تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

بداية الباب الرابع والأربعون

(الباب الرابع والأربعون ما جاء في الخمر والمعاقرة) نضمّنه ما جاء في تحريمها والنهي عنها، وأخبار من تركها تنزّها وترفّعا، أو تحرّجا وتحوّبا، ومن حثّ عليها ودعا إليها خلاعة وتطرّبا، وما قيل في مدحها وذمّها، ونفعها وضرّها، وأوصافها ونعت آنيتها وظروفها، وأخبار معاقريها، والمشهور من أسمائها وصفاتها، دون الغريب الوحشيّ، وغير ذلك من الفنون المتعلّقة بها، الموردة في أماكنها. والله الموفّق لما يرضيه، وإياه نسأل أن يجنّبنا ما يسخطه.

قال الله ﷿: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما

. (البقرة:).

وآية التحريم قوله سبحانه: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ

. (المائدة:). روي أن هذه الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطّلب ﵁.

- ومن الأخبار المتّفق عليها في الصحيحين أنّ عليّا ﵁

قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفا من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله ﷺ، واعدت رجلا صوّاغا من بني قينقاع يرتحل معي، فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصوّاغين، فأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال، [فإذا] شارفاي قد اجتبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر، فقلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، غنّته قينة وأصحابه:

ألا يا حمز للشّرف النّواء

فوثب حمزة إلى السيف فاجتبّ أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما. قال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة، قال: فعرف رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه في وجهي الذي لقيت، فقال: ما لك؟ قلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم! عدا حمزة على ناقتيّ فاجتبّ أسنمتهما وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب. قال: فدعا رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه بردائه، فارتداه ثم انطلق يمشي، واتّبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذن له، فإذا هم شرب؛ فطفق رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه بلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرّة عيناه، فنظر إلى رسول الله ﷺ فصعّد النظر إلى ركبته، ثم صعّد النظر إلى سرّته، ثم صعّد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعرف رسول الله ﷺ أنّه ثمل، فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى وخرج وخرجنا معه. وذلك قبل تحريم الخمر.

والأبيات التي غنّي فيها حمزة::

ألا يا حمز للشرف النّواءوهنّ معقّلات بالفناء
ضع السّكّين في اللّبّات منهافضرّجهنّ حمزة بالدماء
وعجّل من أطايبها لشربكرام من قدير أو شواء

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.