من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
آيات وأحاديث (٧)
- ومن شأن العرب استعمال الكنايات في الأشياء التي يستحى من ذكرها قصدا منهم للتعفّف باللسان كما يتعفّف لسائر الجوارح. ألا ترى إلى ما أدّب الله ﷾ به عباده في قوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
(النور:). فقرن عفّة البصر بعفّة الفرج، وكذلك يقرن عفّة اللسان بعفّة البصر.
- وفي التنزيل كنايات عجيبة عدل بها عن التصريح تنزيها عن اللّفظ المستهجن كقوله ﷿: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
(البقرة:). قال أبو عبيدة: هو كناية، شبّه النساء بالحرث.
وقوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
(فصلت:) قيل:
هو كناية عن الفروج. وفي موضع آخر:شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
(فصلت:).
وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ
(البقرة:)؛
وقوله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
(المائدة:). قال المفسّرون: هذا تنبيه على عاقبته وعلى ما يصير إليه وهو الحدث، لأنّ من أكل الطعام فلا بدّ أن يحدث، ثم قال:
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ
وهذا من ألطف الكناية.
- ومن قوله ﷿: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
(النساء:، المائدة:). فالغائط: المطمئنّ من الأرض وكانوا يأتونه لحاجتهم فيستترون به عن الأماكن المرتفعة، ومن لم ير الوضوء من لمس النساء جعل الملامسة هاهنا كناية عن الفعل.
- ومن الكنايات من كلام الرسول ﵌: إيّاكم وخضراء الدّمن. قال بعضهم: يريد المرأة الحسناء في المنبت السّوء. وتفسير ذلك أنّ الريح تجمع الدّمن وهو البعر في البقعة من الأرض، ثم يركبه الساقي؛ فإذا أصابه المطر نبت نبتا غضّا يهتزّ تحته الدّمن الخبيث. يقول: فلا تنكحوا هذه المرأة لجمالها ومنبتها خبيث كالدّمن، فإنّ أعراق السوء تنتزع أولادها.
والتفسير الآخر معنى قول زفر بن الحارث:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرىوتبقى حزازات النفوس كما هيا
يقول: تحت الظاهر من البشر الحقد والسخيمة، وهكذا الدّمن الذي يظهر فوقه النبت مهتزّا وتحته الفساد.
- وقوله ﵌: الآن حمي الوطيس. قال: هو لمّا جال المسلمون يوم حنين ثم ثابوا واختلط الضّرب، وهو منتصب مشرف في
ركائبه على بغلته الشّهباء، والوطيس: حفيرة تحفر في الأرض شبيهة بالتنّور يختبز فيها، والجمع وطس.
»
- قال الحسن: لبث أيوب ﵇ في المزبلة سبع سنين، وما على الأرض يومئذ خلق أكرم على الله منه، فما سأل العافية إلا تعريضا: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
(الأنبياء:).
- والعرب تكني عن الفعلة المستقذرة بألفاظ كلّها كنايات منها:
الرجيع والنّجو والبراز والغائط والحشّ. فبعض هذه الألفاظ يراد بها نفس الحدث. ولذلك استعملوا في إتيان النساء المجامعة والمواقعة والمباضعة والمباشرة والملامسة والمماسّة والخلوة والإفضاء والغشيان والتغشّي، كلّ هذه الألفاظ مذكورة في القرآن.
المباضعة اشتقّت من التقاء البضعين، والبضع: اللحم. والمباشرة اشتقّت من التقاء البشرين، والبشر: ظاهر الجلد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع