تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

حكايات وأخبار في التعريض

- بعث الجنيد بن عبد الرحمن المرّيّ إلى خالد بن عبد الله القسريّ بسبي من الهند بيض، فجعل يهب أهل البيت كما هو للرجل من قريش ومن وجوه الناس حتى بقيت جارية جميلة كان يذخرها لنفسه، فقال لأبي النجم العجليّ الراجز: هل عندك فيها شيء حاضر وتأخذها الساعة؟ قال: نعم أصلحك الله.

فقال العريان بن الهيثم النّخعيّ وكان على شرطته: ما يقدر على ذلك، قال أبو النجم:

علقت خودا من بنات الزّطّذات جهاز مضغط ملطّ
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
رابي المجسّ جيّد المحطّكأنّه قطّ على مقطّ
إذا بدا منها الذي تغطّيكأن تحت ثوبها المنعط
شطّا رميت فوقه بشطّلم يعل في البطن ولم ينحطّ
فيه شفاء من أذى التمطيكهامة الشيخ اليماني الثّطّ

وأومأ بيده إلى هامة العريان. فضحك خالد وقال للعريان: هل تراه احتاج إلى رويّ فيها؟ قال: ولكنه ملعون ابن ملعون.

- وقال عبد الرحمن بن عائشة:

من يكن إبطه كآباط ذا الخلق فإبطاي في عداد الفقاح
لي إبطان يرميان جليسيبشبيه السّلاح أو كالسّلاح
فكأني ما بين هذا وهذاقاعد بين مصعب وصباح

يعني مصعب بن عبد الله الزّهريّ وصباح بن خاقان المنقريّ، وكانا جليسين لا يكادان يفترقان وصديقين متواصلين، فلقيهما أحمد بن هشام يوما فقال: أما سمعتما ما قال فيكما هذا، يعني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ؟ فقالا: ما قال إلا خيرا، قال:

لام فيها مصعب وصباحفعصينا مصعبا وصباحا
وأتينا غير سعي إليهافاسترحنا منهما واستراحا

ولكن المكروه ما قال فيك إذ يقول:

وصافية تعشي العيون رقيقةرهينة عام في الدّنان وعام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وصافية تعشي العيون رقيقة»
أدرنا بها الكأس الرويّة موهنامن الليل حتى انجاب كلّ ظلام
فما ذرّ قرن الشمس حتى كأنّنامن العيّ نحكي أحمد بن هشام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وصافية تعشي العيون رقيقة»

أبو عمران الموصليّ:

وليل كوجه البرقعيديّ ظلمةوبرد أعانيه وطول قرونه
للشاعر الظاهر الجزري، اقرأ القصيدة
قطعت ونومي فيه نوم مشردّكعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولق فيه التفات كأنّهأبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنّهسنا وجه قرواش وضوء جبينه
للشاعر ابن الزمكدم، اقرأ القصيدة

- البحتريّ من أبيات يصف فرسا:

ما إن يعاف قذى وإن أوردتهيوما خلائق حمدويه الأحول

الرضي ﵁:

ما زلن حتى لفّهنّ على الوجىليل كعرض أبي فلان المظلم

- قال المأمون القارىء: اقرأ، فقرأ: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ

(المائدة:)، فأمر بحبسه.

- دخل رجل من محارب على عبد الله بن يزيد الهلاليّ وهو بأرمينية، فقال له عبد الله: ماذا لقينا البارحة من شيوخ محارب، ما تركونا ننام! يريد الضفادع، قال المحاربيّ: أصلحك الله، إنّهم أضلّوا برقعا لهم وكانوا في بغائه.

أراد الأوّل قول الشاعر:

تكشّ بلا شيء شيوخ محاربوما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدلّ عليها صوتها حيّة البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

وأراد الآخر قول الشاعر:

لكلّ هلاليّ من اللؤم برقعولابن يزيد برقع وجلال

- قال رجل لآخر: مرحبا بأبي المنذر، فقال: ليست هذه كنيتي، فقال: نعم، ولكنها كنية مسيلمة، يعرّض بأنّه كذّاب.

- خرج المأمون يوما برقعة فيها مكتوب: يا موسى، فقال: هل تعرفون لها معنى؟ فقالوا: لا، فقال إسحاق بن إبراهيم الطاهري: يا أمير المؤمنين هذا إنسان محذّر إنسانا، أما سمعت الله ﷿ يقول: يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ

(القصص:). فقال المأمون: صدقت، هذه صرف جاريتي كتبت إلى أختها متيّم جارية علي بن هشام أني [عازم] على قتله، فحذّرته.

- كان هشام بن عمرو التغلبيّ على نصيبين، فخرج يشيّع أبا مسلم، فقال أبو مسلم: كيف يقول عمّك مهلهل:

إنّي لأذكر منيتي ونجيبتيتحتي وأرفعها تخبّ ذميلا
إني لأكره أن أعيش مظلّماطول الحياة وأن أعيش ذليلا

فقال هشام لكاتبه: اكتب إلى أمير المؤمنين عرّفه أنّ أبا مسلم قد خلع الطاعة.

- دخل الحسن بن سهل إلى المأمون، فحلف عليه أن يشرب عنده، فأخذ القدح، فقال له: بحقّي عليك إلا أمرت من شئت أن يغنّيك، فأومأ الحسن إلى إبراهيم بن المهدي، فقال له المأمون: غنّه يا إبراهيم، فاندفع وغنّى:

تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفتكما استعان بريح عشرق زجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

فغضب المأمون ووثب عن مجلسه ودعا بإبراهيم وقال له: لا تدع كبرك وغلّك؛ أنفت من إيمائه إليك فغنّيت معرّضا بما تعرّض له من المرار بشعر فيه

ذكر الوسواس، والله لقد عزمت على قتلك إذ خرجت عليّ، ونزعت يدك من طاعتي، حتى قال لي: إن قتلته فعلت ما فعله الناس قبلك، وإن عفوت عنه فعلت ما لم يفعله أحد قبلك، فعفوت عنك لقوله، فلا تعد.

- كان البراء بن قبيصة صاحب شراب، فدخل إلى الوليد بن عبد الملك وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ فقال: فرس لي أشقر ركبته فكبا بي، فقال:

لو ركبت الأشهب لما كبابك، يريد الماء.

- دخل خليلان المعلّم- وكان يغنّي على تستر وتصوّن- يوما على عقبة بن مسلم الأزدي فاحتبسه عنده، فأكل معه ثم شرب، وحانت منه التفاتة فرأى عودا معلّقا فعلم أنّه عرّض له به، فدعا به فأخذه وغنّاهم:

يا ابنة الأزديّ قلبي كئيبمستهام عندها ما ينيب

وحانت منه التفاتة فرأى وجه عقبة قد تغيّر، وقد ظنّ أنّه عرّض به، ففطن لما أراد به فغنّى:

ألا هزئت بنا قرشيّةيهتزّ موكبها

فسرّي عن عقبة وشرب، فلما فرغ وضع العود من حجره وحلف بالطلاق أنه لا يغنّي بعد يومه ذلك إلا من يجوز أمره عليه.

- دخل الحطيئة على عيينة بن النّهاس العجلي، فسأله وهو لا يعرفه، فقال له: ما أنا على عمل فأعطيك، ولا في مالي فضل عن قومي، قال له: لا عليك وانصرف. فقال له بعض قومه: قد عرّضتنا ونفسك للشرّ، قال: فكيف؟ قالوا:

هذا الحطيئة وهو هاجينا أخبث هجاء، فقال: ردّوه، فردّوه إليه، فقال: كتمتنا أمرك بنفسك كأنك كنت تطلب العلل علينا، اجلس فلك عندنا ما يسرّك فجلس، فقال له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:

ومن يجعل المعروف من دون عرضهيفره ومن لا يتّقي الشّتم يشتم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فقال له عيينة: إنّ هذا من مقدمات أفاعيك. ثم قال لوكيله: إذهب معه إلى السوق فلا يطلب شيئا إلا اشتريته له. فجعل يعرض عليه الخزّ ورقيق الثياب فلا يريدها، ويومىء إلى الكرابيس والأكسية الغلاظ، فيشتريها له حتى قضى أربه، ثم مضى. فلما جلس عيينة في نادي قومه أقبل الحطيئة، فلما رآه عيينة قال: هذا مقام العائذ بك يا أبا مليكة من خيرك وشرّك، قال: قد قلت بيتين فاسمعهما، فأنشده:

سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلافسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا»
وأنت امرؤ لا الجود منك سجيّةفتعطي، ولا يعدي على النائل الوجد
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا»

- كان الفرزدق في حلقة في المسجد وفيها المنذر بن الجارود العبديّ، فقال المنذر: من الذي يقول:

وجدنا في كتاب بني تميمأحقّ الخيل بالركض المعار
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا بان الخليط ولم يزاروا»

فقال الفرزدق: يا أبا الحكم، هو الذي يقول:

أشارب قهوة وخدين زيروضرّاط لفسوته بخار
وجدنا الخيل في أفناء بكروأفضل خيله خشب وقار

فخجل المنذر حتى ما قدر على الكلام.

- وفد سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان، وكان جميل الوجه، على

هشام بن عبد الملك، فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدّب الوليد بن يزيد، فأراده على نفسه، وكان لوطيّا زنديقا وكان كثير الشّبق، فدخل سعيد على هشام مغضبا وهو يقول:

إنّه والله لولا أنت لمينج مني سالما عبد الصّمد
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة

فقال هشام: لماذا؟ فقال:

رام جهلا بي وجهلا بأبييدخل الأفعى إلى خيس الأسد

فضحك هشام وقال: لو فعلت به شيئا لم ننكر عليك.

- ابن مناذر في رجل كان يرمى بالزندقة:

يا أبا جعفر كأنّك قد صرت على أجرد طويل الحران
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
من مطايا ضوامر ليس يصهلن إذا ما ركبن يوم رهان
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
لم يذلّلن بالسروج ولا أقرح أشداقهنّ جذب العنان
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
قائمات مسوّمات لذي الجسر لأمثالكم من الفتيان

- قال عبد الملك بن مروان لثابت بن الزبير: ما ثابت من الأسماء؟ لا باسم رجل ولا بامرأة، قال: يا أمير المؤمنين، لا ذنب لي، لو كان اسمي إليّ لسمّيت نفسي زينب، يعرّض بأبيه كان يعشق زينب بنت عبد الرحمن بن هشام، وخطبها فقالت: لا أوسّخ نفسي بأبي الذّبّان.

- ذكروا أنّ السليك أملق، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرّة من بعض من يمرّ به في ليلة باردة مقمرة، فاشتمل الصّمّاء ثم نام، واشتمال

الصمّاء أن يردّ فضل ثوبه على عضده اليمنى ثم ينام عليها، فبينا هو نائم إذ جثم عليه رجل فقعد إلى جنبه وقال: استأسره، فرفع السليك إليه رأسه وقال: الليل طويل وأنت مقمر، فأرسلها مثلا، فجعل الرجل يلمزه ويقول: يا خبيث استأسر، فلما آذاه بذلك أخرج السليك يده وضمّ الرجل إليه ضمّة ضرط منها وهو فوقه، فقال السّليك: أضرطا وأنت الأعلى! فأرسلها مثلا، ثم قال السليك: ما أنت؟ قال: رجل افتقرت فقلت: لأخرجنّ فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني قال: فانطلق معي، فانطلقا فوجدا رجلا قصّته مثل قصّتهما، فاصطحبوا جميعا حتى أتوا الجوف جوف مراد، فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم قد ملأ كلّ شيء من كثرته، فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها ويلحقهم الطلب فقال لهم سليك: كونوا قريبا منّي حتّى آتي الرّعاء فأعلم لكما علم الحيّ، أقريب أم بعيد هم، فإن كانوا قريبا رجعت إليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أوحي إليكما به فأغيرا. فانطلق حتى أتى الرّعاء فلم يزل يستنطقهم حتى أخبروه مكان الحيّ. فإذا هم بعيد، إن طلبوا لم يلحقوا، فقال السليك للرّعاء: ألا أغنّيكم؟

قالوا: بلى، غنّينا، فرفع صوته وغنّى:

يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالواديسوى عبيد وأمّ بين أذواد
أتنظران قريبا ريث غفلتهمأم تغدوان فإن الربح للغادي

فلما سمعا ذلك أتيا السّليك فطردوا الإبل فذهبوا بها، ولم يبلغ الصريخ الحيّ حتى فاتوهم بالإبل.

- قال نميريّ لفقعسي: إني أريد إتيانك فأجد على بابك خرءا، فقال له الفقعسيّ: اطرح عليه ترابا وادخل، أراد النّميريّ قول الشاعر:

ينام الفقعسيّ ولا يصلّيويخرأ فوق قارعة الطريق

وأراد الفقعسيّ:

ولو وطئت نساء بني نميرعلى ترب لخبّثن التّرابا

- كان بالمدينة رجل يسمّى جعدة يرجّل شعره ويتعرّض للنساء، فكتب رجل من الأنصار، وكان في الغزو، إلى عمر ﵁:

ألا أبلغ أبا حفص رسولافدى لك من أخي ثقة إزاري
قلائصنا هداك الله إنّاشغلنا عنكم زمن الحصار
يعقّلهنّ جعد شيظميوبئس معقّل الذّود الظّؤار

كنّى بالقلائص عن النّساء، وعرّض لأنّ اسمه جعدة، فسأل عمر عنه، فدلّ عليه ونفاه عن المدينة.

أخذ عليّ ﵇ رجلا من بني أسد في حدّ، فاجتمع قومه ليكلّموه فيه، وطلبوا إلى الحسن أن يصحبهم فقالوا: ائتوه فهو أعلى بكم عينا، فدخلوا عليه فرحّب بهم وقال لهم معروفا، وسألوه فقال: لا تسألوني شيئا أملكه إلا أعطيتكم. فخرجوا وهم راضون يرون أنّهم قد أنجحوا.

فسألهم الحسن فقالوا: أتينا خير مأتى، وحكوا له قوله. فقال: ما كنتم فاعلين إذا جلد صاحبكم فاصنعوه، فأخرجه عليّ ﵇ فحدّه فقال:

هذا والله لست أملكه.

- قال عبد الله بن الزبير لامرأة عبد الله بن خازم السّلميّ: أخرجي المال الذي وضعته تحت استك فقالت: ما ظننت أنّ أحدا يلي شيئا من أمور

المسلمين يتكلّم بهذا، فقال بعض الحاضرين: أما ترون الخلع الخفيّ الذي أشارت إليه؟! فلما أخذ الحجاج أمّ عبد الرحمن بن الأشعث تجنّب ما عيب على ابن الزبير، فكنّى عن المعنى فقال لها: عمدت إلى مال الله فوضعته تحت ذيلك.

قال الشقراني - مولى رسول الله ﷺ: خرج العطاء أيام أبي جعفر، وما لي شفيع، فبقيت متحيّرا، فإذا أنا بجعفر بن محمد ﵉، فقمت إليه فقلت: جعلني الله فداك، أنا مولاك الشقراني، فرحّب بي وذكرت له حاجتي فنزل ودخل دار أبي جعفر وخرج وعطائي في كمّه، فصبّه في كمّي، ثم قال: يا شقراني، إنّ الحسن من كلّ أحد حسن، وإنّه منك أحسن لمكانك منّا، وإنّ القبيح من كلّ أحد قبيح وهو منك أقبح لمكانك منّا، عرّض له فإنّه كان يصيب من الشراب، فأكرم في تعريضه بعد إحسانه في الشفاعة وتنجّز حاجته.

- ماتت للهذليّ أمّ ولد، فأمر المنصور الربيع بأن يعزّيه ويقول له:

إنّ أمير المؤمنين موجّه إليك جارية نفيسة لها أدب وظرف تسلّيك عنها، وأمر لك بفرش وكسوة وصلة، فلم يزل الهذليّ يتوقّعها، ونسيها المنصور، فحجّ ومعه الهذليّ فقال له وهو بالمدينة: أحبّ أن أطوف الليلة بالمدينة، فاطلب لي من يطوف بي، فقال أنا لها يا أمير المؤمنين. فطاف به حتى وصل إلى بيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:

يا بيت عاتكة الذي أتعزّل

فأنكر المنصور ذكر بيت عاتكة من غير أن يسأله عنه، فلما رجع أمرّ القصيدة

على قلبه فإذا فيها:

وأراك تفعل ما تقول وبعضهممذق الحديث يقول ما لا يفعل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «زايلت ما صنعوا إليك برحلة»

فذكر الوعد فأنجز له واعتذر له.

طلب المتوكّل جارية الزقاق بالمدينة، وكاد يزول عقله لفرط حبّه لها، فقالت لمولاها: أحسن ظنّك بالله وبي، فإني كفيل لك بما تحبّ. فحملت فقال لها المتوكل: إقرئي! فقرأت: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ

(ص:). ففهم المتوكل ما أرادت فردّها إلى مولاها.

- اختفى إبراهيم بن المهديّ في هربه من المأمون عند عمّته زينب بنت أبي جعفر، فوكّلت بخدمته جارية لها اسمها ملك، واحدة زمانها في الحسن والأدب، طلبت منها بخمسمائة ألف درهم فأبت، فهويها وتذمّم أن يطلبها منها، فغنّى يوما وهي قائمة على رأسه:

يا غزالا لي إليهشافع من مقلتيه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
والذي أجللت خدّيهـ فقبّلت يديه
بأبي وجهك ما أكثر حسادي عليه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
أنا ضيف وجزاء الضضيف إحسان إليه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

ففطنت الجارية فحكت ذلك لمولاتها، فقالت: إذهبي إليه وأعلميه أني قد وهبتك له. فعادت له، فلما رآها أعاد الغناء، فانكبّت عليه فقال لها: كفّي، فقالت: قد وهبتني لك مولاتي وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم.

كان بين يزيد بن معاوية وبين إسحاق بن طلحة بن عبيد الله كلام بين يدي معاوية، فقال يزيد: يا إسحاق إنّ خيرا لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنّة، فقال إسحاق: وأنت والله خير لك أن يدخل بنو العباس كلّهم الجنّة،

فانكسر يزيد ولم يدر ما عناه. فلما قام إسحاق قال معاوية: أتدري ما عناه إسحاق؟ قال يزيد: لا، قال: فكيف تشاتم رجلا قبل أن تعلم ما يقال لك وفيك؟ عنى ما زعم الناس بأنّ العباس أبي أنا. وكانت هند اتّهمت به وبغيره.

وذلك لمّا جاءت إلى النبيّ ﵌ تبايعه، فتلا عليها الآية، فبلغ قوله: وَلا يَزْنِينَ

(الممتحنة:). قالت: وهل تزني الحرّة؟! فنظر النبيّ ﵌ إلى عمر ﵁ وتبسّم.

- خاصم خيلان رجلا من أولاد زياد، فقال له الزياديّ: يا دعيّ، فأنشأ خيلان يقول:

بثينة قالت يا جميل أربتنيفقلت كلانا يا بثين مريب
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «بثينة قالت يا جميل أربتني»

فبلغ قولهما ابن عائشة فقال: والله إنّ خيلان في التمثّل بهذا البيت أشعر من جميل.

- كان يونس يختلف إلى الخليل يتعلّم منه العروض، فصعب عليه تعلّمه، فقال له الخليل يوما: من أيّ بحر قول الشاعر:

إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «إذا لم تستطع شيئاً فدعه»

ففطن يونس إلى ما عناه الخليل وترك العروض.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.