تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر من هذا الباب وأنواعه

- تزوّج حمّاد عجرد امرأة، فدخل أصدقاؤه صبيحة البناء بها فسألوه عن خبره معها فقال:

قد فتحت الحصن بعد امتناعبمبيح فاتح للقلاع
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
ظفرت كفّي بتفريق شملجاءنا تفريقه باجتماع
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
فإذا شملي وشمل حبيبيإنّما يلتام بعد انصداع

- سأل خلف أو الأصمعيّ رجلا عن قول الشاعر:

ولقد غدوت بمشرف يافوخهعسر المكرّة ماؤه يتدفّق
مرح يسيل من النشاط لعابهويكاد جلد إهابه يتمزّق

فقال: يصف فرسا. فقال: أرأسك الله على مثله.

- مرّ أعرابيّ بجارية تمدر حوضا لها، فقال: من دلّ على بعير بعنقه علاط، وبأنفه خزام، تتبعه بكرتان سمراوان؟ فقالت الجارية: لا حفظ الله عليك يا عدوّ الله، فقيل لها: ما ذاك؟ قالت: ينشد سوءته.

- شكا رجل إلى مزبّد سوء خلق امرأته، فقال مزبد: بخّرها بمثلّثة، يريد الطلاق.

- دخل مطيع بن إياس على قوم وعندهم قينة، فقالوا: اسقوه، ولم يكن أكل شيئا، فاستحيا وشرب. فلما أوجعه النبيذ قال لها تغنين:

خليليّ داويتما ظاهرافمن ذا يداوي جوى باطنا

فعلموا أنّه عرّض بالجوع، فأطعموه.

عرض شريح ناقة للبيع فقال له المشتري: كيف غزارتها؟ قال:

احلب في أيّ إناء شئت، قال: فكيف وثاقتها؟ قال: احمل على حائط ما شئت، قال: كيف وطاؤها؟ قال: افرش ونم، قال: كيف نجاؤها؟ قال: هل رأيت البرق قطّ؟

»

- قال الأصمعيّ: كنت مع خلف جالسا، فجرى كلام في شيء من اللغة، وتكلّم فيه أبو محمد اليزيديّ وجعل يشغب، فقال له خلف: دعني من هذا يا أبا محمد، وأخبرني من الذي يقول:

وإذا انتشيت فإنّنيربّ الحريبة والرّميح
وإذا صحوت فإننيربّ الدويبة واللّويح

يعرّض به أنه معلّم وأنّه يلوط فغضب اليزيديّ وقام فانصرف.

- كان لمطيع بن إياس صديق من العرب يجالسه، فضرط ذات يوم وهو عنده، فاستحيا وغاب عن المجلس، ففقده مطيع وعرف سبب انقطاعه، فكتب إليه يقول:

أظهرت منك لنا هجرا ومقليةوغبت عنّا ثلاثا لست تغشانا
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة
هوّن عليك فما في الناس ذو إبلإلا وأينقه يشردن أحيانا
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة

- حدّث الأصمعيّ الرشيد معرّضا أنّه كان بالبصرة فتى له كوخ من قصب كان يغشاه الفتيان، فإذا أطربهم سمره قال بعضهم: غدا عليّ ألف آجرّة، وقال آخر: عليّ الجصّ، وقال آخر: عليّ أجرة البنّاء، فيصير كوخه قصرا من ساعته، ثم يصبح فلا يرى شيئا، فقال:

إذا ما طابت الأسمار قالواغدا نبني بآجرّ وجصّ
وكيف يشيّد البنيان قوميزجّون الشتاء بغير قمص

فاستضحك الرشيد وقال: لكننا نبني لك قصرا لا تخاف فيه ما خاف الفتى، وأمر له بألفي دينار.

قال أشعب لفقيه: ما تقول في صلاة صلّيتها في ثوبين؟ قال: هي جائزة في ثوب فكيف في ثوبين؟ قال: هما جورب وقلنسوة.

قال يموت بن المزّرع: قال لي ابن صدقة المرّي: ضربك الله باسمك، فقلت: أحوجك الله إلى اسم أبيك.

- قيل لبعض صبيان الأعراب: ما اسمك؟ قال: قراد، قيل: لقد ضيّق أبوك عليك الاسم، قال: إن ضيّق الاسم فقد وسّع الكنية، قيل: وما كنيتك؟ قال: أصحاب الصحارى.

- كان داود بن عيسى يلقّب بأترجّة، وعبد السميع بن محمد بن منصور بشحم الخزيرة، ومحمد بن أحمد بن عيسى الهاشمي يلقّب كعب البقر، وكانوا مع المستعين فلما صاروا إلى المعتزّ قال فيهم:

أتاني أترجّة في الأمانوعبد السميع وكعب البقر
فأهلا وسهلا بمن جاءناويا ليت من لم يجىء في سفر

فقالوا: قد شرّفنا أمير المؤمنين، ولكنه ذكرنا باللقب دون عبد السميع، فقال: ما عرفت لقبه، فقالا: شحم الخزير، فقال: هو في وزنه سواء بسواء، فضعوه في موضعه.

اجتاز المبرّد ﵀ بسذاب الورّاق، فسأله دخول منزله، فقال له: ما عندك؟ قال: أنا وأنت، يعني اللحم البارد والسذاب.

أبو نواس يكني عن نكاح اليد:

وقل بالرّفا ما نلت من وصل حرّةمنعّمة حفّت بخمس ولائد
تعقّفه ما دام في السجن ثاوياودامت عليه محكمات القلائد

أعرابي: يا ابن التي خمارها في فيها، أراد ما خمرت به فاها، فهي تستره ببخرها.

حجّ مع ابن المنكدر ﵀ شبّان، فكانوا إذا رأوا امرأة جميلة قالوا: قد أبرقنا، وهم يظنّون أنّه لا يفطن. فرأوا قبّة فيها امرأة فقالوا: بارقة، وكانت قبيحة، فقال: صاعقة.

وكان أصحاب ابن أبي عليّ الثقفيّ إذا رأوا امرأة جميلة قالوا:

حجّة، فعنّت لهم امرأة قبيحة فقالوا: داحضة.

- أنشد العجّاج:

أمسى الغواني معرضات صدّدا

وأعرابيّ حاضر فقال:

تنحّ عن صدده لا تسقط منه كلمة فتشدخك. كنى عن خشونة كلامه وغلظه.

ساير هشام بن عبد الملك أعرابيّ، فقال له: انظر ما على ذلك الميل، فجاء الأعرابي وتأمّله وقال: رأيت شيئا كرأس المحجن متّصلا بحلقة يتبعها ثلاثة كأطباء الكلبة، كأن رأسها رأس قطاة بلا منقار، فعرف هشام أنّه يصف خمسة.

وأضلّ رجل بعيرا، فقال لأعرابيّ: هل رأيت بعيرا جعفرا؟ فقال:

ما أعرف جعفرا، ولكن رأيت بعيرا سمته محجن، وشابوره وحلقه وهلاله متّصل بعضه ببعض، فقال: هوذا.

وقال مشمشة المخنّث لرجل: اكتب: مشمشة يقرأ عليك السلام، فقال: قد كتبت، فقال: أرنيه، فإنّ اسمي يشبه دخالة الأذن.

مخلد الموصلي:

أنت عندي عربيّليس في ذاك كلام
عربيّ عربيّعربيّ والسلام
شعر أجفانك قيصوم وشيح وثمام

التقط أعرابيّ اسمه موسى كيسا، ثم دخل مسجدا يصلّي فيه، وقرأ الإمام: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى

(طه:)، فرمى إليه بالكيس وقال:

والله إنّك لساحر.

وفد شاعران على المأمون، فقال لأحدهما: ممّن؟ قال: من ضبّة، فأطرق، فقال: يا أمير المؤمنين من ضبّة الكوفة لا من ضبّة البصرة. وسأل الآخر فقال: من الأشعريين. فقال: أنت أشعر أم صاحبك؟ قال: ما ظننت أن هاشميّا يحكّم أشعريّا بعد أبي موسى، فضحك وقال: أعطوا الضبيّ ألفا لفطنته، والأشعريّ ألفا لنادرته.

كان رجل يتعاطى الصّراع. فلم يصرع أحدا، فتركه وتعاطى الطّبّ، فمرّ به حكيم فقال له: الآن تصرع خلقا كثيرا.

- تنّبأ رجل في زمن المنصور، فقال له: أنت نبيّ سفلة، فقال:

جعلت فداك، كلّ إنسان يبعث إلى شكله.

قصّ قاصّ، فأقبل جماعة من المرد فقال: ها هو قد جاء العدوّ، أمّنوا، اللهم امنحنا أكتافهم، وكبّهم على وجوههم، وولّنا أدبارهم، وأرنا عورتهم، وسلّط أرماحنا عليهم، والناس يؤمّنون ولا يدرون.

يتلوه باب الخمر والمعاقرة والحمد لله على نعمته، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.