشر كان من دون بابهطماطم سود أو صقالبة حمر
ولكنّ بشرا سهّل الباب للّتييكون لبشر عندها الحمد والأجر
بعيد مراد العين ما ردّ طرفهحذار الغواشي باب دار ولا ستر
أعرابي:
لعمري لئن حجبتني العبيدببابك ما تحجب القافيه
سأرمي بها من وراء الحجابفتغدو عليك بها داهيه
تصمّ السّميع وتعمي البصيرويسأل من مثلها العافيه
- وقال بويب اليمامي:
على أيّ باب أطلب الإذن بعدماحجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
أخذ المعنى أبو الكرم بن العلّاف فقال في عميد الدولة أبي منصور ابن جهير:
فهبك احتجبت عن الناظرينفهلّا احتجبت عن الألسن
- أحمد بن بشر في أحمد بن يوسف:
لئن عدت بعد اليوم إني لظالمسأصرف وجهي حيث تبغى المكارم
متى ينجح الغادي إليك بحاجةونصفك محجوب ونصفك نائم
أتيتك مشتاقا إليك مسلّماعليك وإني باحتجابك عالم
فخبّرني البوّاب أنك نائمفأنت إذا استيقظت أيضا فنائم
- أبو الحسن السلامي:
زرت حتى حجبت وانتقب الأنس نقابين طرّزا باحتشام
إنّ بوابك القصير طويل الباع في سوء عشرتي واهتضامي
هو تعويذ ملكك البارع الحسن وشيطان عبدك المستضام
سمج الوجه لو غدا حاجب البيت زهدنا في الحجّ والإنعام
أبو منصور بن الأصباغي الكاتب:
وقد أشقّ الحجاب الصعب مأذنهدوني وإني ولوج فيه إن طرقا
كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحافليس يسلكه إلّا إذا انطبقا
وقد أغرب في المعنى، ولكنه خلّط، وجرى على عادة الشعراء في التجوّز؛ لأنّ الطّيف لا يدخل الجفن إنّما يتخيّل إلى النّفس كغيره من خواطر الأحلام.
وفد قبيصة بن هانيء على يزيد بن معاوية، فاحتجب عنه أيّاما.
ثم إنّ يزيد ركب يوما يتصيّد، فتلقّاه ابن هانيء فقال: إنّ الخليفة ليس بالمحتجب المتخلّي ولا بالمتطرّف المتجنّي ولا الذي ينزل على الغدران والفلوات، ويخلو باللذات والشهوات؛ وقد وليت أمرنا فأقم بين أظهرنا، وسهّل إذننا، واعمل بكتاب الله تعالى فينا؛ فإن كنت عجزت عمّا هاهنا واخترت علينا غيره، فاردد علينا بيعتنا نبايع من يعمل ذلك فينا ويقيمه لنا؛ ثم عليك بخلواتك وصيدك وكلابك. فغضب يزيد وقال: والله لولا أن أسنّ بالشام سنّة العراق لأقمت أودك، ثم انصرف وما هاجه بشيء، وأذن له ولم تتغيّر منزلته عنده.
- كان أبو العتاهية يختلف إلى عمرو بن مسعدة لودّ كان بينه وبين أخيه مجاشع. فاستأذن عليه يوما فحجب، فلزم منزله، فاستبطأه عمرو فكتب إليه: إنّ الكسل يمنعني من لقائك وكتب في أسفل الرّقعة:
كسّلني اليأس منك عنك فماأرفع طرفي إليك من كسل
أيّ امرىء لم يكن أخا ثقةقطعت منه حبائل الأمل
- واستأذن أيضا عليه فحجب عنه، فكتب إليه:
مالك قد حلت عن إخائك واستبدلت يا عمرو شيمة كدره
إني إذا الباب تاه حاجبهلم يك عندي في هجره نظره
لستم ترجّون للوفاء ولايوم تكون السماء منفطره
لكن لدنيا كالظّلّ بهجتهاسريعة الانقضاء منشمره
- قال عبد الله بن مصعب الزبيري: كنّا بباب الفضل بن الربيع والآذن يأذن لذوي الهيئات والإشارات، وأعرابيّ يدنو فكلّما دنا صرخ به، فقام ناحية وأنشأ يقول:
رأيت آذننا يعتام بزّتناوليس للحسب الزاكي بمعتام
ولو دعينا على الأحساب قدّمنيمجد تليد وجدّ راجح نامي
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع