من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
من الكنايات البديعة واللطيفة
قال الشاعر:
آليت لا أدفن قتلاكمفدخنوا المرء وسرباله
يقول: إذا طعنه أحدث في سرجه فأغرب في الكناية وأبعد.
- وروي أن رجلا من بني العنبر حصل أسيرا في بكر بن وائل، وعزموا على غزو قومه، فسألهم رسولا إلى قومه، فقالوا: لا ترسل إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم. وجيء بعبد أسود فقال له: تعقل؟ قال: نعم إني لعاقل. قال:
ما أراك عاقلا، ثم أشار بيده إلى الليل فقال: ما هذا؟ قال: الليل، قال: أراك عاقلا، ثم ملأ كفّيه من الرمل فقال: كم هذا؟ فقال: لا أدري وإنّه لكثير، قال: أيما أكثر النجوم أم النيران؟ قال: كلّ كثير. قال: أبلغ قومي التحيّة وقل لهم ليكرموا فلانا- يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر- فإنّ قومه لي مكرمون، وقل لهم: إنّ العرفج قد أدبى وشكّت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبهم إيّاها، وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معكم حيسا، واسألوا عن خبري أخي الحارث. فلما أدّى العبد الرسالة إليهم قالوا:
لقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملا أصهب. ثمّ سرّحوا العبد ودعوا الحارث فقصّوا عليه فقال: أنذركم؛ أما قوله: قد أدبى العرفج يريد أنّ الرجال قد استلأموا ولبسوا السلاح. وقوله: شكّت النساء أي اتّخذن الشّكاء للسفر، وقوله: الناقة الحمراء أي ارتحلوا عن الدّهناء واركبوا الصّمّان وهو الجمل الأصهب، وقوله: أكلت معكم حيسا أي أخلاط من الناس وقد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا ما قال وعرفوا لحن كلامه.
ومن هذا الفنّ قوله تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
(محمد:).
- وقوله ﷺ: لعلّ أحدكم ألحن بحجّته، أي أغوص عليها.
- بعث بشامة بن الأعور إلى أهله ثلاثين شاة ونحيا صغيرا فيه سمن، فسرق الرسول شاة واحدة وأخذ من رأس النّحي شيئا من السمن. فقال لهم الرسول: ألكم حاجة أخبره بها؟ قالت امرأته: أخبره أن الشهر محاقّ، وأنّ جدينا الذي كان يطالعنا وجدناه مرثوما. فارتجع منه الشاة والسمن.
- ومن التخلّص المليح المتوصل إليه بالكناية ما روي عن عديّ بن حاتم بن عبد الله الطائيّ قال يوما في حقّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط: ألا تعجبون لهذا أشعر بركا متولي قبل هذا المصر؟ والله ما يحسن أن يقضي بين تمرتين. فبلغ ذلك الوليد فقال على المنبر: أنشد الله رجلا سمّاني أشعر بركا إلّا قام. فقام عديّ بن حاتم فقال: أيّها الأمير، إنّ الذي يقوم فيقول: أنا سميتك أشعر بركا لجريء، فقال له: اجلس أبا طريف فقد برّأك الله منها. فجلس وهو يقول: والله ما برّأني الله منها.
والأصمعي يزعم أنّ زيادا هو الذي كان يسمّى أشعر بركا. والبرك:
الصّدر. وكان زياد أشعر الصّدر.
- أسرت طيّء غلاما من العرب، فقدم أبوه ليفديه، فاشتطّوا عليه فقال أبوه: لا والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبلي طيّء، ما عندي غير ما بذلته. ثم انصرف وقال: لقد أعطيته كلاما إن كان فيه خير فهمه، كأنّه قال: الزم الفرقدين على جبلي طيّء، ففهم الابن تعريضه وطرد إبلا لهم من ليلته ونجا.
- ومن البلاغة والتنقّل في الكلام إلى حيث شاء بلطيف الكناية ما روي عن واصل بن عطاء وكان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، وكان يخلّص كلامه منها، ولا يفطن بذاك لاقتداره وسهولة ألفاظه، وفيه يقول الشاعر:
ويجعل البر قمحا في تصرّفهوخالف الرأي حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجلهفعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
فممّا يحكى عنه أنّه قال- وأراد بشّارا: ما لهذا الأعمى الملحد المكنّى بأبي معاذ، من يقتله؟ والله لولا الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسيّا أو عقيليّا، ذكر هاتين القبيلتين لأنّ بشارا كان نازلا في بني سدوس ويتولّى بني عقيل، ثم لم يقل بشار ولا ابن برد ولا الضرير، ولم يقل أرسلت، ولا فراشه.
- ومن الكنايات الدقيقة والاستعارات الرشيقة ألفاظ كان يوردها أحمد بن محمد بن محمد الغزّالي الواعظ على طريق الصوفية فيغرب فيها، فمنها:
ماجت بحار التشبيه في قلب الخليل. ونقطة خاء الخلّة تبرز من صميم صفا. صدر كمين القلب فيقول: لا أحبّ الآفلين. صاحب اليرقان يرى العالم كلّه أصفر. كان بإبراهيم يرقان العشق فكلّ شيء رآه ظنّه المحبوب.
ومستطيل على الصهباء باكرهافي فتية باصطباح الراح حذّاق
يمضي بها ما مضى من عقل صاحبهاوفي الزجاجة باق يطلب الباقي
فكلّ شيء رآه ظنّه قدحاوكلّ شخص رآه ظنّه الساقي
- ومن كلامه: عزازيل وجد في باب الرحمة زحمة، طلب ما لا رحمة فيه. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ
(ص:).
لئن ساءني ذكراك لي بمساءةلقد سرّني أنّي خطرت ببالك
- كانت عليّة بنت المهدي تهوى خادما اسمع طلّ، فكانت تكنّي في شعرها عنه، فمن ذلك قولها وقد صحّفت اسمه:
أيا سروة البستان طال تشوّقيفهل لي إلى ظلّ إليك سبيل
ومنه قولها:
خلّيت جسمي ضاحياوسكنت في ظلّ الحجال
وحلف الرشيد أن لا تكلّم طلّا ولا تذكره في شعرها، فاطلع عليها يوما وهي تقرأ في آخر سورة البقرة: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ
فيما نهى عنه أمير المؤمنين. فدخل إليها وقبّل رأسها وقال: قد وهبت لك طلّا ولا أمنعك بعدها من شيء تريدينه.
ثم عشقت خادما يقال له رشا، وكانت تكنّي عنه في شعرها بريب في قافية منصوبة، فعلم بذلك فقالت:
القلب مشتاق إلى ريبيا ربّ ما هذا من العيب
- كان شريح عند زياد وهو مريض، فلما خرج من عنده أرسل مسروق إليه رسولا وقال: كيف تركت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهى. قال مسروق: إنّه صاحب عويص، فارجع إليه واسأله: ما يأمر وينهى؟ قال: يأمر بالوصية وينهى عن النوح.
- وتقدّم إلى شريح قوم فقالوا: إنّ هذا خطب إلينا فقلنا له: ما تبيع؟
قال: أبيع الدواب، فإذا هو يبيع السنانير، قال: أفلا قلتم له: أيّ الدواب؟
وأجاز النكاح.
- كان رجل يجلس إلى الشعبيّ يقال له: حبيس، فتحدّث الشعبيّ يوما فقال له حبيس: ما أحوجك إلى محدرج شديد الفتل ليّن المهزة عظيم
التمرة، قد أخذ من عجب ذنب إلى مغرز عنق، فيوضع على مثل ذلك منك فتكثر له رقصاتك من غير جذل، قال: وما هو يا أبا عمرو؟ قال: هو والله أمر لنا فيه أرب ولك فيه أرب.
- خطب رجل إلى قوم فجاءوا إلى الشعبيّ يسألونه عنه، وكان به عارفا فقال: هو والله ما علمت نافذ الطعنة ركين الجلسة، فزوّجوه فإذا هو خيّاط. فأتوه فقالوا: غررتنا، فقال: ما فعلت وإنّه لكما وصفت.
- دخل رجل على عيسى بن موسى بالكوفة يكلّمه، وحضر عبد الله بن شبرمة فأعانه وقال: أصلحك الله فإنّ له شرفا وبيتا وقدما. فقيل لابن شبرمة: أتعرفه؟ قال: لا، قال: فكيف أثنيت عليه؟ قال: إنّ له شرفا أي أذنين ومنكبين، وبيتا يأوي إليه، وقدما يطأ عليه.
- خطب باقلانيّ إلى قوم وذكر أن الشعبيّ يعرفه، فسألوه عنه، فقال: إنّه لعظيم الرماد كثير الغاشية.
- وأخذ العسس رجلا فقالوا له: من أنت؟ فقال:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدرهوإن نزلت يوما فسوف تعود
فظنّوه من أولاد الأكابر، فلما أصبح سئل عنه فقيل: هو ابن باقلاني.
وروي أنّ جميلا أراد زيارة بثينة فلقي أعرابيا من بني حنظلة، فقال له: هل لك في خير تصطنعه إليّ؟ فإن بيني وبين هؤلاء القوم ما يكون بين بني العمّ، فإن رأيت أن تأتيهم فإنّك تجد القوم في مجلسهم فتنشدهم بكرة أدماء تجر خفّها غفلا من السّمرة، فإن ذكروا لك شيئا فذاك، وإلا استأذنهم في
البيوت وقل: إنّ المرأة والصبيّ قد يريان ما لا يرى الرجال، فتنشدهم، ولا تدع أحدا تصيبه عينك عنك، ولا بيتا من بيوتهم إلا نشدتها فيه. قال الرجل: فأتيت القوم فإذا هم في جزور يقسمونها، فسلّمت وفعلت ما قال، واستأذنتهم في البيوت فأتيتها بيتا بيتا فلم يذكروا شيئا حتى انتصف النهار، وفرغت من البيوت، وذهبت لأنصرف، فإذا بثلاثة أبيات، فقلت: ما عند هؤلاء إلا ما عند غيرهم، ثم تذمّمت فانصرفت عائدا إلى أعظمها بيتا فذكرت لهم ضالّتي، فقالت جارية منهم: يا عبد الله، ما أظنّك إلا قد اشتدّ عليك الحرّ واشتهيت الشراب، قلت: أجل، قالت: ادخل. فأضافتني وأكرمت، فأتيت عليها ثم قلت: يا أمة الله، هل ذكرت في ضالّتي ذكرا؟ قالت: أترى هذه الشجرة فوق الشرف؟
قلت: نعم، قالت: فإنّ الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها، ثم حال الليل بيني وبينها. فرجع الرجل إلى جميل فعرف لحن الكلام وأتاها ليلا فحادثها.
وروي أنّ لقاءها تعذّر عليه لمراعاة أبيها وزوجها لها. فنزل بهم قوم من قريش فأحسن قراهم، فقال له أحدهم: هل لك حاجة؟ قال: نعم، تنزل بأبي بثينة وتبيت عنده، فإذا وجدت غفلة قلت له: إنّ لي غريما وعدني وحلف لي ألا أطلبه ولا أرسل إليه إلا أتاني وقد طال مطله إيّاي، وهو رجل منكم، وأريد أن تعينني عليه، فإنّها ستجيبك بوعد تحصّله لي. ففعل القرشيّ ذلك، وخاطب أباها به، فقالت بثينة: يا أبه، قد رأيت هذا الفتى القرشيّ ملازما لرجل يطالبه بحقّ له في وقت مساء تحت شجرات بأعلى الوادي، ولست أعرف الرجل بعينه لأنه كان في وقت مظلم، فقال له أبوها:
إذا غدوت عليه وطالبته عاونتك وكرامة. فلما أصبح مضى إلى جميل فأخبره الموعد فتوافيا فيه.
- كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج: أنت عندي كسالم، فلم يدر
ما هو، فكتب إلى قتيبة يسأله، فكتب إليه: إن الشاعر يقول:
يديرونني عن سالم وأديرهموجلدة بين العين والأنف سالم
- وكتب إليه مرّة أخرى: أنت عندي قدح ابن مقبل، فلم يدر ما هو، فكتب إلى قتيبة فكتب إليه قتيبة: إنّ ابن مقبل نعت قدحا له فقال:
غدا وهو مجدول وراح كأنّهمن المشّ والتقليب بالكفّ أفطح
خروج من الغمّى إذا صكّ صكّةبدا والعيون المستكفّة تلمح
المشّ: المسح، ومنه:
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا
ومنه قيل: لمنديل الغمر مشوش.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع