من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
فتوى أبي حنيفة
كان في جوار أبي حنيفة رجل يسرف في حسده ويذكره بكلّ سوء. فكان أبو حنيفة يمرّ به فيسلّم عليه فلا يردّ ﵇. فقيل لأبي حنيفة في أمره فقال: إنّ للجوار حقّا. ثم إنّ الرجل سابّ رجلا من أصحاب السلطان، فشتمه وشهد عليه جماعة بشتمه إيّاه، فهرب من بين يدي السلطان وأتى أبا حنيفة فأخبره بخبره وقال: أنا مستح منك ولكن أغثني، فقال: يا فلان، لا تبذأ على المسلمين، فإنّ البذاء لؤم، والفحش من قلّة الدين، إذا صرت إلى السلطان فاعترف وقل: كانت أمّه مسلمة صالحة، وسمعت بيتا من الشّعر، فأردت غيظه به فأنشدته إياه:
ربّ ركب وهم مشاة رأيناوزنا للزانيين حلالا
قال: فغدا الرجل إلى السلطان وأحضرت البيّنة، فقال: أيها الأمير، صحّ عندي أن أمّه مسلمة حرّة عفيفة ورعة، وأخبرني هو أن أباه وأمّه زنيا حلالا، فأنشدته بيتا قيل؛ فلم يوجب عليه السلطان عقوبة.
وقال رجل لأبي حنيفة: ما تقول في رجل قال: لا أرجو الجنّة ولا أخاف النار، وآكل الميتة وأشهد بما لم أر، ولا أخاف الله، وأصلّي بلا ركوع ولا سجود، وأبغض الحقّ وأحبّ الفتنة؟ قال أبو حنيفة، وكان هو يعرفه شديد البغض له: يا فلان، سألتني عن هذه المسألة ولك بها علم؟ قال: لا، ولكن لم أجد شيئا هو أشنع من هذا فسألتك عنه، قال: فقال أبو حنيفة لأصحابه:
ما تقولون في هذا؟ قالوا: شرّ رجل هذه صفة كافر، قال: فتبسّم أبو حنيفة
وقال له: لقد شنّعت القول فيه، ثم قال: هو والله من أولياء الله حقّا، ثم قال للرجل: إن أنا أخبرتك أنّه من أولياء الله حقّا تكفّ عني شرّك، ولا تمل على الكتبة ما يضرّك؟ قال: نعم، قال أبو حنيفة: أما قولك: إنّه لا يرجو الجنّة ولا يخاف النار، فإنه يرجو ربّ الجنة ويخاف ربّ النار، وقولك: لا يخاف الله، فإنّه لا يخاف ظلمه ولا جوره وقال الله تعالى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
(فصلت:). وقولك: يأكل الميتة، فهو يأكل السّمك، وقولك: يصلي بلا ركوع ولا سجود، فقد جعل أكثر عمله الصلاة على النبيّ ﵌، وقد لزم موضع الجنائز فهو يصلّي عليها ويعتبر ويقصّر أمله ويصلّي على كلّ مسلم ومسلمة، ويدعو للأحياء والأموات ومن هو آت من المؤمنين والمؤمنات، وقولك: يشهد بما لم ير، فهو شهادة الحقّ، يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله، وقولك: يبغض الحقّ، فهو يحبّ البقاء حتى يطيع الله ويكره الموت وهو الحقّ، قال الله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ
(ق:)، وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقرأ: «وجاءت سكرة الحقّ بالموت»، وأما الفتنة فالقلوب مجبولة على حبّ المال والولد وذاك من الفتنة العظيمة على قلوب المؤمنين، قال الله تعالى: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
(التغابن:)، لكم فاحذروهم.
قال سيف الدولة بن حمدان لابن عمّ له: ما أعاقك اليوم عن التصبّح؟ قال: دخلت الحمّام وقلّمت أظفاري، فقال: لو قلت: أخذت من أطرافي كان أوجز.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع